رأي
التناقض الغربي؛ الدولة المدنية له.. والمشيخات لنا!

من المثير للانتباه أن نرى مؤسسات دولية تنتمي إلى دول قطعت شوطًا طويلًا في بناء الدولة الحديثة، وترسيخ قيم الديمقراطية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، تعود في تعاملها مع مجتمعاتنا إلى استدعاء البنى التقليدية والوجاهات القبلية والمشيخات، وكأن هذه المجتمعات لم تعرف طريقًا إلى التنظيم السياسي والاجتماعي سوى من خلال تلك التكوينات، أو أن الدولة الحديثة تظل بالنسبة إليها فكرة بعيدة عن واقعها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: الغرب الذي قامت تجربته السياسية الحديثة على تجاوز حكم الامتيازات الإقطاعية والوراثية والعصبيات الاجتماعية، وبناء مؤسسات تستمد شرعيتها من القانون والمواطنة والتفويض الشعبي، يعود في تعامله مع منطقتنا إلى استدعاء إرث سياسي واجتماعي تجاوزه في تنظيم السلطة العامة، فيتعامل مع المشيخات والسلطنات والوجاهات التقليدية باعتبارها مفاتيح لإدارة المجتمعات وضبط صراعاتها.
ولعل الحالة اليمنية تقدم مثالًا واضحًا على هذه المفارقة. فخلال السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام الدولي بالوجاهات القبلية والمشيخات بوصفها أطرافًا يمكن الاستعانة بها في إدارة النزاعات المحلية، وصياغة التفاهمات، والتأثير في المجتمعات. وكان المؤتمر الذي انعقد في جنيف لإطلاق ما سُمّي «ميثاق الشرف القبلي اليمني»، برعاية مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، أحد الأمثلة التي أعادت طرح هذا النهج للنقاش.
وهذا يكتسب أهمية خاصة في الحالة اليمنية الراهنة، حيث لا يزال اليمنيون يخوضون معركة استعادة دولتهم وإنهاء الانقلاب الحوثي، بما يقتضيه ذلك من إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة، لا فتح المجال أمام تكوينات تقليدية جديدة تتقاسم معها أدوارها وصلاحياتها. فالمطلوب هو استعادة الدولة وبناء مؤسساتها، لا تكريس مراكز نفوذ موازية لها.
والمشكلة هنا ليست في القبيلة بوصفها مكونًا اجتماعيًا له حضوره وتقاليده، ولا في الاستفادة من دورها في الإصلاح والوساطة ووقف النزاعات، وإنما في تحويل المشيخات والوجاهات القبلية إلى بوابات أساسية لإدارة المجتمعات، ومنحها أدوارًا تتجاوز طبيعة وظيفتها الاجتماعية، وكأنها بديل مناسب عن مؤسسات الدولة الحديثة، أو أنها الأقدر على تمثيل الناس والتحدث باسمهم وتقرير مستقبلهم.
يمكن تفهّم حاجة المؤسسات الدولية إلى التعامل مع القوى المؤثرة على الأرض، خصوصًا في بلدان تعيش الحروب والانقسامات وتراجع مؤسسات الدولة. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين التعامل مع هذه القوى باعتبارها أطرافًا اجتماعية يمكن الاستفادة من تأثيرها في حل النزاعات، وبين إعادة إنتاجها سياسيًا ومنحها أدوارًا تمثيلية وإدارية على حساب مؤسسات الدولة والقوى المدنية. فالأولى قد تكون ضرورة تفرضها ظروف الصراع، أما الثانية فقد تتحول إلى وسيلة لإدامة البنى التي تعيق قيام الدولة المدنية نفسها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يبدو التعامل مع القوى التقليدية والوجاهات المحلية أسهل وأيسر لدى بعض المؤسسات الدولية من التعامل مع القوى المدنية المستقلة ومؤسسات الدولة الوطنية؟ ولماذا تحظى الشخصيات التي تستمد نفوذها من العصبية والمال والقدرة على الحشد الاجتماعي أو المسلح بمثل هذا الاهتمام، بينما تظل القوى التي تناضل من أجل المواطنة المتساوية والدولة المدنية ومؤسسات القانون أقل حضورًا في حسابات كثير من هذه المؤسسات؟
هل لأن التعامل مع أصحاب النفوذ التقليدي أقل كلفة، وأكثر قابلية للمساومة، وأسهل في تحقيق تفاهمات مؤقتة؟ وهل لأن هذه التفاهمات، مهما كانت محدودة أو مؤقتة، تمنح المؤسسات الدولية قدرة أسرع على الوصول إلى المجتمعات والتأثير فيها، دون الاضطرار إلى التعامل مع تعقيدات بناء مؤسسات وطنية مستقلة وخاضعة للمساءلة؟
لا أزعم أن جميع المؤسسات الدولية تتبنى النهج نفسه، أو أن كل تعامل مع المشيخات والوجاهات التقليدية يستهدف إضعاف الدولة. لكن من حقنا أن نتساءل عن النتائج السياسية والاجتماعية لهذه الممارسات، وعن مدى اتساقها مع القيم التي تعلن تلك المؤسسات أنها تعمل على ترسيخها.
فالمؤسسات التي تتحدث باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد لا يمكنها أن تتجاهل التناقض بين خطابها وممارساتها، ولا أن تتعامل مع أصحاب النفوذ التقليدي باعتبارهم ممثلين للمجتمع لمجرد امتلاكهم المكانة الاجتماعية أو القدرة على الحشد أو التأثير في النزاعات. فالتمثيل السياسي لا يُكتسب بالوراثة أو الوجاهة أو النفوذ، وإنما يستند إلى التفويض الشعبي والمؤسسات القانونية وآليات المساءلة.
والأمر لا يقتصر على اليمن. فالتعامل مع المشيخات والسلطنات والوجاهات التقليدية في مجتمعات منطقتنا يعيد إلى الأذهان إرثًا طويلًا من السياسات التي فضّلت إدارة المجتمعات من خلال زعامات محلية ووسطاء تقليديين، بدلًا من دعم نشوء مؤسسات وطنية حديثة، قادرة على تمثيل المواطنين وإدارة شؤونهم وفق قواعد عامة تنطبق على الجميع.
وقد يكون التعامل مع هذه التكوينات أكثر سهولة في المدى القصير، لكن سهولة الوصول إلى أصحاب النفوذ لا تعني بالضرورة الوصول إلى المجتمع نفسه، كما أن القدرة على عقد تفاهمات مع زعامات محلية لا تعني امتلاك تفويض من الناس أو تمثيل مصالحهم. بل قد يؤدي هذا النهج إلى منح نفوذ إضافي لشخصيات لا تخضع للمساءلة العامة، وإلى إضعاف القوى المدنية والمؤسسات الوطنية التي يفترض أن تكون أساس أي مشروع لبناء الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: أن المؤسسات التي تتحدث باسم الدولة المدنية قد تجد نفسها، من حيث الممارسة، تعيد إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية التي تحول دون قيامها. وأن الجهات التي تدعو إلى ترسيخ المواطنة وسيادة القانون قد تساهم، من خلال اختياراتها وشراكاتها المحلية، في تكريس نفوذ يستند إلى العصبيات والولاءات الشخصية والامتيازات التقليدية.
إن اليمنيين لا يطالبون العالم بأن يتجاهل واقع مجتمعهم أو يتجاوز القوى الاجتماعية المؤثرة فيه، وإنما يطالبون بألا تتحول هذه القوى إلى بديل عن الدولة، وألا يُمنح أصحاب النفوذ أدوارًا تمثيلية وسياسية لا يستندون فيها إلى تفويض شعبي أو مساءلة قانونية.
فاليمن، مثل سائر المجتمعات، لا يمكن أن يظل أسيرًا لتكويناته التقليدية، ولا ينبغي أن يصبح ضعف الدولة مبررًا لإدامة القوى التي تستفيد من غيابها. وما يحتاجه اليمنيون هو دعم بناء مؤسسات وطنية حديثة، تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتتيح لجميع مكونات المجتمع المشاركة في الحياة العامة من خلال قواعد دستورية واضحة، لا عبر الولاءات الشخصية وشبكات النفوذ والوساطات التقليدية.
ومن المؤسف أن بعض من يرفعون رايات الدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان في بلدانهم، لا يترددون في التعامل معنا بمنطق مختلف، وكأن ما يصلح لشعوبهم لا يصلح لنا، وكأن مجتمعاتنا محكوم عليها بالبقاء تحت سلطة مشيخاتها ووسطائها ووجاهاتها التقليدية.
الدولة المدنية لا تُبنى بإعادة تدوير البنى التي عطّلت قيامها، ولا بمنح أصحاب النفوذ صفة تمثيل المجتمع دون تفويض منه. ومن يتحدث عن الديمقراطية وسيادة القانون لا ينبغي أن يساهم، في ممارساته خارج حدوده، في تكريس ما يفترض أنه تجاوزته تجربته السياسية الحديثة.
نقلا عن صفحة الكاتب على "فيسبوك"


