رأي

الروح لله..والباقي لي!

الروح لله..والباقي لي!

سمعت عن شيخ قبيلة يمنية كان لا يمتلك الأراضي والعبيد والحيوانات فقط، بل كل شيء.. كل شيء، بلا تحديد ولا تمييز!

وقد كانت عقود المِلْكية في روسيا القيصرية لا تشمل الأرض وحدها، بل ما عليها ومن عليها أيضاً. فقد كان البشر والبقر والشجر والحجر جزءاً لا ينفصم عن الأرض المملوكة. ويوماً، امتلك أحد كبار الإقطاعيين أرضاً تقع فيها مقبرة، فدحاها على وجه الأرض، وأقام عليها اسطبلاً للخيول، قائلاً بسخرية: لقد امتلك الرب الأرواح، أما الأجساد فهي لي، أفعل بها ما أشاء!

معظم الحُكَّام العرب -والحكام اليمنيون عربٌ أقحاح- يحصلون على السلطة (نعم، يحصلون عليها، ولا يستلمونها) بما يتبعها من مُحصّلات: الشعب، الأرض والمؤسسات.. فتصبح مصائر الشعوب والدول والمجتمعات والهيئات وسائر انزياحات الفصول واعتمالات الطبيعة مِلْكية خاصة بالحاكم. ويغدو من حق الحاكم -في غالب الأحيان- أن يُعدِّل حركات الرياح وطقوس الزراعة ومواسم الأمطار وتلقيح الشجر وتكوين المحاصيل.

وبعض من حكم اليمن رأى في نفسه القدرة المطلقة لتحديد مدى الرحلة التي يتبعها المرء من المهد إلى اللحد. وهو ينجح في ذلك بعض الحين، لكن نهايته -في كل الأحوال- تغدو أبشع من نهاية بقرة مجنونة على سكة قطار. ونهاية بعض حكام اليمن تشير بجلاء ساطع إلى فداحة هذه الحقيقة. فاليمنيون في التسامح أكرم من أرنبة، ولكنهم في الانتقام أشرس من جمل!

ويوماً، وصف شاعر يمني من يحكم اليمن بالنكد والتعاسة:

"وأتعس الناس في الدنيا وأنكدهم

من يركب الليث أو من يحكم اليمنا".

أما آخر حكام البلاد الراحلين فكان يردد دائماً بأن من يحكم اليمن أشبه ما يكون بـ"الراقص على رؤوس الأفاعي". والحق أن معظم حكام البلاد قد رقصوا دائماً على رؤوس المحكومين، فيما كانوا يُربُّون الأفاعي للانقضاض على المعارضين. وهذا الحاكم -نفسه- راح ضحية الأفاعي التي أخرجها من شقوقها وأطلقها على الناس في لحظة حقد أرعن، فصدق بذلك القول العاميّ الشهير "آخر المُحنّش للحنش"!

ذات يوم بعيد، حكى لي صديقي الأستاذ حسين عبدالرازق (هو صحافي وسياسي مصري ورئيس تحرير سابق لجريدة "الأهالي" اليسارية) أنه لم يعرف أكثر وقاحة بين القادة والساسة العرب من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.

قال لي حسين إن أبا عمار يكذب أمامك في أمرٍ أو واقعةٍ ما، وهو يدري أنك تدري أنه يكذب، لكنه برغم ذلك يطلب منك أن تؤكد على صحة حدوث هذا الأمر، أو تلك الواقعة. ولم ألتقِ العزيز حسين بعدها لأحكي له عمن فاق في وقاحته كل مثال عرفه صاحبي، بل كل مثال يعرفه أيّ آدمي!

راح صاحبنا إيّاه يتحدث -ذات مقيل- أمام جمع من عليّة القوم، عن وقائع كلها تلفيق وتزييف وادّعاء. وقد كان جميع أطراف هذه الوقائع متواجدين لحظتها، وكان يطلب منهم تأكيد صحة حدوثها فعلاً، بدون أن يرف له جفن أو يهتز له عصب. أبديتُ دهشتي من هول الحالة للراحل العظيم عمر الجاوي، فقال لي: من قال لك إنه يعي كذبته؟ إنه مؤمن بصدق روايته إيماناً مطلقاً. ففهمتُ أن الرجل قد بلغ حدّاً مَرَضياً في غاية الخطورة!

ولهذه الحالة المرضية الخطيرة حكاية أخرى رواها صحافي عربي شهير في إحدى مقالاته، إذْ أبدى دهشته من جرأة هذا الحاكم على اقتحام ميدان الأدب ومضمار الموسيقى من دون أدنى موهبة أو أهون معرفة. وقد فوجئ الصحافي بالحاكم يصحبه إلى صالة تؤدي فيها فرقة موسيقية البروفات على أوبريت زعم الحاكم أنه كاتب كلماته وواضع ألحانه، ثم راح يحمل عصا المايسترو ويشرع في قيادة الفرقة الموسيقية. وقد غضب بشدة حين حاول هذا الصحافي أن يخبره بديبلوماسية حذرة أن هذا المجال ليس له من باب أو نافذة!

لقد أبتلَتْ السماء اليماني بالعديد من ويلات القدر، وكوارث الطبيعة ومآسي الحياة بشتى صنوفها.. لكنّ ابتلاءه بحكامه فاق كل ابتلاء. وقد كان حكام اليمن -إلاَّ نادراً جداً- أقل اليمنيين تأهيلاً وأدناهم كفاءة وأشحّهم خبرة، لكنهم أكثرهم وقاحة وجلافة وتعايشاً مع الخطر.

رأي

لماذا قد تتفوق أدوات الحوثي على تجربة الإمامة؟

طبيعة الفكر السياسي الزيدي قوضت انتشاره، لأنه لم يكن قادراً على توليد استقرار اجتماعي وسياسي في مناطق انتشاره بسبب الحروب التوليدية المتناسلة داخله دون انقطاع.

رأي

عُقد التاريخ العسكري

لا تكمن المشكلة، في دراسة الحروب السابقة واستخلاص العبر من مآلاتها، بل في تحول تفسير معين لها إلى عقيدة جامدة تصعب مراجعتها. فقد يتم توارث افتراضات نشأت في ظروف تاريخية مختلفة، ويتواصل العمل بها رغم تغير التكنولوجيا والتهديدات وموازين القوى.

رأي

إيران واليمن.. الوصاية و تهديد الملاحة الدولية

اختزال ظهور القيادي في الحرس الثوري الإيراني، علي محمد رضائي، في العاصمة صنعاء، في الجانب المعنوي لا يفسر أبعاده كاملة؛ فالتقارير التي تتحدث عن دور رضائي في التنسيق والإشراف على الجوانب العسكرية والأمنية تثير تساؤلات بشأن مستوى التدخل الإيراني المباشر في إدارة العمليات الحوثية، ومدى ارتباط هذا الحضور بترتيبات تصعيدية جديدة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.