مقالات
الزعامات النسائية تعيد اكتشاف اليمن (١-٢)
هناك شيء أعمق من مجرد خلاف سياسي يحدث في بلادنا اليوم.
إنه ذلك القلق الصامت الذي ينتاب بعض البنى الاجتماعية والسياسية عندما ترى امرأة لا تدخل المجال العام لتجلس في الصف الأخير، ولا لتصفق للمتحدثين، ولا لتؤدي وظيفة رمزية، وإنما تدخل إلى قلب المسألة؛ تتحدث عن الدولة، وتناقش الأمن، وتلتقي الوجاهات، وتصغي إلى المجتمع، وتحاول أن تبني بين المتخاصمين مساحة مشتركة للعيش.
عند هذه النقطة بالتحديد يبدأ السؤال الغريب: لماذا تحضر مجالس الرجال؟ السؤال في ظاهره، عن مجلس، لكنه في الحقيقة سؤال عن السلطة. من يحق له أن يتحدث باسم المجتمع؟ ومن يحق له أن يجلس إلى طاولة المصالحة؟ ومن يحق له أن يدخل إلى المناطق التي ظلت طويلاً محكومة بمنطق اجتماعي ذكوري وأنثوي في معظمه "هذا شأن الرجال"؟
وهنا تصبح المرأة اليمنية أمام اختبار يتجاوز السياسة. أي إنها لا تدخل فقط إلى ساحة المنافسة على الأفكار، وإنما تدخل أيضا إلى ساحة إعادة تعريف المجال العام نفسه. في تعز تبدو هذه المسألة أكثر وضوحاً حيث يبرز اسم الدكتورة ألفت الدبعي.
شخصياً تعرفت على الدكتورة ألفت في الأردن في إحدى جلسات المناقشة التي تنظمها الأمم المتحدة ،وكانت تتحدث أمام الحضور مع زميل لها لا أتذكر اسمه عن المصالحة المجتمعية، حيث جعلا من تعز انموذجاً لهذه المصالحة، لكنني أتذكر ذلك المتحدث اللبق جيداً ،حيث قال أمام الحضور أنه هو من انتج هذه الفكرة "المصالحة المجتمعية"، وبدا من شرحه الإلمام والشمول والتمكن من معطياتها ونتائجها، حيث شرح الأمر بتفصيل يدعو للإعجاب، قبل أن تلتقط الدكتورة ألفت هذه الفكرة لترجمتها واقعاً، حيث يبدو أن إمكانات ذلك الشاب وعلاقاته لم تسعفه في تسويق فكرته وعكسها على الواقع، لكن المهم أنها اصبحت واقعاً في وقت لاحق بصرف النظر عن صاحبها.
ولعل من المهم التذكير، بأن الدكتورة ألفت الدبعي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة تعز، لم تأت إلى ملف المصالحة من فراغ؛ فقد كانت لها تجربة وحضور في مؤتمر الحوار الوطني، ولجنة صياغة الدستور التي كانت عضوة فيه، ومساحات العدالة الانتقالية، ثم في هيئة التشاور والمصالحة، وأصبحت أيضاً جزءاً من لجنة المصالحة والسلم الاجتماعي في تعز التي تحدثت عنها في الاردن في منتصف ٢٠٢٢ تقريبا. والأهم من الموقع الرسمي هو شكل الحركة على الأرض.
فالعمل الذي ارتبط بها في تعز تضمن لقاءات مع مكونات اجتماعية ومحلية، ونقاشًا حول المصالحة وعلاقة المجتمع بالمؤسسات الأمنية وكيف يمكن أن تتحول الشرطة من مجرد جهاز لضبط الأمن إلى مؤسسة تستعيد ثقة المواطن وتشارك في بناء السلم الاجتماعي، حيث دارات هذه النقاشات مع قيادات سياسية ووجاهات اجتماعية ونشطاء حقوقيين من مختلف المكونات والأعمار أيضا. هذه باعتقادي ليست "زيارات بروتوكولية"، بل هو بالضبط المكان الذي تبدأ فيه المصالحة الحقيقية.
فالحرب لا تسكن في البيانات. وحدها، والسلام كذلك لا يولد من البيانات السياسية، مع وضد. فالحرب في بلادنا تدخل إلى العائلة والقبيلة، والحزب، والقرية، والذاكرة.، ولهذا يجب أن يدخل السلام إلى المكان نفسه.
بصمة الجغرافيا
تميزت الحجرية بحضور وازن في مسار الحركة الوطنية اليمنية منذ إرهاصات ثورة 1948، مروراً بثورتي سبتمبر وأكتوبر، وصولا إلى مراحل تشكّل الدولة الوطنية الحديثة. ولم يكن هذا الحضور سياسياً فقط، بل تجسد في تنوع اجتماعي وثقافي ومهني واسع، عكس التفاعل الخلاق بين الريف والمدينة، وبين الحساسية المحلية والانتماء الوطني الأوسع، حيث أسهم أبناء هذه المنطقة بمختلف مواقعهم، وتوجهاتهم الفكرية والثقافية والفنية، في صياغة المجال العام اليمني، وتركوا بصماتهم في مختلف الجغرافيا اليمنية، شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، بما جعل الحجرية واحدة من البيئات الاجتماعية الأكثر اتصالاً بتكوين الدولة والحركة الوطنية اليمنية.
إن العمل في مثل هذه البيئة لا يكفي فيه أن تكون لديك صفة رسمية. أنت تحتاج إلى أن تذهب إلى الناس. تجلس مع الوجاهات. تستمع إلى الأكاديميين. تدخل إلى القرى والعزل. تقرأ المجتمع من الداخل، الأفكار، الاهتمامات، المظالم، الأحلام...الخ
فما يبدو في صنعاء أو عدن "خلافا سياسيا" قد يكون في القرية جرحا اجتماعيا عمره سنوات. من هنا يصبح الانتقال من المكتب إلى المجتمع جزءاً من السياسة نفسها، بل ربما كان أهم جزء فيها. ليست القضية أن المرأة ألفت أو غيرها دخلت مجلس الرجال، القضية أنها دخلت المجلس كصاحبة رأي، وهذا فارق كبير.
فالمرأة - في العرف الاجتماعي اليمني- حين تكون ضيفة في مجلس الرجل لا تثير بالضرورة القلق لدى المؤيدين أو المعارضين أو ذباب المواقف، لكنها حين تصبح شريكا في صناعة القرار، أو وسيطا بين الأطراف المتصارعة، أو حين تصبح شخصية عامة يأتي الآخرون إلى طاولتها، فإن المسألة هنا تتغير، لأن القيادة لا تختبر فقط قدرة الإنسان على الكلام، بل تختبر قدرته على امتلاك مساحة اجتماعية يعترف بها الآخرون.
وهذا ما يجعل بعض الهجوم على القيادات النسائية في بلادنا مختلفاً، ويتجاوز النقد السياسي العادي. وليست الدكتورة الفت إلا إحدى حلقاتها والأصح، بأن هذا النقد المُتجاوز إلا إحدى فصول ومعارك النقد التي واجهته الدبعي منذ سنوات مع صحفيين وناشطين وصل بعضها إلى قاعات المحكمة وبعضها انتهى بالتصالح. فالنقد السياسي يقول: رؤيتك خاطئة. موقفك غير مقنع. أداؤك ضعيف.
نتائجك لم تكن بالمستوى المطلوب.
أما الهجوم "الجندري" فيقول شيئاً أخر: مثل: أنتِ أصلاً لا ينبغي أن تكوني هنا. وهذه ليست حجة سياسية، بل محاولة لإعادة رسم حدود الملعب قبل بدء المباراة. اليمن نفسه تاريخياً واجتماعياً يهدم هذه الحجة، لأن المفارقة أن اليمن يحمل في ذاكرته أقدم منطق مضاد لهذا الإقصاء.
صوت الكرامة والحرية
ليس صحيحا أن الحديث عن الزعامة النسائية في اليمن بدأ في زمننا. الجديد ربما هو أن اليمن الحديث بدأ يعيد اكتشاف ما نسيه طويلاً. ففي ذاكرة اليمن السياسية والأدبية والشعبية نساء لم يكنّ مجرد شاهدات على التاريخ، بل كنّ جزءاً من صناعته؛ وفي المخيال اليمني نفسه نماذج لنساء تحدثن عن الكرامة والمساواة والحب والحرية بلهجة لا تخضع كثيراً للمنظومة الذكورية التي نحاول أحياناً أن نسقطها بأثر رجعي على تاريخنا كله.
ومن أجمل ما يحفظه الموروث الشعبي اليمني ما صدحت به غزال المقدشية:
سوى سوى يا عباد الله متساوية ... ما حد ولد حر، ولا الثاني ولد جارية
وبصرف النظر عن الحاجة إلى مزيد من التحقيق الأدبي في نسبة النص وسياقه التاريخي، فإن حضوره في الذاكرة الشعرية اليمنية لافت للغاية. فالعبارة لا تدور حول مجاملة عابرة، وإنما تحمل فكرة اجتماعية واضحة: البشر متساوون في أصل الكرامة، ولا يجوز أن يتحول الميلاد أو الموقع الاجتماعي إلى مبرر لاحتقار إنسان أو استعباده أو إنكار حقه. والمفارقة جميلة حد الدهشة اليوم وبعد قرون من تغير شكل العالم، ما زلنا نخوض النقاش ذاته حول المرأة.
من يحق له أن يتكلم؟ من يحق له أن يجلس في مجلس القرار؟ من يحق له أن يقود؟ ومن المفيد أن نتذكر أن المجتمع اليمني نفسه احتفظ في تراثه الشعبي بأصوات نسائية كانت ترفع سؤال المساواة، لا سؤال التبعية. ومن هذه الأصوات، صوت هيلة الجبنية، المرأة التي لم تستأذن المجتمع في عاطفتها. تقف هيلة الجبنية بصوت مختلف؛ صوت المرأة التي لا ترى في التعبير عن رغبتها وحبها عيبًا يستوجب الاختباء. حيث اورد استاذ الأجيال والمفكر اليمني الدكتور حمود العودي في كتابه "العنف والتمييز الاجتماعي"، هذه الابيات لهيلة الجبنية
يا شوقني شوق ما الهليلة تهل
أصفصف الماء وصفّه، وأُسقفه واستظل
وابني على ذلق شوكة دار واسكن وحل
وألملم الدخان لتشي يزل
وأسكن معك يا حبيب، ما حدًا يدخل
صحيح أن هذا ليس نصاً سياسياً بالمعنى المباشر، لكنه مهم في المستوى الاجتماعي. فالمرأة هنا ليست موضوعا يتحدث عنه الرجل؛ إنها ذاتٌ تتحدث بلسانها، وتعلن شوقها، وتختار، وتقول ما تريد. وهنا تظهر قيمة الموروث الشعبي كأرشيف اجتماعي لا يقل أهمية أحياناً عن كتب التاريخ الرسمي. فالتاريخ الرسمي يخبرنا من حكم، ومن تولى المنصب، ومن وقّع المعاهدة.
أما الشعر الشعبي فيخبرنا شيئًا آخر: كيف كانت المرأة ترى نفسها؟ وكيف كانت تتخيل الحب، والكرامة. والمساواة، والمكانة؟