مقالات
الطريق الذي لم تسلكه الرياض
نحو 29 سفينة أجبرتها هجمات الحوثيين على تغيير مساراتها بعيدا عن الموانئ السعودية، فيما ارتفع عدد السفن النفطية السعودية التي أعلنت الجماعة استهدافها منذ فرض الحظر البحري في 22 يوليو إلى ثماني سفن.
لكن الرقم الأكثر إثارة ليس عدد السفن، بل طبيعة الرد السعودي.
حتى الآن، بدا رد الرياض صادما حتى لأقرب المؤيدين لسياساتها في المنطقة. لم تذهب إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ولم تنفذ حتى ضربات محدودة على المواقع التي تنطلق منها الهجمات.
كأن المملكة قررت تجاوز مصدر التهديد والبحث عن وسائل لاحتواء نتائجه.
اختارت إنشاء تحالف بحري يضم 14 دولة لحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، في رسالة هدفت إلى طمأنة الأسواق وشركائها التجاريين.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع هذا التحالف حماية الملاحة فعلا؟
الواقع يشير إلى أن أقصى ما يمكن أن يحققه هو تقليص عدد الهجمات، لا منعها. فالمواجهة ليست بين أساطيل بحرية متقابلة، بل بين منظومات دفاع تقليدية ووسائل هجومية منخفضة الكلفة تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المتحركة، المنطلقة من تضاريس جبلية واسعة تطل على البحر الأحمر والبحر العربي.
حتى الخيار العسكري ليس جديدا. السعودية جربته طوال عقد كامل.
عشرات الآلاف من الغارات لم تنه قدرات الحوثيين، بل دفعت الجماعة إلى تطوير خبراتها العسكرية، مستفيدة من الدعم والخبرات الإيرانية، لتصبح أكثر دقة وفاعلية في تنفيذ هجماتها.
التحالف البحري نفسه لا يبدو أكثر تماسكا من التحديات التي يواجهها. فرغم مشاركة 43 دولة في اجتماع الرياض الخاص بإطلاقه، لم تصادق على بيانه سوى 14 دولة.
دول مؤثرة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا والهند والصين والإمارات وسلطنة عمان لم تنضم إلى البيان الختامي، في مؤشر على تباينات تتعلق بطبيعة المهمة وحدودها.
مع مرور الوقت، تبدو الرياض أكثر عزلة في مواجهة تهديد يتجاوز حدود البحر الأحمر. فالتحالفات وحدها لا تصنع توازنا إذا غاب الحسم السياسي والعسكري.
في اليمن، بقيت الخاصرة الجنوبية للمملكة مفتوحة. صحيح أن القوات المناهضة للحوثيين باتت متعددة التشكيلات والولاءات بفعل سنوات الحرب والسياسات الإقليمية، إلا أن القوى الأكثر استعدادا لاستعادة الدولة لا تزال موجودة. المشكلة ليست في غياب القوة، بل في غياب القرار، وهو قرار ظل طوال السنوات الماضية مرتبطا بحسابات الرياض الإقليمية.
قد لا تمنح التطورات المتسارعة المملكة الوقت الكافي لإعادة صياغة تلك الحسابات، فيما تتسع دائرة المخاطر التي تهدد منشآتها النفطية ومصالحها الاقتصادية.
اليمن ليس الساحة الوحيدة التي تستدعي القلق. التقارير تتحدث عن عمليات تدريب وتحشيد لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران في أكثر من جبهة، في مشهد يعيد إلى الواجهة مفهوم "وحدة الساحات" الذي يتبناه ما يعرف بمحور المقاومة.
في المحصلة، تبدو المملكة أمام كلفة متراكمة لسنوات من إدارة الأزمة من دون حسم.
كلفة لا تقتصر على الأمن أو الاقتصاد، بل تمتد إلى اليمن نفسه، حيث دفع ملايين اليمنيين ثمن الحرب من دمائهم ومعيشتهم ومستقبلهم.
المفارقة أن الطريق إلى صنعاء ظل، سياسيا وعسكريا، أكثر وضوحا من الطرق البديلة التي جرى الاستثمار فيها طوال السنوات الماضية.
كل المؤشرات توحي بأن استعادة الدولة اليمنية ليست فقط مدخلا لإنهاء مأساة اليمنيين، بل الطريق الأقصر لاستقرار الجوار وتأمين البحر الأحمر.
لكن بين وضوح الطريق والاستعداد للسير فيه، بقيت مسافة صنعتها سنوات من الحسابات المؤجلة.