مقالات

الموشح الحميني والموشح الأندلسي: ترحال يمني بين نغمة الجذور ونغمة الفاتحين

21/03/2024, 11:05:34

علاقة الموشح الحميني اليمني بالموشح الأندلسي حازت، وما تزال، على اهتمام كثير من الباحثين، أغلبهم عرب وأجانب، إضافة إلى الباحثين والكتاب اليمنيين.

الأدب بجميع أنواعه نتاج زمان ومكان وظروف، أكثر من كونه نتاج عمل منفرد أبدعه فرد واحد. الأفراد المبدعون هم عناوين زمنهم.

تميّز منهج "التاريخ الجديد" بدراسة وفهم العمل الأدبي من خلال سياقه التاريخي، وفهم التاريخ السياسي والثقافي من خلال الأدب، لا من خلال التاريخ الخطي للسلاطين والحُكام وتعاقب فتراتهم.

من هذا المنظور، فإن دراسات الشعر الحميني هي مدخل مهم لدراسة تاريخ المجتمع اليمني في زمن ازدهار هذا النوع من الأدب، وبالمثل فإن الدراسات البحثية حول الموشح الأندلسي تعكس صورة عن تطور المجتمع الأندلسي بعد دخول العرب واندماجهم فيه، وتمثل ملمحا مهما في سياق هذا المجتمع وأحداثه السياسية والاجتماعية.

إلى ذلك، يبرز  "التاريخ الجديد" كمنهج بالغ الأهمية في دارسة التأثيرات المتبادلة بين الثقافات المختلفة، وتأثير الأدب؛ باعتباره الأكثر تعبيراً عنها، وإدماجاً لتاريخها.

- ولادة متشابهة وتأثيرات محتملة

يتشابه مولد الموشح الحميني مع الموشح الأندلسي، إذ أن كلا الموشحين وُلد ليلبِّي الحاجة إلى نُظم جديد يتجاوز جمود القصيدة الشعرية ذات القافية الموحدة، وجمود الشعر وأوزانه.

الموشحات شعر غنائي ينوع القوافي والنظم الشعري، ويُستخدم كلمات من الحياة اليومية قادرة على استيعاب الإحساس المتفرد للشاعر والفنان.

في اليمن كان  الشعر "العربي" أو الحكمي "الوسيلة المثلى المعبِّرة عما هو جاد ورصين في مناحي الحياة والحقل النظمي الكلامي الذي يتوجب فيه على الشاعر إخفاء مشاعره أو تقييدها، التي قد تصدم عقول الناس ونفوس الفئات المحافظة في المجتمع".

وهذا النوع من الشعر لم يكن قادراً على استيعاب شعر يكتب للغناء ويعبر عن حرية فردية، يراها التفكير التقليدي مجوناً وخروجاً عن المألوف ومروقاً من الدين.

في الأندلس، شَعَر الأندلسيون بتخلّف القصيدة الموحّدة، وشَعروا بجمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم، أمام النّغم في حاضره التجديدي المرن.

امتزاج العرب بالأسبان نتج عنه ما عُرف بالمجتمع الأندلسي، وهذا المجتمع الجديد عرف العامية اللاتينية كما عرف العامية العربية؛ وهذا الازدواج اللغوي وُلد نتيجةً للازدواج العرقي، وكان لا بُد أن ينشأ أدب يمثل تلك الثنائية اللغوية.


ابن بسام أشار إلى أن مخترع الموشحات (مقدم بن معافر القبري)، وهو شاعر يمني من العرب الذين قدموا إلى الأندلس، «كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويصنع عليه الموشحة، ويستخدم الخرجة من العامية الأندلسية».

ومن هنا ظهرت الموشحات، الحمينية والأندلسية، على ما فيهما من تشابهات واختلافات في البناء الفني والنشأة التاريخية.

هذا الفن الشعري الغنائي "الموشح" تتنوّع فيه الأوزان وتتعدد القوافي، متمازجة مع فن الغناء؛ باعتبارها أساسا من أسسه، فهو ينظم ابتداءً للتلحين والغناء.

يتفق الموشحان الحميني والأندلسي في تنويع القوافي واستخدام متباين ومحدود لكلمات من الحياة اليومية، ويتميّز الشعر الحميني بخاصية إهمال الحركات الإعرابية، واستبدالها بالوقف على السكون، وكذلك تعدد أنواعه الفنية، وقد عددها الباحث جعفر الظفاري بثلاثة أنواع: النوع الأول المبيتات، النوع الثاني المبيت المسمط "وهو الذي يتشابه مع الموشح الأندلسي"، والنوع الثالث الموشح المنتظم.


كما يتميّز الموشح الأندلسي عن الموشح الحميني بما يسمى "الخرجة". يقول جعفر الظفاري: "المبيتات المصمتة، نوع من الشعر الحميني، لها تركيب قافوي اشتهر به شعراء الأندلس، وعرف بالموشح الأندلسي «أو موشح أهل المغرب»، موضحاً أنه سيوالي تسمية هذا الموشح بالموشح الأندلسي؛ لأن هذا الموشح اشتهر به الأندلسيون، فضلا عن كونه مبيتا، في العرف الأدبي الأندلسي والمغربي، على ما يسمى «الخرجة»، وهي آخر قفل في هذا النوع من الموشح، مما جعله ينماز بخصائص فنية أصبحت من عوارضه ومستلزماته.

لم ينسج الشعراء الحمينيون على منوال الموشح الأندلسي إلا في النادر، ولكنهم مع ذلك اعتبروا هذا الموشح جزءا لا يتجزأ من الشعر المبيت «المسمط»، فضلاً عن أنهم لم يلتفتوا إلى الخرجة، وهي أهم عنصر في الموشح الأندلسي.

درس الظفاري نماذج من أنواع الشعر الحميني، وردت أجزاء منها في ديوان الشيخ أبو بكر العيدروس "851- 914هـ"، الذي صنّفه عبداللطيف بن عبدالرحمن باوزير «851ـ914هـ». وخلص إلى أنه لم ترد أية موشحة من الموشحات السبعين، المضمومة في قسم الموشحات، على نسق الموشح الأندلسي، فضلا عن كون جل هذه الموشحات ملحونة لا تلتزم بحركات الإعراب، وإنما يرد فيها السكون.

في موضع آخر من كتابه "الشعر الحميني في اليمن" يضيف الظفاري قوله: "الموشح الأندلسي يشبه الموشح الحميني الوارد في السفن والدوارين اليمنية المحفوظة بما في ذلك الديوان الحميني لمحمد بن عبدالله شرف الدين، حيث يعتبر الموشح الأندلسي من النوع الحميني المسمى "المبيت المسمط"، المؤلَّف من أبيات متساوية في أسطرها وأقسمتها، وبنائها التفعيلي، وترد في نهاية كل منها قافية رئيسة يختتم بها البيت، وتجعل منه وحدة فكرية ونغمية ترتبط بما يسبقها، وما يلحقها من أبيات.


ـ الوجود اليمني في الأندلس

العامل المشترك بين الباحثين الذين يقولون بتأثير الموشح الحميني على الموشح الأندلسي وأسبقيّته عليه، هو الفتح العربي للأندلس، الذي تشكّلت 80 بالمئة من جنوده وقوته البشرية من اليمنيين: يمنيين جاءوا من اليمن، أو من مجتمعاتهم الجديدة في الشام وفلسطين والعراق، التي استقروا فيها، ونقلوا إليها  ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وإرثهم الأدبي والغنائي.

تذهب بعض المراجع التاريخية، عند ابن بسام، ابن خلدون، أحمد حسن الزيات، طه حسين، مارون عبود، إلى القول إن فن التوشيح هو مشرقي المنشأ، أي عربي "وصفة عربي هنا تحيل إلى اليمن؛ كون أغلبية جيوش العرب التي فتحت أسبانيا تشكلت من اليمنيين"،  وينسبونه إلى مقدم بن معافر الفريري: "يمني أندلسي" من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وهو أول من كتب الموشح، وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وأخذ عنه أبو عبد الله أحمد صاحب كتاب "العقد الفريد"، ويوسف بن هارون، وعبادة بن ماء السماء.


الأديب والناقد والباحث السعودي الدكتور عبد الرحمن الرفاعي يتبنَّى هذا الرأي؛ في أن أصل الموشح الأندلسي يمني، وله كتاب من مطبوعات نادي جازان الأدبي سنة 1402 هـ بعنوان "الحميني الحلقة المفقودة في امتداد عربية الموشح الأندلسي"، وكان من مراجعه كتاب الدكتور محمد عبده غانم "شعر الغناء الصنعاني"، يشير الرفاعي في فقرة من كتابه هذا قائلاً: "بإلقاء نظرة فاحصة منصفة على فني الموشح الأندلسي والحميني اليمني تتجلى حقيقة الارتباط بين هذين الفنين، وأن الحميني هو الحلقة المفقودة في امتداد عربية الموشح، وأنه الارتباط الطبيعي لفن الموشح الأندلسي". وهو قول بناه الأستاذ الرفاعي على براهين أثبتت له أن الحميني هو الامتداد الطبيعي، والمهد الأصيل للموشح، وهذه البراهين ترتكز أساساً على قاعدة لا تحتمل - كما يرى - شكاً أو ريباً- وهي: "أن الموشحات في الأندلس ابتدعها شعراء يمنيون متأثرون بأشعارهم وأوزانهم الحمينية. إن معظم العرب الذين كانوا في جيش طارق ابن زياد يمنيون، وأكثر الشعراء ومعظمهم شعراء يمنيون من هذه القبائل من زمن الفتح إلى الاضمحلال، فلو أخذنا المجلد الثالث فقط من نفح الطيب الذي يبلغ حجمه (460) لوجدنا أن نسبة 95% منه شعراء يمنيون!، كما أن الموشح ظهر في الفترة، التي كان حكامها يمنيين، وعلى أيدي الشعراء اليمنيين، وأنه قد وجدت بعض النصوص التوشيحية قائلها يكشف فيها عن حنينه لموطنه الأصيل بلاد اليمن، وكأن الشاعر كان يحس أنه سيظهر بعده من يدعي ملكية هذا الفن!"  

ـ دراسات الفنان المرشدي

كان الفنان محمد مرشد ناجي مهتماً بدراسة الشعر الغنائي والفن، وترك أربعة مباحث هي: "أغنيات شعبية"، و"الغناء اليمني ومشاهيره"، و"صفحات من الذكريات"، و"أغنيات وحكايات"، وهو لم يكتفِ بالتأليف والغناء، فقد كان يلقي المحاضرات، ويشارك في الفعاليات والمؤتمرات ذات الصلة.

ألقى المرشدي محاضرتين إحداهما في السعودية والأخرى في البحرين، بعد أن مكث عقوداً من الزمن لبحث أصل الموشح الحميني، وكذلك الأندلسي، حيث ذكر فيهما أن الموشح الأندلسي امتداد للموشح الحميني.

وفي كتابه "الغناء اليمني" أورد ثلاثين مرجعاً، كلها من أمهات الكتب العربية مثل "العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"الأغاني" لأبي الفرج، و"مروج الذهب" للمسعودي، وكتاب "تاريخ الموسيقى العربية" لجورج فارمر.

في سنة 1983م، نظّم المرشدي مهرجاناً كبيراً في عدن، وقد سمّى المرشدي هذا المهرجان "الموشحات والأهازيج اليمنية"، وفيه أعلن ما توصّل إليه من قراءاته في كثير من الكتب العربية، التي تجمع على أن طويس هو أول من أدخل الإيقاع في الغناء العربي، وكان الإيقاع قبله يضرب بعودي خشب متماثلين حتى جاء طويس وابتكر الطبل، ووقّع كل الأغاني التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وأن طويساً هذا يمني.

تطوّر الغناء العربي، برأي المرشدي، انطلاقا من طويس اليمني الذي هاجر إلى المدينة.

الفنان المرشدي يشرح وجهة نظره هذه في محاضرتين ألقاهما في السعودية والبحرين، تناولتها الصحف والمجلات في فترات متفرقة، كان أحدها مقالا نُشر في صحيفة عكاظ السعودية قبل عشر سنوات.

يلخص ذلك بقوله: "ظهر في تاريخ صدر الإسلام ما يعرف بالغناء المتقن من الناحية الموسيقية. والغناء المتقن هو الذي يبدأ بالنشيد، وقد استشهد المرشدي بفناني صنعاء مثل محمد حمود الحارثي الذي يبدأ بالنشيد غير المصحوب بإيقاع، وهو أشبه ما يكون بالموال ثم يدخل الإيقاع الثقيل فالهزج السريع، الذي يبدأ معه الرقص، وأن هذا النوع من الغناء قديم، وقد ابتكره طويس، وقد التزم به جميع المغنين.

واستمر هذا الغناء في  العصرين الأموي والعباسي، ثم جاء زرياب، وكان تلميذاً لإسحاق الموصلي، الذي كان أشهر موسيقي في عهد الرشيد، وحين انتقل زرياب إلى الأندلس أنشأ مدرسة لتلاميذه كانت تعدّ أول مدرسة، ولكن مدرسة طويس اليمني في المدينة هي أقدم منها؛ باعتبار أن هؤلاء المدرّسين الذين أتى بهم زرياب هم في الأصل من المدينة المنورة، وهؤلاء المدرّسون يُعلِمون تلاميذ زرياب الغناء المتقن الذي جاء به طويس".

قدَّم المرشدي في المحاضرتين اللتين ألقاهما في السعودية والبحرين نماذج تطبيقية حسب شروط المحاضرة، وأتى بخلاصة مفادها أن زرياب كان يعلم الغناء المتقن، وليس الموشح، وهذا يخالف اعتقاد جميع الكتاب والفنانين.
وقال إن الموشح حديث وجاء زرياب في القرن الثالث الهجري، وكان يعلم الغناء المتقن، الذي جاء به طويس اليمني، ومن الذين قالوا إنه يمني المؤرخ والأديب المصري المشهور أحمد تيمور (1871 - 1930م).

وذكر المرشدي أن أول من قال الموشح الشعري هو مقدم بن معافر المقبري، وهو أيضاً من اليمن من معافر التي هي اليوم "الحجرية". وقد سأله أحد المهتمّين المغاربة: "لماذا تعتقد أن المعافري من اليمن؟! فقال له إن المؤرخين اختلفوا على الاسم الثالث، أما الأول والثاني فليس هناك خلاف بشأنه، فالمؤرخ الحضرمي عبدالرحمن بن خلدون (1332 - 1382م) يقول إنه الفريري، وآخرون يقولون البريري، والبعض قال الغديري، وهي كلها أسماء يمنية!.

وهناك من الباحثين والكُتاب من يعيد الشعر الحميني إلى فترة ما قبل الإسلام: أحمد محمد الشامي، ومحمد بن علي الأكوع.

الأستاذ جعفر الظفاري أحجم عن الخوض في امتداد الشعر الحميني إلى ما قبل الإسلام. باحث فذ مثله، لا يسمح لنفسه بحديث كهذا ما لم يقف على أدلة ومراجع كافية حوله، ولا يتناول جانب من جوانب الشعر الحميني الفنية والتاريخية إلا وعرض بأسلوبه النقدي لكل الآراء، مفصلاً الحجج والأدلة لكل رأي منها، ولا يقضي بأمر إلا بعد أن يستغرقه ويعرضه من جميع جوانبه.

لكنه، يذهب أبعد من ذلك، بملاحظات بحثية ترى تشابهاً بين الشعر الحميني وشعر إنجليزي يُدعى Hemn، ويتتبع تأثير اليمنيين القدماء في الشام وأفريقيا وأوروبا، وهجرة المعينيين إلى جزيرة كريت اليونانية.
ـ الحميني وشعر ال Hymen

يلاحظ الأستاذ جعفر الظفاري الذي درس الدكتوراة في جامعة لندن بداية ستينات القرن الماضي، أن لفظة التوشيح أو الموشحة كانت تطلق على شكل قافوي معين تصب فيه المشاعر الذاتية. أي أنه كان يطلق على الشعر الغنائي، مثله في ذلك، مثل الشعر المندرج تحت الوسم Hymn، وقد تحولت لفظة التوشيح لتدل على كل شعر ديني - وهو نفس التحول الذي طرأ على ما يسمى بال Hymn. (انظر الموسوعة البريطانية، مادة (Hymn).

يستطرد الظفاري بشغف قائلاً: «وأود، في هذا المقام، طرح هاجس عن لي وأنا عاكف على دراسة طبيعة الشعر الموشح المعروف في اليمن بالحميني، فقد شد انتباهي التوافق الصوتي، شبه التام، بين لفظة (الحميني) ولفظة (Hymn)، الإنجليزية، فرحت أتعرّف على هذا النوع من الشعر الإنجليزي، واستبان لي بعد لأي لا يخلو من مكابدة، أن لفظة Hymn - بصيغها الكتابية المختلفة في بعض لغات أوربا - ليست إلا تحويراً للفظة "الحميني"، وأن مثل هذا التحوير، المشارف أحياناً المسخ، قد جرى على ألفاظ عربية كثيرة استعارها الأوربيون من العرب (الصفر Zero، مثلاً، وأن هذه اللفظة انتقلت، فيما انتقلت، إلى أوروبا عبْر قُدامى الإغريق الذين استمدوا حضارتهم، في المبتدأ من المعينيين الذين استوطنوا جزيرة كريت (اللفظة المستعملة عند كتاب الإغريق هي "المينيين"، فحذف حرف حلقي لا يثير الغرابة).

يحيل الباحث الظفاري إلى كتاب الإغريق، موضحاً أنهم أقروا باعتماد حضارتهم على المعينيين الذين استوطنوا جزيرة كريت، واسترعى انتباههم التشابه بين اسمي المينيين في كريت، والمعينيين في جنوب الجزيرة العربية.
تأثير اليمنيين القدماء يصل ذروته في جملة الظفاري هذه:

«وقد أخذ الإغريق، فيما أخذوه، من شعوب جنوب الجزيرة العربية (النازحة إلى الشام، التي استوطن بعضها شمال أفريقيا) الخط الذي نقله، في زعمهم، قدموس الفينيقي. والفينيقيون (وهي تسمية يونانية خاطئة لشعب من شعوب جنوب الجزيرة العربية) هؤلاء نقلوا الكثير من حضارة اليمن القديمة إلى سواحل الشام وشمال أفريقيا وأسبانيا، بما في ذلك خط المسند - الخط الذي حوره "الفينيقيون" ونقلوه إلى أوروبا، وكما يذهب إلى ذلك العالم الثقة فون كريمر Von Kremer، بل إنهم نقلوا حتى مسميات مدنهم (صور اللبنانية، وحضرموت معقل القائد الفذ هاني (بعل).

وفي الهامش يواصل الباحث إبحاره متأسفاً:

«آسف لهذا الاستطراد، وأقول إن التماثل بين طبيعة المضمون العام الوجداني للشعر الحميني والخاصة الغنائية للشعر المندرج تحت لفظة Hymn، قد يدفع بالمرء على تبرير ربط التوافق الجرسي بين اللفظين - الجنوبي العربي والإغريقي - دونما الحاجة إلى أدلة أخر لتدعيم هذا الرأي. ولكن متابعة تاريخ هذا الشعر المندرج تحت لفظة Hymn ، توقفنا على القصيدة البندارية Pindaric Ode التي أثرت تأثيراً كبيراً على مجرى الشعر الأوربي. إن التطابق التام بين طبيعة أغراض القصيدة البندارية (وهي طبيعة غنائية، وجدانية)، والجوهر الفعلي للمضمون العام في الشعر الحميني كله، وبجميع أنماطه التوشيحية المختلفة، فضلاً عن التشابه التام، والتشاكل المطلق، بين أجزاء الشكل العام Form لهذه القصيدة (وهي البيت Strophe، والتوشيح -Anti Strophe، والتقفيل Epode)، وأجزاء كل فصل في الموشح اليمني التام، في منتهى صيرورته، وبأنواعها الثلاثة بيت - توشيح - تقفيل، أمر لافت للنظر، ويستدعى إطالة الوقوف.

إنني، في هذه العجالة، أحوم ولا أرد، آملاً أن يعالج هذا الموضوع بروية وثقابة نظر. ولن يتأتى ذلك إلا بعد استغراق في الاستقصاء، وطول وقوف ومضاهاة، مع الابتعاد عــن كــل مـا هو ناتج عن التعصب والاستبداد بالرأي».

هجرات اليمنيين، وتأثيرهم في مجتمعاتهم الجديدة، حاضرة في ملاحظات الظفاري، في هذه الفقرة على وجه التحديد: «إن شعوب جنوب الجزيرة العربية، التي نزحت إلى الشام وشمال أفريقيا، هي التي أمدت قُدامى الإغريق بكثير من الألفاظ الحضارية. ومن الخطل حقاً أن يذهب عالم لغوي (هـو الأب أنستاس الكرملي) إلى يونانية بعض الألفاظ اليمنية، مسفها - وبسخرية غريبة - أحد اليمنيين حين لفت نظره إلى أن لفظة "كريف" هي لفظة يمانية تستعمل في جميع الأصقاع اليمنية. أليس مثل هذا الرأي بغريب؟ ألم يعرف اليمنيون نظام الري الدقيق، وكانوا أول من ابتكر نظام المدرجات الزراعية، وعنهم أخذت شعوب الأرض (انظر مادة Terrace في الموسوعة البريطانية). فكيف يعقل أن يأخذ اليمنيون لفظة (الكريف) من الإغريق؟ هذه مجرد آراء عنت لي. وأرجو أن أصيب أجراً واحداً».

في نهاية المطاف، يبدو الشعر الحميني حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل على ثراء التاريخ اليمني الأدبي والفني. وأيا كانت حقيقة التأثير والتأثر بين الموشح الحميني والموشح الأندلسي، فإن بإمكاننا القول إن السمة المشتركة بينهما هي ترحال اليمني بين نغمة الجذور في موطنه الأصلي، ونغمة الفاتحين الأوائل في جيش طارق بن زياد، وموطنهم الجديد الذي أطلقوا عليه اسم "الأندلس".

مقالات

صنعاء اليمن قلبي لتربتك حن!

هذا النص الشعري الجميل البديع، الذي كتبه الشاعر عبدالله عبد الوهاب نعمان، والذي يعرفه الناس ب"عدن عدن فيها الهوى ملون"، هو نص كتبه للشجن الذي كان يملأ نفسه نحو صنعاء، رغم إقامته الطويلة في عدن، لكن عدن لمن أسلي بها أو أشتكي وأحزن، رغم كل ما فيها من جمال المدن وهوى القلوب.

مقالات

دكان الطُّلّيس (الحلقة الاخيرة)

كان الطُّلِّيس يغادر بيته كل يوم في الصباح، ويقضي يومه في التنقّل من قرية إلى أخرى بحثاً عن ديونه، وعند عودته في المساء، من قرى الناحية ومن القرى النائية، يعود مرهقاً ومتعباً وجائعاً.

مقالات

دكان الطُّلِّيس (3)

بعد خروج الطُّلِّيس من الحبس، انفجرت "الحرب العالمية الثانية"، وتم إغلاق البحر، وتوقفت الصادرات، ولم تعد الأموال والسلع والبضائع تتدفق وتنتقل بالسهولة نفسها التي كانت تنتقل بها من قبل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.