مقالات

اليمنيون والقبول بالتعدد (2)

16/06/2022, 07:53:54
بقلم : محمد صلاح

من الصعب على أي قارئ لمسار التاريخ اليمني، أن يتجاهل الإرث الحضاري، والثقافي، الذي طبع الشخصية اليمنية، وأكسبها الكثير من الخواص الايجابية، في ترسيخ قواعد التعايش، والتسامح الاجتماعي، والذي يعد إقرارا من المجتمع بالتعدد، وأصبح مع مر السنين، يشكل إطارا مرجعيا للذهنية اليمنية.

وقد يخطئ من يحاول النظر إلى اليمنيين، من خلال الأحداث الدائرة اليوم، ويجعل من هذه اللحظة، رغم كل ملابساتها، وكأنها الحاكمة لمسار التاريخ اليمني، ويستدعي لذلك الصراعات التي عرفها مجتمعنا، ثم يقوم بتفسيرها بما يخدم رؤيته وموقعه من الصراع القائم، رغم أن لها ظروفها وأسبابها وسياقاتها المختلفة، لكنه مع ذلك لا يتورع عن دمغ اليمنيين، بعدم تعايشهم، بهدف إدانة هذا الطرف، أو ذاك.

إذا كانت البلد قد شهدت نكبات، وويلات على أيدي الساسة من عاثري الحظ، والذين عملوا على تسميم السلم، والتعايش، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحويل الصراع، والقتال بين السكان، على قاعدة دينية، أو مذهبية، بل ظل الصراع سياسيا بالدرجة الأولى، إذ سرعان ما كان يعود الانسجام بين سكان المناطق اليمنية، بمجرد اختفاء محركاته السياسية.

 بحيث لم تتمكن كل القوى السياسية ذات الخلفيات الدينية، خلال مراحل التاريخ المختلفة، من نقل الصراعات التي تخوضها على السلطة "إلى عقيدة للتفرقة والتمييز الاجتماعي والصراعات الطائفية السلبية" كما يقول عالم الاجتماع اليمني الدكتور حمود العودي، لكنها مع ذلك كانت تكلف اليمنيين دفع أثمان باهضة من الدماء، وفقدان الأمان.

إن الصراعات بين القوى اليمنية، لم تتمكن من صناعة حواجز، أو فواصل بين اتباع المذاهب المختلفة، ولم تقف حجر عثرة في طريق المنتمين لهذا المذهب أو ذاك من الالتقاء، والاستفادة من بعضهم البعض، لكنها زادت من وتيرة تتلمذ اتباع كل مذهب على يد علماء المذهب الآخر، الأمر الذي ساهم داخل اليمن في ولادة أهم مدرسة للإصلاح الديني في العالم الإسلامي. 

فقد برزت في اليمن بعد سيطرة الإمامة القاسمية مدرسة يمنية، تشكلت من العلماء المجتهدين، والمفكرين، كرست كل جهدها لرفض التعصب، ومحاربته، والدعوة لفتح باب الاجتهاد، والتصدي لدعاة التقليد، الذين يسعون لتجميد الواقع، ورفض الانفتاح على الاخر، والتعصب للمذهب، وعدم القبول بالتعدد، واحتكار الحقيقة. بحيث جاءت مدرسة الاجتهاد اليمنية، استجابة، لرفض اليمنيين للمحاولات التي تهدف لصبغ المجتمع بلون واحد، أو فرض جماعة رؤيتها في الحياة، والثقافة على الآخرين.

وحين بدأت السياسة، في فرض رؤيتها، واتخاذ قرارات على أسس مذهبية خلال حكم المتوكل على الله إسماعيل (ت 1087 هـ)، الذي توحدت اليمن في عهده، تستهدف سكان المناطق ذات الانتماء إلى المذهب الشافعي، فإن علماء اليمن في المناطق ذات الانتماء للمذهب الزيدي، لم يتقبلوا تلك الاجراءات المتخذة، التي كادت أن تخلق انفصالا مذهبيا في البلد، بسبب تعصب الإمام المذهبي، وممارساته السلطوية، وقراراته المالية، والاقتصادية، المجحفة، فانطلق عدد من العلماء، وفي طليعتهم المجتهد المطلق الحسن الجلال، للوقوف في وجه المتوكل، وتفنيد حججه، بل إن العلامة الجلال بسبب ممارسات جنود الإمام، والخراب الذي عاثه الجيش في مناطق المشرق، رفض سيطرة الزيدية على مناطق الشافعية، بحجة اختلاف المذهب، وذلك لمنع هيمنة مذهب على مذهب آخر، كما يظهر ذلك في رسالته "براءة الذّمة في نصيحة الأئمة".

في فترات الركود، والجمود، والانحطاط، وتكالب الانتهازيين في الصراع على الحكم، التي طبعت القرن الثامن عشر، وما تلاه، حيث كان يتصارع العديد من دعاة الإمامة على السلطة، وكانت المناطق تنتفض على هذا الداعية أو ذاك، فإن مجتمعنا اليمني، كان يتفوق على سواه في التعايش بين اتباع المذاهب، رغم الاقتتال الدامي على الحكم. 

مقالات

السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)

في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفه

مقالات

مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً

في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.

مقالات

الأمم المتحدة في اليمن تآكل أدوات التأثير

جاءت إحاطة هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن امس الثلاثاء بلهجة حذرة وروتينية، أعادت تدوير المفردات التي صارت ملازمة للخطاب الأممي حول اليمن على شاكلة خفض التصعيد وحماية الملاحة، ودعم الاقتصاد والإفراج عن المحتجزين، والحفاظ على مسار السلام.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.