مقالات

اليمنيون والقبول بالتعدد (3)

22/06/2022, 07:43:30
بقلم : محمد صلاح
المصدر : خاص

ظهرت في اليمن عدد من الفرق الدينية، الساعية لإقامة دولة على أسس المذهب الذي تعتنق مبادءه وأفكاره، وكل مذهب من المذاهب كانت تعاليمه تدّعي أنها تمتلك الحقيقة في تفسير النص الديني، غير أن الواقع اليمني حال دون أن تفرض أي جماعة رؤيتها، وأيديولوجيتها لصبغ البلد بلونها.

وإذا كان التسامح هو وليد التعدد، والتنوع، الموجود داخل المجتمع، أيا كانت طبيعته، بحيث ينعكس في صور كثيرة من الممارسات، والأعمال، والآراء، فإن أساس التسامح الذي امتاز به مجتمعنا اليمني، لم يكن من صنع تعاليم هذا المذهب أو ذاك، بل ناتج عن طبيعة اليمنيين، ورحابة صدورهم.

إن الموقع الجغرافي لليمن، كما جعلهم منذ أقدم العصور وسطاء في التجارة، كانوا كذلك في الثقافة، والحضارة، إذ التجارة ليست سلعا، ومنتجات وحسب، بل هي أيضا أفكار، ومعتقدات، وثقافة، تصاحب السلع، والبضائع. 

وكل هذا أسهم إلى حد بعيد بانفتاح البلد على الثقافات، والأفكار المختلفة، "ما يعني أن اليمن كانت، وما تزال، وعاءً كبيراً وصدراً رحباً للتنوع الفكري والثقافي والسياسي والديني العربي الإسلامي والعالمي، لا يكاد يجاريه مكان آخر على امتداد العالم العربي والإسلامي" [الدكتور حمود العودي: "التنوع الفكري والمذهبي بين التعددية الإيجابية والتمييز السلبي" (1-3)، مقال نشر على نيوزيمن بتأريخ 25 يونيو 2019].

وجد اليمنيون أنفسهم في كثير من الأوقات في دوامة صراعات لا تنتهي حول السلطة، ولذلك لم يكن لديهم للحفاظ على المجتمع قائماً ومتوازنا، سوى التسامح، والقبول بالاختلاف، وهذا التسامح المجتمعي هو الطريقة الوحيدة المتاحة أمامهم لضمان إقامة حياة مشتركة في حدها الأدنى، وعدم منح النخب السياسية، والمذهبية مبررا ومسوغا، لتجييش المجتمع، لخوض صراعات صفرية مع الخصوم السياسيين، واستباحة دمائهم.

لقد طورت القبيلة اليمنية أعرافا وقوانين اجتماعية، تقف في وجه تحويل الحروب فيما بينها إلى حروب عدمية، تقوم على قهر الخصم، وتحطيمه، وتدمير ممتلكاته، وذلك من خلال "المبدأ الذي يقوم على منع مكافأة الغالب، وهو المبدأ الذي يفقد الحرب طابعها المدمر، الذي نجده جليا من خلال تحويل كل خسائر الطرف المهزوم البشرية والمادية إلى ديون على الطرف المنتصر، وهو الأمر الذي يجعل الأطراف المتحاربة تتجنب إيذاء خصومها كي لا يتحول ذلك إلى عبء عليها" [عبدالناصر المودع "العرف الحربي القبلي دراسة"]، بحيث نجد أمثلة لتلك المواقف المجتمعية الرافضة لاستباحة الخصم وإبادته، في موقف قبيلة "جنب" التي رفضت السير خلف الإمام أحمد بن سليمان، الذي دعاها للقتال معه، وحين رأته يريد خوض صراع صفري مع خصومه، كان ردها عليه بالقول: "نحن نريد أن نحلب، وأنت تريد أن تذبح".

في ظل واقع اجتماعي، ومذهبي، وجغرافي متنوع، ومتعدد، كان على الطامحين للسلطة في اليمن، والوصول إلى الحكم الاعتراف، والإقرار بالتنوع المذهبي. 

ولقد أدرك الملك علي بن محمد الصليحي - الذي يعد أول مؤسس لقيام دولة يمنية امتد نفوذها على كامل الرقعة الجغرافية بعد الإسلام - صعوبة تحقيق طموحاته في الحكم، دون الاعتراف ببقية التيارات، والمذاهب الأخرى داخل البلد، وقد تحقق له ذلك رغم طبيعة المذهب الإسماعيلي وغموض تعاليمه، وقلة المنتمين إليه مقارنة بالزيدية، ومذاهب أهل السنة.

كان لإدراك هذه الفرق صعوبة تحقيق طموحاتها في السلطة، والحكم استنادا على مبادئها، ورؤيتها، ومنظورها للدين، على أرض الواقع في اليمن، بسبب طبيعة اليمنيين النابذة للتعصب، والاقتتال على محركات دينية، أو مذهبية، الدور الفاعل في كسر جموح رجال المذاهب في التشدد، والغلو، الأمر الذي دفع دعاة المذاهب لإبداء قدر من المرونة إزاء الاختلافات، والاعتراف بالآخر.

ولعل من أبرز الدلائل على القبول بالتعدد، والإقرار بالتنوع في البلد، من قِبل الأطراف اليمنية المتصارعة سياسياً، هي تلك الحالة التي رافقت الصراعات طوال قرون عديدة، وحتى اليوم، والمتمثلة في إقامة التحالفات بين القوى المختلفة، متجاوزة للانتماءات المذهبية، إذ كانت طبيعة الواقع، وتركيبة المجتمع هي من تفرض ذلك على القوى والأطراف، بحيث يستحيل على أي طرف أن يتمكن من تحقيق أي حضور على الساحة، دون أن يؤمّن له حلفاء، من خارج الدائرة التي ينتمي إليها سواء كانت مذهبية، أو مناطقية، أو حزبية.

إن محاولات بعض الأطراف على الساحة اليمنية حقن المجتمع طائفيا، أو مذهبيا، أو مناطقيا، عبر الممارسات، والسياسات التي تتخذها داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، لن تمكنهم من تحقيق أهدافهم، في الحصول على السلطة، بقدر ما تقدم مبررات رفضها شعبيا ومجتمعيا.

فليس بإمكان أي جماعة تسعى للسلطة في الوقت الحاضر، داخل اليمن، مخلق إجماع حول شرعيتها، حتى داخل المناطق التي تنتمي إليها جغرافيا، أو مذهبيا، ما لم تعترف بغيرها من القوى والمكونات الاجتماعية، والسياسية.

 فالإقرار بالتعدد، والقبول به يشكل مفتاح نجاح السلطة، واستقرارها سياسيا، واجتماعيا، وثقافيا.

ومثلما اعترضت الصعوبات في السابق، القوى التي أرادت احتكار السلطة، فإن الوضع اليوم أكثر تعقيدا من الماضي، خصوصا، وأن من يريدون صبغ البلد برؤية واحدة، لا يجدون داخل مناطقهم، أو مذهبهم اعترافا، وإقرارا بشرعيتهم.

مقالات

رشاد العليمي.. ليس البطل

تحتاج البلاد لبطل من نوع مختلف. "المهاتما غاندي" أو " نيلسون مانديلا" ونماذج مشابه، شخصية استثنائية قادرة على أن ترتفع فوق الوجود السياسي المبعثر وتلمُّه بذراع واحدة. هذا ليس حنينًا للمسيِّح المخلِّص ولا هو مقترح نابع من شعور بالضعف والهوان ولجوء للقوة الباطشة. لكنها لحظة تستدعي ظهور نموذج أعلى، يقول واقعنا، أن وظيفته تكمن هنا والآن.

مقالات

حينما تناقض موقفا القاضي والأستاذ بسبب السعودية!!

"إن المعالم لدينا واضحة، فأي طريق ينتهي بنا إلى إلغاء النظام الجمهوري لن نسلكه مهما كانت العقبات والأشواك في الطريق الآخر، وأي سبيل يفضي إلى عودة بيت حميد الدين هو الآخر لن نضع قدماً فيه" القاضي عبد الرحمن الإرياني - "المذكرات" الجزء الثالث ص 74.

مقالات

إشكالية الماضي والتاريخ والسلالة والأقيال

المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع اليمني بشكل خاص أكثر المجتمعات الإنسانية «تدثراً» بثياب الماضي التي تسربل حاضرنهم على الدوام. هذا إذا لم يكن الماضي هو روح الحاضر الذي يرسم ملامح المستقبل في بلد تعطلت فيه صيرورة التقدم والتاريخ، رغم التضحيات الجسام، في سبيل ثلاث ثورات ووحدة خاضت جميعاً معركة الخلاص التاريخي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.