مقالات

اليمن ونزعة الاستقلال (1)

10/08/2022, 08:56:25
بقلم : محمد صلاح

يفوق الاستقلال -في نظر المجتمع اليمني- الاستقرار في قيمته، وقد دفعت هذه الخاصيّة بعض القوى اليمنية الطامحة للسلطة في العديد من مراحل التاريخ أن ترفع رايته، لنيل الرضا والقبول الشعبي.

فهذه "النزعة الاستقلالية، والنفور من التبعية والاستلحاق هما مفتاح الشخصية اليمنية، والسجيّة الغالبة على اليمنيين عبر العصور" [د. عبدالعزيز المقالح "شعر العامية في اليمن"، ص 125]. وفي سبيل الاستقلال، كانت تتحوّل سهول اليمن، ووديانها الخضراء إلى براكين متفجِّرة، في وجه الأجانب، ويترك الفلاح المحراث من يده، ليحمل السيف لمواجهة الغزاة.

لكن القرن الأخير، شهدت فيه الساحة اليمنية الكثير من التغيّرات، والتبدلات. حيث ساهمت عمليات التعامل مع الخارج، والتواصل مع ثقافات المجتمعات الأخرى، سواء منها العربية أو الأجنبية، في زيادة التفاعل والتأثر، وتحوّلت هذه العلاقات -خلال أوقات عديدة- إلى حالة من التبعيّة، رهنت فيه مصير البلد لمشيئة الخارج، يرسم سياساتها، ويتحكّم في قراراتها، بما يخدم مصالحه، بعيدا عن مصالح اليمنيين حكومة، وشعبا.

 فقد قاد نمو العلاقات الثقافية، والسياسية، بين قوى محلية، وأخرى عربية، وإقليمية، ودولية، إلى استلحاق اليمن بمشاريع القوى الخارجية، الأمر الذي جعل منها ساحة للصراعات الأجنبية. 

وكان لتبعيّة كثير من القوى المحلية، باعتبارها امتدادا لتيارات مذهبية، أو حزبية خارجية، تأثير على حالة الاستقرار الاجتماعي، وتبديد العديد من الفرص التي كان بإمكان البلد استغلالها لخدمة الوطن، وتطوّره، وتقدّمه. 

لقد عرفت الساحة اليمنية مثل هذه العلاقات منذ أزمنة طويلة، وكان لها الكثير من السلبيات، ليس على اليمن، بل وعلى القوى التي كانت تستمد منها شرعيّتها، بسبب الانتماء إلى مذهب واحد. 

كما كان حال الدولة الصليحية في اليمن مع الفاطميين في مصر.

ورغم ارتباط بعض الدويلات بعلاقات مذهبية سنية مع بغداد، أو فاطمية مع القاهرة، فإنها مع ذلك كانت تمتلك استقلالا في تدبير شؤونها، السياسية، والاقتصادية، بل إنها من الناحية المذهبية، لم تخضع لمبادئ هذا المذهب أو ذاك، وتطبّقه حرفيا، كما فعلت بعض القوى في الزمن المعاصر.

 ومن الأمثلة على ذلك "الدولة الصليحية"، فالملك علي الصليحي، وهو إسماعيلي المذهب، خلفه نجله في السلطة والحكم، ولم يكن من خيار لدى الإمام في القاهرة الذي كان يمنح الحكّام الصليحيين الشرعية المعنوية سوى الموافقة، والمباركة، بصورة مغايرة للأسس التي يقوم عليها المذهب الإسماعيلي. 

كما تولّت امرأة الحكم في الدولة الصليحية، وهو مخالف أيضا لتعاليم الإسماعيلية. لكن مع ذلك، فقد كان لزوال الدولة الفاطمية أكبر الأثر على تضعضع أحوال الدولة الصليحية في اليمن واختفائها.

وإذا كان الصراع على صيانة الاستقلال في البلد بين القوى السياسية أحد المرتكزات الداعمة لهذا الطرف أو ذاك في الحصول على السلطة، فإن الاستقراء التاريخي لحالة الحروب بين القوى، والأطراف اليمنية، تؤكد أنها كانت العامل المساعد، والمساند، لخضوع البلد للقوى الأجنبية.    

شهدت اليمن، في الثلث الأول من القرن السابع الهجري، قيام الدولة الرسولية، وتعتبر أهم وأكبر دولة يمنية، في العهد الإسلامي، نعمت تحت ظلها البلاد بالاستقرار، والازدهار، وامتلكت الكثير من أسباب القوة، وعرفت فيها نهضة علمية، وفكرية، وشيّدت فيها المنشآت العمرانية.

وكان سلاطين بني رسول ممن قدِموا مع بني أيوب من مصر إلى اليمن 569 هـ، لكن ما يلفت النظر أن سلاطين، وملوك الدولة الرسولية، لتثبيت شرعيتهم، وترسيخ سلطتهم، وتأكيد سلطانهم، في اليمن انطلقوا إلى ذلك من خلال تأكيد انتسابهم إلى اليمن، باعتبارهم من أحفاد ملوك الغساسنة الذين هاجروا من اليمن، وابتعدوا عن استمداد الشرعية من المقولات المذهبية، من أجل شرعنت ملكهم، وحكمهم.

وإذا كان تأكيد الاستقلال، الذي دشّنه أول سلاطين بني رسول (عمر بن علي)، من خلال قطع علاقاته مع بني أيوب في مصر، قد قوبل بالرضا من قِبل اليمنيين، ورسّخ من شعبيتهم، وشرعيتهم، إلا إن ذلك لم يستمر مع من وصل إلى السلطة عقب المؤسسين الأوائل، فبعد "مائة عام من حكم الرسوليين لليمن دبّ الشقاق بين أفراد الأسرة الرسولية الحاكمة، وفي حومة النزاع نسي المتربّع على العرش، تحت ضغوط المنافسين من أفراد أسرته، النزعة الاستقلالية التي مكّنت لآبائه من السيطرة والتوسّع في الحكم، وكان هذا الملك - يدعى المجاهد داوود - أول حاكم رسولي يعود باليمن إلى الخضوع مرّة أخرى للنفوذ الخارجي" [د. عبدالعزيز المقالح "شعر العامية في اليمن"، ص128، 129]،.

فقد دفعه الصراع على الحكم والتنافس على العرش، إلى الاستعانة بالحاكم المملوكي في مصر السلطان (محمد بن قلاوون)، الذي أمده بقرابة أربعة آلاف جندي، وحسم الصراع حينها لصالح المجاهد، غير أن شرعية الدولة بعد ذلك بدأت بالتآكل نتيجة لتدخل المماليك، وبدخولهم إلى اليمن "بدأت معالم صفحة جديدة لم يكتب فيها الملوك الرسوليون سوى بضعة أسطر، فقد انتعشت الروح الاستقلالية ونشط دور المقاومة المحلية، وبدأت الاضطرابات التي لم تهدأ إلا مع ظهور دولة بني طاهر اليمنية" [المقالح "مصدر سابق"، ص129]. لقد كان بوسع هذه الدولة أن تستمر، لولا تفريط السلاطين المتأخّرين بالاستقلال، الأمر الذي عجّل بزوالها.

مقالات

ليست حرباً منسية

قبل سنوات طويلة قيل عن ذلك البلد أنّ أهميته لا تتجاوز سطراً واحداً في وسائل الإعلام. كان ذلك سوء تقدير شديداً لأهمية البلد من أكثر من ناحية.

مقالات

آن أوان الخروج من الوهم!

تعز لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأوهام، ولا إلى جوقة جديدة تشرح للناس لماذا ينبغي لهم أن يثقوا بما لا يرونه على الأرض. إنها تحتاج إلى إنقاذ حقيقي، وإلى إمدادات تصل، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، وقرار يتجاوز ردود الأفعال المرتجلة

مقالات

الحوثي بين تفكيك الدولة اليمنية وتهديد أمن البحر الأحمر

يكمن جوهر الخطر الحوثي في أن الحركة لا تكتفي بالمطالبة بحصة في السلطة أو بالسعي إلى تسوية سياسية تضمن مشاركة أنصارها في مؤسسات الدولة، وإنما تفرض واقعا سياسيا وعسكريا يقوم على احتفاظها بقوة مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة، واحتكارها القرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واستخدام أدوات الحكم والأمن والتعبئة الأيديولوجية لتكريس سلطتها.

مقالات

الحوثي وخداع الداخل

التناقض الحقيقي ليس في التفاوض مع أمريكا، بل في استخدام شعار مواجهتها لتبرير إخضاع اليمنيين، ثم تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الدولة والمجتمع.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.