مقالات

...اِنْ لم يغدُروا خانوا!

18/09/2022, 06:14:36

(..وما كادت قناة السويس تستقر في أيدينا بأعجوبة في عام 1956، ونرى ذهبها يلمع في أكُفِّنا، حتى مضينا نُلقي به على تلال اليمن..

وكانت قبائل اليمن التي نريد استمالتها إزى جانبنا لا ترضى بغير الذهب. فكانت تُلقى إليهم من طائراتنا الزكائب الممتلئة بالأصفر الرنان. كما كانت تُرمى من الجوّ لجيوشنا أطنان التموين والغذاء من صفائح الجبن الفاخر والمُعلّبات واللحوم والفواكه..

ولكن الشمس الحارقة وعدم وجود ثلاجات كان يُفسِد هذه الأطعمة، فتُترك في أماكنها مُكدَّسة، وقد لعب فيها الدود وانتشرت منها رائحة العفن، فلا يقربها أحد، وأهل مصر من الجياع والمحرومين لا يعرفون أن طعامهم هذا الذي يتمنُّونه مُلقىً للحشرات على تراب اليمن السعيد..

وهل استَمَلْنا - مع ذلك - قبائل اليمن؟..

قيلَ إن القبائل - حتى الموالية لنا ! - كانت تأخذ ذهبنا في النهار، وتترصَّد لضُبَّاطنا في الليل، فتصطادهم وتجزُّ رؤوسهم وتبيعها للطرف الآخر غير المُوالي!..

ثم - بعد ذلك - انتهى الأمر باليمن كلها أن سارت مُخالفةً لمصر في اتجاهها السياسي.

إن تاريخ حرب اليمن سيُكتب يوماً في صفحات صادقة لنعرف حقيقة ما جرى هناك، وما كانت النتيجة التي خرجنا بها؟

إن من المؤكد الآن هو أنه بالإضافة إلى الأرواح التي ضاعت من جيوشنا - وتُقدر كما يُقال بعشرات الآلاف من الرجال - فإن المعروف أيضاً أن غطاء الذهب الذي نملكه قد ضاع بأكمله في هذه الحرب الضائعة..)!

...

...

...

النص سالف النشر هو للكاتب الكبير توفيق الحكيم، وردَ في سياق كتابه "عودة الوعي"  الصادر - في نصه الأصلي والكامل - صيف 1974 في بيروت. 

وهو واحد من عشرات، وربما مئات، النصوص المنشورة في سياق كتب، أو في صورة مقالات أو دراسات أو غيرها. وجميعها اتفق على معظم ما جاء في هذا النص القصير للحكيم، وإن اختلفت في الوقائع والتفاصيل أو البيانات والأرقام..

لاسيما عدد القتلى والجرحى والأسرى والمفقودين في صفوف الجنود والضباط المصريين.. أو حتى في حقيقة الموقف القومي والسياسي من الدعم المصري لثورة اليمن، التي قدحت شرارتها المباشرة ليل يوم 25 سبتمبر 1962 وحملت تأريخياً تسمية "ثورة 26 سبتمبر" - بين موافق على هذا الموقف، أو رافض له تماماً، أو غير مُحبِّذ، من باب: "ما يحتاجه البيت، يُحرم على الجامع".

والحق أن قصة الدعم المصري لثورة اليمن - أو بلغةٍ أخرى: التواجُد المصري في اليمن - لم تكتمل فصولاً بعد. 

فما زالت تتكشف يوماً إثر آخر، حقائق ومعلومات وحكايات جديدة، لم تُنشَر أو تُروى من قبل!

حتى إن السيد سامي شرف (مدير مكتب الرئيس جمال عبدالناصر للمعلومات) أكد لي - في جلسة خاصة ذات ليلة أيلولية دافئة من العام 1995 في العاصمة الليبية طرابلس - إن خزانة الوثائق والملفات الخاصة بتلك الفترة، وتلك الوقائع أو الأحداث، هي أضخم من أن تضمَّها مئات وربما آلاف المجلدات، كما أنها بالضرورة أخطر من أن تتضمَّنها الأحاديث والكتابات بالمطلق!

...

...

...

يُستفاد من هذه السطور أن قصة مصر في اليمن ستظل ناقصة. 

وما أكثر القصص الناقصة أو المفقودة أو الشائهة في إضبارة التاريخ عموماً، وفي مجرى التاريخ اليمني على وجه التحديد.

غير أن الدرس الآخر المُستقى من هذه القصة، هو اتّصاف القبائل اليمنية بصفة أخرى مُغايرة تماماً للصفات التي عُرفت عنها تاريخياً، كالشراسة في القتال والبسالة في المواجهة والشجاعة في المقاومة، وهي صفة الغدر والخيانة للحليف والصديق قبل الخصم والعدو: "إن القبائل - حتى المُوالية لنا - كانت تأخذ ذهبنا في النهار، وتترصَّد لضباطنا وجنودنا في الليل، فتصطادهم وتجزّ رؤوسهم وتبيعها للطرف الآخر غير المُوالي".

وفي روايات أخرى لرواةٍ عديدين - بعضهم يمنيون - أمثلة مُرعبة شتى على ما تعرضت له القوات المصرية - حينها - من غدر وخيانة وحقارة القبائل اليمنية في الحرب التي وصفها توفيق الحكيم بالحرب الضائعة!

للصحابي الجليل والشاعر المُخضرم "العباس بن مرداس" نونيّة شهيرة، يقول في أحد أبياتها:

"وفي هوازنَ قومٌ غير أنَّ بِهم

داءَ اليماني، فاِنْ لم يغدُروا خانوا"!

انتهت المقالة، والمقولة، والأمثولة.

مقالات

للتاريخ .. في ذكرى 26 سبتمبر. تحيةٌ واجبةٌ لتضحيات مصر في اليمن

صغيراً كنتُ ، عندما ذهبت إلى مستشفى في مدينة (ذمار) حيث كان والدي يعمل حينذاك .. هذا المشفى كان الوحيد في ذلك الوقت الذي يخدم إلى جانب السكان ، الجرحى والمصابين القادمين من جبهات القتال القريبة في (رداع) وغيرها ، خلال الحرب الجمهورية -الملكية في ستينيات القرن الماضي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.