مقالات
أي جيش يُبنى في اليمن ؟!
لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟
في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.
وهذه ليست قضية خطاب عابر، بل مؤشر على طبيعة الوعي الذي يُراد ترسيخه داخل تشكيلات السلاح.
ومن هنا يصبح السؤال موجهًا إلى وزير الدفاع قبل غيره: ما هو الجيش الذي يُصنع اليوم؟ جيش جمهوري يحمي الدستور والتعددية، أم قوة مؤدلجة ترى في القوى المدنية والحقوقية خصمًا يجب التحريض عليه؟
اليمن لا يحتمل استبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا الخروج من قبضة جماعة مسلحة لنقع في قبضة اصطفاف أيديولوجي جديد. فالدولة لا يحرسها جيش يحمل خصومات سياسية، وإنما جيش يحمي القانون، ويقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين.
ليس هذا دفاعًا عن توكل كرمان، بل دفاع عن الدولة نفسها وعن العقيدة العسكرية للقوات المسلحة. فالاختلاف السياسي مشروع، أما تحويله إلى مادة للتوجيه المعنوي داخل المؤسسة العسكرية فليس خلافًا سياسيًا، بل خلل في تعريف وظيفة الجيش وعقيدته.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس تعدد الجيوش فحسب، بل تعدد العقائد التي تحكمها. وحين يصبح السلاح حاملًا لمشروع أيديولوجي، يفقد صفته الوطنية، وتبدأ الدولة في إعادة إنتاج أزماتها بثوب جديد.
ليس السؤال اليوم من يختلف مع توكل كرمان، ومن يؤيدها أو يعارضها؛ فذلك شأن سياسي طبيعي في أي مجتمع حي. السؤال الحقيقي هو: أي جيش يُبنى في اليمن؟
فالجيوش الوطنية لا تُصنع على أساس الخصومات الفكرية، ولا تُربّى على تصنيف المواطنين، بل على عقيدة واحدة: حماية الدولة والدستور والجمهورية. وكل انحراف عن هذه البوصلة، مهما بدا عابرًا، قد يتحول غدًا إلى أزمة وطنية جديدة.
لقد دفع اليمن ثمن تسييس السلاح وأدلجته مرات عديدة، وليس من الحكمة أن يعيد إنتاج التجربة نفسها بأسماء مختلفة.