مقالات
لماذا تتعثر الدولة في اليمن دائما؟
كلما اشتدت الأزمات في اليمن، وكلما بدا أن الدولة تقترب من الانهيار، يظهر في الأفق من يَعِد الناس بالخلاص. مرةً يكون شيخ قبيلة، ومرة قائدًا عسكريًا، ومرة حزبًا سياسيًا، ومرة جماعة دينية، ومرة قوةً إقليمية.
وما إن يلوح حدثٌ استثنائي، حتى تتعلق به الآمال، وكأنه سيكون بداية النهاية لكل ما سبق من كوارث.
وليس هذا المشهد جديدًا، بل هو واحد من أكثر المشاهد تكرارًا في التاريخ اليمني.
ولعل ما يثير الدهشة أن اليمنيين، على اختلاف انتماءاتهم، يجمعون اليوم على مطلب واحد: بناء دولة عادلة، تحتكر السلاح، وتخضع فيها السلطة للقانون.
لكنهم، في أول اختبار حقيقي، يعود كثير منهم إلى البحث عن الخلاص خارج الدولة نفسها؛ في القبيلة، أو الجماعة المسلحة، أو الحزب، أو الزعيم، أو حتى في التدخل الخارجي.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
فالمشكلة لم تكن يومًا أن اليمنيين لا يريدون الدولة، بل أن كثيرًا من القوى التي رفعت شعارها لم تؤمن بها حين تعارضت مع مصالحها.
ولفهم هذه المفارقة، لا يكفي النظر إلى ما يجري اليوم، لأن جذورها تمتد عميقًا في التاريخ.
منذ قيام الإمامة الزيدية، لم تكن السلطة تُبنى على مؤسسات مستقرة، وإنما على تحالفات متحركة بين الطامحين إلى الحكم ومراكز القوة القبلية.
كان الإمام بحاجة إلى سيف القبيلة ليصل إلى السلطة، وكانت القبيلة بحاجة إلى الإمام ليمنح نفوذها شرعية دينية وسياسية. لم يكن ذلك تحالفًا عقائديًا بقدر ما كان تبادلًا للمصالح؛ يمنح كل طرف الآخر ما لا يستطيع الحصول عليه منفردًا.
ولذلك لم تكن العلاقة بين الطرفين مستقرة. فما إن تتغير المصالح حتى يبدأ البحث عن إمام جديد، أو عن قبيلة جديدة، لتبدأ دورة أخرى من الصراع.
وعلى امتداد قرون، تعاقب الأئمة، وتبدلت الولاءات، لكن البنية نفسها بقيت كما هي: سلطة تقوم على الغلبة، وتحالفات يحكمها ميزان المنفعة لا فكرة الدولة.
وحين قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ظن كثير من اليمنيين أن هذه الحلقة قد انكسرت، وأن الجمهورية ستؤسس لعقد سياسي جديد يقوم على المواطنة والمؤسسات.
غير أن الحرب بين الجمهوريين والملكيين كشفت أن القبيلة بقيت لاعبًا رئيسيًا في تحديد موازين القوة. ولم يكن مستغربًا أن تنقسم القبائل بين الطرفين، بل وأن تنتقل بعض القوى من هذا المعسكر إلى ذاك تبعًا لموازين المصالح والدعم، في وقت كانت فيه القوى الإقليمية تدير جانبًا مهمًا من الصراع.
وبعد المصالحة الوطنية، لم تنتقل البلاد إلى مرحلة بناء دولة المؤسسات بالقدر الذي انتقلت فيه إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى التي خرجت من الحرب أكثر قوة.
ومع مرور الوقت، تراجعت أدوار كثير من النخب المدنية التي حملت مشروع الثورة، بينما استعادت مراكز النفوذ التقليدية حضورها داخل الدولة الجديدة.
ومن هنا بدأ شكل جديد من التحالفات.
لم تعد القبيلة تتحالف مع السلطة وحدها، بل دخلت في شراكات عميقة مع الأحزاب أيضًا. والمفارقة أن هذا لم يقتصر على الأحزاب ذات المرجعية القبلية أو الدينية، بل امتد إلى أحزاب قومية ويسارية رفعت شعارات الحداثة والدولة المدنية، بينما تولى قيادتها، في غير حالة، شيوخ قبائل أو أبناء شيوخ قبائل.
ولم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على أن الثقافة السياسية السائدة كانت أقوى من البرامج الفكرية المعلنة.
جاءت تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي لتشكل المحاولة الأكثر جدية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ التقليدية. فقد سعى إلى بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من القانون لا من موازين القوة، وإلى تقليص تدخل المشيخات ومراكز المصالح في القرار العام.
ولهذا اكتسب مشروعه تأييدًا شعبيًا واسعًا، لكنه في المقابل اصطدم بشبكة معقدة من المصالح المحلية والإقليمية التي رأت في قيام دولة قوية تهديدًا مباشرًا لنفوذها.
ومهما اختلفت القراءات حول تفاصيل تلك المرحلة، فإن النتيجة كانت واضحة: انتهت التجربة، وعادت مراكز القوة لتفرض حضورها من جديد.
وحين وصل علي عبد الله صالح إلى السلطة، لم يبدأ من فراغ. لقد جاء في بيئة كانت القبيلة فيها قد استعادت كثيرًا من نفوذها. ولم يحاول إقصاءها كما فعل الحمدي، بل بنى معها صيغة مختلفة من الشراكة تقوم على إدارة التوازنات. كان يدرك أن بقاءه مرهون بقدرته على منع أي مركز قوة من الانفراد بالمشهد، فاعتمد سياسة توزيع النفوذ، وإعادة إنتاج مراكز قوى متنافسة، بحيث يبقى هو نقطة الالتقاء بينها جميعًا.
نجحت هذه السياسة في إطالة عمر النظام، لكنها أضعفت الدولة نفسها. فكلما قويت شبكات الولاء، ضعفت المؤسسات، وكلما ازداد الاعتماد على الأشخاص، تراجع سلطان القانون.
وحين اختلت تلك التوازنات، اكتشف صالح أن الشبكات التي ساعدته على البقاء لم تكن تدين بالولاء للدولة، ولا حتى له، بقدر ما كانت تدين بالولاء لمصالحها. فتفككت التحالفات سريعًا، وانهار النظام معها.
ولم يكن الحوثيون خروجًا على هذا النسق، بل أعادوا إنتاجه بصورة أكثر حدة. فقد أعادوا إحياء فكرة الحق الحصري في السلطة، واستثمروا في البنية القبلية ذاتها، وتحالفوا مع من خدم مشروعهم، ثم انقلبوا على كثير من حلفائهم حين استقرت لهم موازين القوة.
والمفارقة أن القوى الإقليمية أدركت هي الأخرى هذه البنية التاريخية، فتعاملت معها كما هي، لا كما ينبغي أن تكون. فبدل أن تركز على دعم مؤسسات وطنية مستقلة، فضلت في مراحل مختلفة الاستثمار في مراكز النفوذ المحلية، لأنها الأسرع تأثيرًا والأقل كلفة. وهكذا أصبحت القبيلة، كما الأحزاب والجماعات المسلحة، جزءًا من معادلات النفوذ الإقليمي، لا من مشروع بناء الدولة.
من هنا، فإن التعويل على أي قبيلة، أو حزب، أو جماعة، باعتبارها وحدها قادرة على استعادة الدولة، هو تعويل يتجاهل الدرس الذي يقدمه التاريخ اليمني مرارًا.
فالدولة لا تستعاد بالأدوات التي عطلت قيامها.
ولا تُبنى بمراكز قوة تعيش أصلًا خارج منطقها.
وهذا لا يعني أن القبيلة عدو للدولة بطبيعتها، كما لا يعني أن الأحزاب أو القوى الاجتماعية الأخرى كذلك. فالقبيلة مكون اجتماعي أصيل، وقدمت في محطات كثيرة رجالًا دافعوا عن الجمهورية والوطن وضحوا من أجلهما. لكن الخطر يبدأ حين تتحول أي عصبية، قبلية كانت أو مذهبية أو حزبية أو مناطقية، إلى سلطة تعلو على سلطة القانون، أو إلى بوابة يُعاد عبرها إنتاج الدولة على مقاس المصالح الخاصة.
إن الطريق إلى استعادة اليمن لا يبدأ بالبحث عن منقذ جديد، بل بإدراك أن أكبر منقذ غاب عن اليمن طوال عقود هو الدولة نفسها؛ الدولة التي لا يحكمها شيخ، ولا سلالة، ولا حزب، ولا قائد ميليشيا، ولا إرادة خارجية، بل يحكمها دستور، ومؤسسات، وقانون يسري على الجميع.
ذلك وحده هو الدرس الذي حاول التاريخ أن يقوله لليمنيين مرارًا... لكنهم، في كل مرة، كانوا ينشغلون بالبحث عن الغالب، قبل أن يسألوا عن الدولة.