مقالات
باب المندب ورقةَ ابتزاز: مليشيا الحوثي بين خدمة إيران ومساومة السعودية
ليست عودة مليشيا الحوثي إلى البحر الأحمر حدثًا مفاجئًا، ولا هي سلاح جديد في ترسانتها. الجديد هو الظرف الذي تعود فيه الورقة إلى الواجهة: تصعيد إيراني واسع بعد إغلاق هرمز عمليًا منذ أواخر فبراير 2026، وانكشاف متزايد في طرق تصدير الطاقة السعودية، ورياضٌ تبحث عن تقليل المخاطر أكثر مما تبحث عن حسمٍ مؤجل. هكذا يعاد استخدام السلاح القديم على أرض اقتصادية مختلفة تجعل أثره أكبر من حجمه العسكري الفعلي.
إعلان المليشيا حظرًا على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، بالتزامن مع الضربة الإيرانية، لا يُقرأ في إطار ما يسمى بمحور المقاومة وحده؛ تلك هي الواجهة الدعائية. أما الوظيفة الأعمق فإسناد طهران، وتثبيت موقع المليشيا داخل محور إيران، ورفع كلفة أي ضغط على هذا المحور. وفي الوقت نفسه تمنحها الورقة فرصة مساومة الرياض من موقع من يملك القدرة على الإيذاء، أو على الأقل على رفع كلفة تفاديه.
والحظر البحري التي اعنلته مليشيا الحوثي ليس جديدًا منذ أواخر 2023 استخدمت المليشيا البحر الأحمر كمنصة ضغط، فاحتجزت سفينة Galaxy Leader واستهدفت سفنًا تجارية حتى تبنّى مجلس الأمن القرار 2722 مطالبًا إياها بوقف هجماتها، وحوّلت باب المندب إلى مساحة اختبار لقدراتها الصاروخية والبحرية المعززة بالخبراء الايرانيين. ثم جاء اتفاق مايو 2025 مع واشنطن، بوساطة عُمانية، ليعلّق المواجهة الأمريكية-الحوثية من دون أن يشمل إسرائيل. الإعلان الأخير، إذن، إعادة إخراج لأداة سبق استخدامها، في توقيت يمنحها وزنًا إضافيًا.
يتصل هذا الوزن بانكشاف الشريان السعودي عبر البحر الأحمر، فمع تعطّل هرمز، الذي كان يمرّ عبره نحو 15 مليون برميل يوميًا من الخام قبل الحرب، حوّلت السعودية صادراتها غربًا عبر أنبوب شرق-غرب نحو ينبع، حتى بلغت نحو 5 ملايين برميل يوميًا. لم يعد البحر الأحمر ممرًّا ثانويًا في حسابات الطاقة السعودية، بل صار شريان التصدير الأول، وإن ظلّ هشًّا لا يعوّض سوى جزءٍ مما احتجزه إغلاق هرمز، ويعاني الازدحام وارتفاع أجور الشحن. هنا تظهر القيمة التفاوضية للمليشيا: لا تحتاج إلى إغلاق باب المندب كي تؤثر في السوق، بل يكفيها أن تخلق قدرًا كافيًا من الشك لرفع كلفة التأمين وتعطيل قرارات العودة إلى المسار.
ومع ذلك لم تمسّ المليشيا الشحنات السعودية مباشرة حتى اللحظة على الأقل، ولا ينبغي تفسير هذا الامتناع عجزًا خالصًا؛ فالأرجح أنه قرار محسوب، لأن ضرب السعودية يفتح جبهة لا تريدها الآن ويحوّل التصعيد من ورقة ضغط إلى مواجهة مفتوحة. فتحاول المليشيا أن تبيع الرياض سلعة واحدة إسمها الامتناع المؤقت عن الإيذاء. وفي منطق الصراعات غير المتكافئة، قد تكون هذه السلعة أثمن من الفعل العسكري؛ فالتهديد حين يبقى قابلاً للتنفيذ يصير رصيدًا تفاوضيًا.
لكنّ افتراض القرار المحسوب لا ينبغي أن يُؤخذ على إطلاقه. ليس كل امتناع دليلَ تحكمٍ استراتيجي بارد؛ فجزء منه قد يكون انضباطًا تفرضه طهران بحساباتها هي، وجزء قد يكون تردّدًا أو إدراكًا لحدود القدرة، وجزء ناشئ ببساطة عن أنّ الحظر المعلن «على إسرائيل» لا يشمل الشحنات السعودية أصلًا. الإفراط في تصوير المليشيا فاعلًا متماسك القرار يمنحها تماسكًا استراتيجيًا أكبر مما تملك. الأدقّ أنها تستثمر هامش المناورة المتاح لا أنها تصنعه بالكامل.
تبالغ الدعاية الحوثية، ومعها أصوات إيرانية، في مساواة باب المندب بهرمز. وقد دفع قادة في الحرس الثوري هذا الخطاب صراحةً حين حذّر قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني مطلع يونيو 2026 من أنّ باب المندب سيخضع لقيود الملاحة نفسها التي يخضع لها هرمز إن استمرت العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة، وقبله ربط مستشار المرشد علي أكبر ولايتي إغلاق الممر بقرارٍ مركزي يمكن تفعيله «بإشارة واحدة». وهذا الربط نفسه يكشف المعادلة: الإغلاق ورقة في يد طهران تنتظر قرارًا لم يحن وقته، لا مبادرة حوثية مستقلة.
والفارق جوهري على الأرض فإيران دولة تطلّ على هرمز، تملك بنية بحرية وصاروخية وساحلية تفرض خطرًا مستمرًا في ممر ضيق. أما باب المندب فلا تملكه المليشيا ولا تقدر على السيطرة المستمرة عليه؛ قدرتها الفعلية في التعطيل الانتقائي واستهداف سفن مختارة وإرباك شركات الشحن والتأمين بمعنى إنها قادرة على إشعال الممر لا على حكمه، وعلى رفع الكلفة لا على ضمان الإغلاق.
غير أن محدودية القدرة لا تعني محدودية الأثر، ففي الأسواق البحرية يكفي الشك أحيانًا لتغيير المسارات. وإذا وسّعت المليشيا تعريف «السفن الإسرائيلية» ليشمل المتجهة إلى موانئ إسرائيل أو المرتبطة بشركات يُشتبه في صلاتها بها، اتسعت مساحة الالتباس وصارت عبئًا على الملاحة كلها. هنا يصبح التهديد أقل احتياجًا إلى الضربة المباشرة وأكثر اعتمادًا على الغموض المحسوب — وهو الأخطر اقتصاديًا، لأنه قد يجمّد عودة الناقلات إلى مسار ينبع فيُضرب نصف التصدير السعودي الهشّ من دون إطلاقةٍ واحدة على أرض سعودية.
تتصل هذه الوظيفة بموقع مليشيا الحوثي داخل محور إيران، وهي وفق التصنيف العسكري ليست أداة صمّاء بالكامل ولا فاعلًا مستقلًا تمامًا؛ الأصحّ أنها مرتبطة استراتيجيًا بطهران وتُحسن استثمار كل تصعيد لتوسيع هامشها. وكلما أُنهك المحور في لبنان او استهدفت أدواته في العراق، سعت المليشيا لتقديم نفسها الذراع البحرية الأكثر جاهزية، طامحةً إلى ملء الفراغ الذي خلّفه إنهاك حزب الله. من هذه الزاوية يصير البحر الأحمر وسيلة للارتقاء داخل المحور لا مجرد ساحة تضامن أيديولوجي — وثمن هذا الارتقاء يمني لا إيراني، يدفعه المدنيين في الحديدة وصنعاء وإب وعموم اليمن لا قيادة المليشيا المختبئة في صعدة.
الكلفة اليمنية هي الأكثر إهمالًا في المشهد، فالتصعيد البحري للحوثيين يمنحهم شرعية تعبئة داخلية، ويغطي إخفاقها في دفع المرتبات وتوفير الخدمات وإدارة مصالح الناس، ويحوّل العجز عن الحكم إلى خطاب «صمود». ويأتي ذلك على خلفية انهيار إنساني متقدم بعد نقل المكاتب الأممية الرئيسية إلى عدن وإنهاء برنامج الأغذية العالمي عقود موظفيه في مناطق سيطرة الحوثيين مطلع 2026، فيما تواصل المليشيا احتجاز 73 موظفًا أمميًا بتهمة التجسس — كل ذلك يقدم نموذج صافٍ لاقتصاد الحماية حيث يصير حتى الإفراج عن المختطفين والمعتقلين ورقة لها سعرها .
أما الولايات المتحدة وإسرائيل فتتعاملان مع التصعيد ضمن حدود محسوبة، فما دام الاستهداف رمزيًا نحو إسرائيل أو محصورًا في التهديدات البحرية المحدودة، يرجح أن تبقى الردود في حدود الضغط والردع والضربات الانتقائية. لكنّ استهداف سفينة أمريكية أو إغراق سفينة تجارية كبرى بخسائر بشرية قد يعيد الضربات الواسعة والعقوبات. وكل رد إسرائيلي على اليمن يصطدم بقيد جوهري: أنه يعمل دعمًا تعبويًا يعيد إنتاج شرعية الجماعة ويحوّل سلطة متآكلة إلى «جبهة مقاومة»، لذا يرجّح أن يكون انتقائيًا مؤلمًا لا غزوًا بريًا.
السيناريو الأقرب ليس حربًا مفتوحة في البحر الأحمر، بل تصعيد مضبوط: صواريخ ومسيّرات نحو إسرائيل، تهديدات بحرية قابلة للتوسيع، وغموض كافٍ لإرباك الشحن والتأمين. ويبقى باب المندب ورقة مساومة لا ساحة سيطرة، ما لم تتسبب المليشيا في ضربة كبرى، أو تنهار تهدئة لبنان التي ربطت بها طهران تفعيل الجبهة فتُعطى الإشارة المؤجَّلة.
الخطر الحقيقي أن تتعامل الرياض مع الهدوء بوصفه إنجازًا مستقرًا، وهو في جوهره امتناع مؤقت عن الضرر. فالمليشيا التي تبيع الامتناع اليوم تستطيع رفع السعر غدًا، وكلما دُفعت لها مكاسب باسم تقليل المخاطر رسّخت موقعها سلطةَ أمر واقع فوق الدولة اليمنية وضدها. وهذا المأزق مزدوج: هشاشة الحكومة المعترف بها، من انقسام داخلي وتوتر مع المجلس الانتقالي الجنوبي واعتماد كامل على الرياض، هي نفسها إحدى نقاط الضعف التي يستثمرها الحوثي؛ والرياض التي يُفترض أنها راعيتها تديرها بمنطق تقليل المخاطر فتبقيها ضعيفة بما يكفي لئلا تعطّل صفقات الامتناع.
مليشيا الحوثي لا تملك باب المندب لكنها تستطيع إشعاله، ولا تبيع الرياض سلامًا حقيقيًا بل امتناعًا مؤقتًا عن الإيذاء. كل صفقة من هذا النوع قد تخفف الخطر العاجل، لكنها تعمّق الخسارة الاستراتيجية وإضعاف الدولة اليمنية وتقوية سلطة المليشيا. ومن يموّل الامتناع يموّل، من حيث لا يدري، استمرار الخطف.