مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

22/06/2024, 08:50:59

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

ولشدة ما كانت موهوبة، كانت قادرة على انتزاع اعتراف بتميُّزها، لكنها بعد أن بلغت ونضجت كأنثى، وأبصرت البنات اللاتي في عمرها، والأصغر منها في العمر، والأقل منها ذكاءً يتزوجنَ، وتُقام لهنّ الأعراس، ويغادرن بيوتهن إلى بيوت أزواجهن بدت قلقة ومنزعجة ومستغربة مما يحدث، وأخذت تسأل أمها جليلة:
- "لِمَوْ يِمّا البنات يتزوجين واني لا؟".

قالت لها أمها: "يا بنتي انتي عمياء".
وراحت سعيدة مرعوبة تتساءل بينها وبين نفسها عن معنى كلام أمها!!
وهل يعني بأنها لن تتزوج، وستعيش حياتها بدون زوج!!

ولشدة رُعبها عادت تسأل أمها عن الفتيان المبصرين، وعن السبب في أنهم لا يتزوجون فتيات كفيفات!!

قالت لها أمها إنه يستحيل أن يتزوج أحدهم فتاة عمياء، ولو هو أراد؛ أبوه وأمه وأهله لن يسمحوا له، وأصحابه سوف يسخرون منه.

وللمرة الثالثة، سألت سعيدة أمها عن السبب؟ فقالت لها أمها وقد ضاقت بأسئلتها:
- "العمى -يا سعيدة- حُفرة وغُدْرَة".

وحتى لا تحبط ابنتها، أردفت قائلة:
 -"لكن الله كريم -يا سعيدة- ربي من كرمه يحوِّل للبنت الهبلة زوج أهبل، ويحول للبنت الصنجاء بزوج أصنج، وانتي -يا سعيدة- ربي شحوِّل لك بزوج أعمى".
 
ولحظتها شعرت سعيدة بفداحة العمى، وقالت ترد على أمها بنبرة محتدّة:
-"أحسن لي أجلس بلا زوج ولا أتزوج أعمى".

قالت لها أمها: "لمو يا بنتي.. مو بهم العميان؟!".

قالت سعيدة: "عمياء وأتزوج أعمى.. عمى فوق عمى.. لا يمّا ولو ربي كريم مثلما تقولي يحوّل لي بزوج مبصر مش أعمى يزيد يعميني، ويندي لي عيال عميان".

قالت لها أمها: "احمدي الله -يا سعيدة- لو أجالك زوج أعمى؛ العميان -يا بنتي- يحفظوا القرآن غيب".

قالت سعيدة، وهي تضحك متهكمة:
-"الأعمى يمَّا قو أعمى، يحفظ القرآن والا يحفظ  الأغاني".

وكانت سعيدة تحفظ عشرات الأغاني، وتعشق الغناء، وتجد فيه العزاء. وكل بنات ونساء القرية يعترفن بموهبتها، وينسحرن بجمال صوتها، ويدعينها لتغنِّي في مجالسهن، وفي حفلات زفافهن.
لكن سعيدة، التي تنسى نفسها وقت الغناء، وتنسى عماها، كانت بعد الانتهاء من الغناء تتذكر بأنها عمياء، وتعود إلى بيتها حزينة ومنكسرة، وتجهش بالبكاء.

كان الزواج هو الحلم الذي يراود سعيدة كل ليلة. وهو، في الوقت نفسه، كابوسها الذي يقضُّ مضجعها. وكثيرا ما كانت تسأل نفسها: ماذا لو لم تتزوج!! وأي حياة سوف تعيشها من دون رجل !!

وكانت تشعر، وهي في بيت أمها، بأنها محبوسة أكثر من كل المحابيس؛ محبوسة بين جدران البيت، ومحبوسة بين جدران العمى.

وكانت كلما سمعت عن أعراس تقام هنا وهناك تزداد الجدران سماكةً، ويتضاعف إحساسها بالظلم وبالظُّلمة، ويخامرها شعور بأن البنات المبصرات جميلات. والفتيان يقبلون عليهن لجمالهن. أما هي فكانت تشعر في قرارة نفسها بأنها قبيحة؛ لكونها عمياء، وعندما كانت الفتيات يقلن لها إنها جميلة لم تكن تصدقهن، وكانت تعتقد بأنهن يجاملنها، ويواسينها، أو ربما يسخرن منها، ويضحكن عليها.

وأحيانا كانت ترد عليهن بالقول إنه يكفي أن تكون الفتاة عمياء حتى تبدو قبيحةً في عيون الفتيان.

لكن الشيء الوحيد الذي كانت سعيدة متأكدة منه هو جمال شعرها. كان شعرها سلساً، ناعماً نعومة الحرير، وكان ينسدلُ وينسكبُ مثل شلال إلى ما تحت ركبتيها. وليقينها بجمال شعرها كانت أجمل لحظاتها هي  اللحظة التي تمسكُ فيها بالمُشط.

ومثلما كانت تنسى نفسها أثناء الغناء، وتنسى أنها عمياء، كانت تنسى نفسها وهي تمشط شعرها، وتتعمد أن تمشطه في سقف بيتها، وكان أقصى ما تتمناه هو أن يرى الفتيان شعرها وهي تمشطه، بدلا من رؤية عينيها المطفأتين، لكن أمها جليلة كانت كلما أبصرتها في السقف تمشط شعرها، تنهرها، وتقول لها:
-"غطّي شعرك -يا سعيدة- كم مرة قلت لك لا تكوني تمشطي شعرك بالسقف!!".

تقول لها سعيدة، وهي مستفزة من كلامها:
- "لمو أغطُّوه يمّا؟"

تقول لها أمها:
- "لو أنتي عمياء ما تبصريش، العيال معاهم عيون".

وكانت سعيد تستفز من كلام أمها، وتقول لها محتدّة:
- "مُو فيها لو رأوني أمشط شعري!! أني نفسي أشاهم يبصروا شعري بدل ما يبصروا وجهي".

تقول لها أمها متهكمة:
- "مو تحسبيهم لو راوا شعرك شجوا يخطبُومِك.. هم بعدما يبصروا شعرك شِجلسُوا يضحكوا، ويقولوا سعيدة العمياء فرحة بحقِّها الشعر، كل ساعة وطلعت السقف تمشطه".

قالت سعيدة، وقد جرحها كلام أمها، وزادها إحباطا فوق الإحباط:
-"أني داري بك يمّا حتى لو جالي خطيب يخطبني  شتقولي له سعيدة عمياء، وشترجِّعوه من الباب".

وكانت سعيدة تشعر بأن أمها لا تحب لها الخير، وكثيرا ما كانت تتهمها بأنها لا تريد لها أن تتزوج، وتغادر البيت.
      
من بين فتيات القرية اللاتي كانت سعيدة تشعر نحوهنّ  بعاطفةٍ كبيرة، وتربطها بها علاقة صداقة متينة، فتاة اسمها "شُمُوع"؛ كانت الاثنتان بعمر واحد؛ نشأتا معاً، وكبرتا معاً، وكانتا من طفولتهما تتشاركان الفرح والحزن، والأسرار؛ وكل واحدة تخبئ سرها عند الأخرى، وكانت شموع، التي تزوجت قبل سعيدة، هي أول من حدثها عن ليلة الدخلة، وعن جمالها، وسحرها، وأسرارها..
قبلها كانت سعيدة تسمع من الفتيات اللاتي تزوجن نُتَفاً عن ليلة الدخلة لا تسمن ولا تغني من جوع. كان في ذهنها سؤال؛ لكنها لم تكن تجرؤ أن تسألهن؛ وكان السؤال الذي ظل يدور في ذهنها هو:
- هل ليلة الدخلة عند العمياء هي نفسها عند الفتاة غير العمياء؟

وحدها صديقتها شموع أجابت على السؤال، الذي أرّقها لسنوات. فبعد أسبوع من زواجها حدثتها شموع، وهي في غاية السعادة عن ذلك الجمال اللا محدود، الذي رأته في ليلة الدخلة، واستشعرته وقالت لها:
- "الله -يا سعيدة- ما أحسن ليلة الدخلة".

يومها سألتها سعيدة عما إذا كان بمقدورها هي العمياء -فيما لو حالفها الحظ وتزوجت- أن ترى جمال ليلة الدخلة وتستشعره؟!!

وكان رد شموع هو أن عماها لن يمنعها من رؤية جمال ليلة الدخلة، ومن استشعاره، وقالت لها:
- "يسمّوْمِي -يا سعيد- ليلة الدُّخلة لأنه بعد ما يدخل زوجك ويدخِّلُه تبصري الدنيا تضوِّي ضوء من تحتك، وضوء من فوقك".

قالت لها سعيدة:
-"تقولي -يا شموع- شبْصِر الضوء مثلك؟!".

وأكدت لها شموع أنها سوف تبصر جمال وضوء ليلة الدخلة، وسترى بعد زواجها دنيا غير الدنيا التي عرفتها، وحياة غير الحياة التي عاشتها.
وسألتها سعيدة عن ليلة الدخلة، وهل هي أجمل أم ليلة القدر؟
- "أيَّنْ أحسن - يا شموع- ليلة الدخلة والا ليلة القدر؟".

قالت لها شموع: "ليلة الدخلة -يا سعيدة- أحسن من ليلة القدر ألف مرة".
 
ومن حينها راحت سعيدة تنتظر ليلة الدخلة بكل جوارحها؛ وكان عليها -من بعد حديث صديقتها شموع- أن تنتظر ألف ليلة وليلة مجيء تلك الليلة، التي هي أجمل ألف مرة من ليلة القدر.

عندما تناهى إلى سمعها صوت جرس الحمار، عرفت جليلة أن الحمار الذي يقترب من بيتها هو حمار الحمّار سيف أنعم، شيخ الحمَّارة، وقالت تحدث نفسها:
- "حمار شلِّك -يا سعيدة- وحمار يردِّك".

وكان حمار سيف أنعم أكثر ارتفاعا من بقية حَمير القرية، وأكبر حجما، وأكثر ضخامة، وفوق هذا كان قوي البنية، يحمل ضعف حمولة الحمار العادي، وسرعته ضعف سرعته، ولم يحدث أن تلكّأ في النقيل، أو جثا، أو برك من ثقل الحمولة كما تفعل بقية الحَمير.
وسألته جلجلة، وهي تحدِّق في حماره الأبيض المخضّب  بالحِنَّاء، إن كان  بمقدوره أن يقدم لها خدمة في طريق عودته!!

قال لها: من عيوني -يا عمة جليلة- قولي لي مو هو المطلوب مني، وأنا أعمله؟!!

وطلبت منه جليلة أن يمر على بنتها سعيدة في "وادي الشوَّيْفَة" عند عودته من الراهدة.

واستغرب سيف أنعم من كلامها، وقال يسألها:
- "مو ودّاها سعيدة وادي الشويفة؟!!".

قالت له جليلة: "سعيدة -يا سيف- تزوجت ابن الحمّار عبد الجليل".

قال لها الحمّار سيف أنعم وهو مستغرب: "أيحين وقع العُرُس؟ وكيف ما عرفناش؟!!".

قالت له: "جِزِع عبد الجليل عصر، وشلّها فوق الحمار من غير مهر، ومن غير عقد، ومن غير فرح".

وسألها عن اسم ابن عبد الجليل الذي زوجته بنتها، فقالت إنها لا تعرفه ولا تعرف اسمه.
وصاح الحمَّار سيف أنعم محتجا: "كيف هذا -يا جليلة- كيف ترضي لبنتك تتزوج من غير مهر، ومن غير قاضي يعقد بها، ومن غير شهود، ومن غير ما تعرفي اسم زوج بنتك، هذا حرام لا يجوز!!".

قالت جليلة، وكانت امرأة طيبة ومسكينة:
- "الزوج ستر -يا سيف- وسعيدة الحمد لله لقت زوج يسترها، وبعدا الاثنين كانوا عجْلِين؛ عبد الجليل عَجِل على الرجعة لا بلاده، وسعيدة عَجِل على الزواج".

ومن شوقها لرؤية بنتها لم تستطع جليلة كبح جماح دموعها، ووعدها سيف أنعم، وقد أبصر ساقيةً من الدموع تجري فوق خدود وجهها المليء بالتجاعيد، بأنه سوف يمر على سعيدة في طريق عودته، ويردفها خلفه فوق الحمار.

ولشدة فرحتها، مسحت جليلة  دموعها بطرف كُمِّ قميصها، وقالت تدعو له: - "ربي يرزقك؛ يا سيف أنعم يا شيخ الحمّارة يا اللِّي حمارك شيخ الحمير".

...يتبع

مقالات

صنعاء اليمن قلبي لتربتك حن!

هذا النص الشعري الجميل البديع، الذي كتبه الشاعر عبدالله عبد الوهاب نعمان، والذي يعرفه الناس ب"عدن عدن فيها الهوى ملون"، هو نص كتبه للشجن الذي كان يملأ نفسه نحو صنعاء، رغم إقامته الطويلة في عدن، لكن عدن لمن أسلي بها أو أشتكي وأحزن، رغم كل ما فيها من جمال المدن وهوى القلوب.

مقالات

دكان الطُّلّيس (الحلقة الاخيرة)

كان الطُّلِّيس يغادر بيته كل يوم في الصباح، ويقضي يومه في التنقّل من قرية إلى أخرى بحثاً عن ديونه، وعند عودته في المساء، من قرى الناحية ومن القرى النائية، يعود مرهقاً ومتعباً وجائعاً.

مقالات

دكان الطُّلِّيس (3)

بعد خروج الطُّلِّيس من الحبس، انفجرت "الحرب العالمية الثانية"، وتم إغلاق البحر، وتوقفت الصادرات، ولم تعد الأموال والسلع والبضائع تتدفق وتنتقل بالسهولة نفسها التي كانت تنتقل بها من قبل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.