مقالات

خاطرتان

14/03/2021, 16:49:53

عدتُ مؤخراً لإعادة قراءة بعض الكتب التي سبق لي قراءتها، لأنني لم ألقَ كتباً جديدة في متناول يديّ، ولأنني لا أقرأ الكتب المنشورة إلكترونياً لأسباب يطول شرحها ويتعقد تشريحها.

قرأتُ بالأمس كتاباً للصديق الكبير والأستاذ القدير الدكتور عبدالعزيز المقالح، صدر في صنعاء قبل عامين وشهرين، وحمل عنوان "ذكرياتي عن خمس وعشرين مدينة عربية"، الذي اكتنز زمرة من ذكرياته الحميمة في تلك المدن التي زار بعضها للسياحة، وبعضها زارها ضمن وفود رسمية، أو لغرض المعرفة والاطلاع، فيما استقرّ في بعضها ردحاً من الزمن بداعي الدراسة الجامعية.

دعتني هذه القراءة إلى التطواف في مدارات الذاكرة، إذْ رحتُ أستذكر تجوالي في رحاب مدن وعواصم شتى، عربية وأوروبية وآسيوية وأفريقية، زرتها خلال الزمن المنسلخ ماضوياً من مشوار العمر، فإذا بالأشجان تدهمني، وإذا بالحنين يلفُّني، وإذا بدواعي الحسرة حيناً، والبهجة حيناً تسيطر على الوجدان.

وكنتُ كلما جلتُ بخواطري في هذه الرحلة الممتدة قرابة نصف قرن، راحت المشاعر تتضارب شتى في دخيلتي، قبل أن تعيدني وطأة الواقع الثقيلة والكئيبة إلى الأحوال التي صارت عليها بلادي اليوم، وإلى ما اكتنف عاصمتها ومدنها وقراها من دمار جذري العمق وكُلّي الاطار، كأنَّها من بعض لا معقوليات دالي في التشكيل وكافكا في الكتابة!

صارت بلادي اليوم تبتعد كثيراً عن ركب معظم بلاد العالم، فيما غدت صنعاء وعدن - مثالاً - تتخلف بل تتقهقر كثيراً عن كل عاصمة ومدينة عربية كانت تواكبها في الغالب أو تتجاوزها في بعض الأحيان، في هذا الشأن أو ذاك الميدان، في الاقتصاد والمعيش أو في المعمار والحضر أو في الثقافة والفن أو في الاجتماع وشؤون المرأة والطفل والتعليم والصحة وغيرها الكثير من الأمور.

ومن العجز المرير والثقيل على النفس أن يعدم المرء - في مثل هكذا وضع - ما يمكنه أن يقوله غير أن يردد اللعنات يصبها صبّاً على كل ما ومن كان السبب في هذا الوضع التي صارت عليه اليمن، وآلت اليه صنعاء وعدن، بعد أن صارت مطمعاً سهلاً لكلاب الشوارع وهوام وسوام الكائنات من بشر كالوحش والحشر!

( 2 ) 

تبدو لي هذي الحرب، أحياناً، حُمّى ليلٍ مسعورة، أطاحت بالسكينة الزائفة في منطقة الحياد، بين غبار الخنادق.. وملاءات الفنادق.

وحيناً تبدو لي قصيدة حُبٍّ سريَّة، كتبها عاشقٌ يائسٌ مغمور، خبَّأها في قصعة البخور، ليُخفيها عن عيون النقاد.. وأنوف المُخبرين الأُميّين.

وحيناً تبدو حفلة شعارات تلطَّخت بها أعمدة النور المُطفأة.. والتصقت برؤوسٍ قابلة للطيّ والخواء.. وتدحرجت من أول النيون حتى آخر الكهف.

وتبدو لي حيناً رقصة جنٍّ أخيرة، دمدمت في منتصف الموت، على كومةٍ من جماجم رخوة، كلها مثقوبة من الخلف.. وملساء من كل الجهات.

سأُغلق باب خوفي على شغفي، وأترك هذه الحرب تعوي في عراء الفضيحة. وأنام ملء حريقي، لعلَّ الجحيم يُترجمني إلى لغةٍ لا يُجيدها القتلة.. يتحدثها الأطفال بطلاقةٍ مدهشة.. وتفهمها النساء الطريَّات كرائحة الخبز، كما يفهمن الإشارة الخفيَّة إلى زرّ الإضاءة بجوار السرير.

لم تعد هذي الحرب تبدو لي شيئاً، غير تلك الأسمال الملطخة بالخيانة، وتلك الأشلاء المعلبة في الخطابات والأخبار، وتلك الأحلام التي دهستْها مدرعة تقطع الطريق بين شارعين، في مدينة يقطنها أطفال لا يعرفون جدو 'نويل'، وتحرسها أسراب من العصافير الملونة، صدر فرمان بتجنيدها في إحدى الجبهات.

تدور النهارات حول مدارها المغلق على خمس جهات وعشر جبهات وسبع دول. وتدور الليالي بلا هدفٍ، ولا شرفٍ، ولا بوصلة.

وإذا ما انتبهنا إلى دمنا، يتقطَّر من عورة أيامنا، تبدَّتْ لنا سيرتنا:

سوداء كالفضيحة.. شمطاء كالإشاعة.. وساخنةً كالمقصلة!

مقالات

حرب تأسيسية

أعتقد أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تمثل نوعا من الحروب التأسيسية التي ستحدد نمط الصراعات المستقبلية، بفضل التقنيات والأسلحة المتطورة التي استخدمت فيها بشكل غير مسبوق. هذا التفوق التكنولوجي جعل نتنياهو يصرح بأن إسرائيل أصبحت بالشراكة مع أمريكا قوة عظمى أو شبه عظمى عالميا في بعض المجالات، بعد أن كانت مجرد قوة إقليمية.

مقالات

الحوثيون في حرب إيران: ترقب اللحظة أم حسابات تجنب المواجهة؟

لم تكن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، مجرد حلقة جديدة في مسار التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؛ فقد تحولت تلك الضربة سريعا إلى حدث مفصلي مع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو تطور أربك موازين المحور الذي بنته طهران عبر عقود.

مقالات

تحركات أمريكية في البحر الأحمر تبدد الهدوء الذي يسود جبهة اليمن

هذا هو اليوم التاسع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومع ذلك لا يزال شمال اليمن يشهد هدوءً مشوباً بالحذر، ناتج عن عدم إعلان جماعة الحوثيين حتى الآن خطة لإسناد عسكري لطهران، من شأنها أن تضع اليمن مجدداً كساحة محتملة للحرب، يأتي ذلك وسط استعدادات أمريكية ميدانية شملت حتى الآن نشر حاملة الطائرات "يو إس أس جيرالد فورد" وهي أكبر حاملة طائرات، بالتزامن مع البدء بتسيير طائرات بدون طيار في سماء العاصمة صنعاء لأول مرة منذ أشهر.

مقالات

جبهة اليمن المشتعلة بين حسابات طهران وتكتيكات صنعاء

في خضم الحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران (منذ 28 فبراير 2026)، يبرز البحر الأحمر وخليج عدن كجبهة توتر إضافية بالغة الخطورة، قد لا تحسم مصير الحرب ولكنها بالتأكيد قادرة على المساهمة في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وإطالة أمد الصراع. وفي قلب هذه الجبهة، يقف الحوثيون (أذيال إيران) في اليمن

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.