مقالات

رحلتي الجهنمية إلى عدن - ٢- (سيرة ذاتية -٢١-)

04/11/2025, 14:36:57

عند وصولنا آخر منحدر في "نقيل سُمارة" اصطدمت سيارتنا بسيارة بيجو قادمة من أسفل النقيل، ولا أذكر ما الذي حدث بعد ذلك. أذكر فقط أنني وجدت نفسي راقدًا فوق سرير في مستشفى بمدينة إب، وكل عضو من أعضاء جسدي يكاد يصرخ من شدة الألم. وكان أول شيء طلبته بعد أن أفقت من الصدمة هو أن يحضروا لي مرآة، وحين أحضروها ونظرت فيها، شعرت بالرعب، لأن الوجه الذي رأيته لم يكن يشبه وجهي، وكان أكثر ما أرعبني أن عيني اليمنى كانت متورمة وشديدة الاحمرار، وساورني شعور بأنها على وشك الانطفاء. لكن الطبيب راح يطمئنني ويقول إنني أكثر حظًا من سائق السيارة ومن بقية الركاب الذين أصيبوا في الحادث، وقال إن الآلام التي أشعر بها ناتجة عن كدمات ورضوض وسوف تخف وتتلاشى.

وفي اليوم التالي كانت كل تلك الآلام قد خفّت، وفي اليوم الذي يليه غادرت المستشفى، وبقيت مع أخ وأقارب السائق، وفي مغرب نفس اليوم كانت روح السائق قد غادرت الجسد، وبعد المغرب غادر جسده المستشفى، وأخذوه ليقبروه في مسقط رأسه "العدين". وبعد أن عزّيت أخاه وأقاربه وودعتهم، غادرت مدينة إب في طريقي إلى تعز. ولم يكن في نيتي أن أذهب إلى تعز، لكني بعد كل الذي حدث قلت أمرّ على خالي محمد، وكان في ظني أنه سيحتفي بي، ويعزمني على عشاء، ويعطيني مصروفًا وأجرة السيارة إلى عدن، لكنه عزمني على كأس حليب من محل الحليب المجاور لمحله، وكنت من طفولتي أكره الحليب ولا أستسيغه، لكني شربته محرجًا وتجرعته بنفس الطريقة التي أتجرع بها الدواء.

وليلتها لا أذكر أين نمت، أذكر فقط أنني نمت بدون عشاء، وفي الصباح خرجت من دون صبوح، ومشيت إلى منطقة الحوبان، ومنها ركبت إلى الراهدة مع سائق طيب، لكن سيارته كانت خردة تمشي وتتوقف، وكان كلما توقفت يقول لي:

"دهفة بالله دهفة".
  وكنت أنزل وأدفع السيارة المرة بعد الأخرى، ولكثرة ما كانت تتوقف شعرت بأن السائق أعفاني من دفع الأجرة مقابل دفع سيارته.

وفي الظهر وصلت الراهدة وأنا في غاية التعب والجوع، وأول ما وصلت توجهت إلى مقهاية عبد الله سيف، وكان ما يزال كما تركته يوم سفري إلى عدن، ولحظة أبصرني صرخ بكل صوته من الفرح:

عبد الكريم!
  وأخذني بالأحضان، وعزمني على غداء وأشبعني من جوع، وبعد الغداء قدم لي حلاوة من محل علي سعيد القباطي وجمنة قهوة، وكان في ظنه أنني جئت من عدن، لكنني قلت له إنني جئت من صنعاء وفي طريقي إلى عدن لكي أحضر شهادتي من كلية بلقيس. وأخبرته عن سفري إلى ألمانيا في بعثة اللاسلكي، وسألني وهو مستغرب:
ما هو هذا اللاسلكي؟
قلت له:
اللاسلكي علم جديد، واللي يتعلم اللاسلكي يلاقي وظيفة.
 فرح عبد الله سيف وراح يدعو الله أن يوفقني باللاسلكي وبالوظيفة، وعندما ودعته قال لي:
تحتاج بياس يا عبد الكريم؟
قلت له: لا، شكرًا.
قال: معك أجرة السيارة؟
قلت: معي.
وقلت بيني ونفسي: "قد غدّانا، ليش عاد أزيد أخسّره؟"

ثم إني وقد وصلت إلى الراهدة شعرت بأن الجزء الصعب من رحلتي إلى عدن قد مضى، ولم يبق سوى الجزء البسيط والسهل. وبعد أن خرجت من الراهدة انغرست في قدمي شوكة عظيمة كأنها مسمار، وسببت لي ألمًا شديدًا، ولم أستطع إخراجها، وكنت أمشي وأعرج، وألعن السيارات والشاحنات التي كانت تمر من جنبي وتكسوني بالغبار.

وفي الساعة الثالثة ظهرًا وقد غلبني العطش، أبصرت راعية جالسة في ظل شجرة دوم، فاتجهت نحوها وسلمت عليها وطلبت منها أن تسقيني، وبعد أن سقتني وأروت عطشي، سألتني عن السبب في أني أسير وأعرج، فكلمتها عن الشوكة المنغرزة في باطن قدمي، وطلبت مني أن أجلس لتخرجها، وكان معها ذلك الشيء الذي نسميه "هُوك"، وبواسطة "الهوك" أخرجت الشوكة، ثم أخرجت من كيسها فطيرة وطاسة فيها لبن وحزمة بصل، وطلبت مني أن آكل معها وأشاركها طعام الغداء، وعندما قلت لها إني تغديت راحت تلح وتقول لي كلامًا شبيهًا بذلك الكلام الذي يقوله بدو الصحراء لضيوفهم، وحينها مددت يدي وشاركتها طعامها، ثم شكرتها على الطعام وعلى الشوكة التي أخرجتها من باطن قدمي، ومضيت في طريقي، ولخوفي من أن تغرب الشمس وأنا في ذلك القفر الموحش رحت أمشي بخطوات سريعة، ووقت المغرب وصلت إلى قرية لم أعد أذكر اسمها، وكان في نيتي أن أنام في مسجدها إلى الصباح، لكني حين رحت أتلفت لم أر ما يدل على وجود مسجد: لا قبة، ولا مئذنة، ولا مصلين، وحين سألت أحدهم عن المسجد قال لي:

قريتنا ما فيها مسجد.

وعندما سألته عن السبب في عدم وجود مسجد بقريتهم قال لي:
 نحنا ما نصلي، ولا نعرف ما هي الصلاة.

مقالات

صناعة الإنسان العقائدي.. الأثر النفسي والتربوي في سياق التعبئة (3-5)

إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت كيف تحولت المدرسة من فضاء تعليمي إلى أداة للتعبئة، والحلقة الثانية قد بينت كيف امتد هذا التحول ليحدث تصدعات في النسيج الاجتماعي، فإن هذه الحلقة تمضي خطوة أبعد، لتفكيك الأثر الأعمق وهو كيف وصلت الجماعة الحوثية نتيجة لهذه الممارسات إلى إعادة تشكيل سيكولوجية الجيل الناشئ نفسه.

مقالات

بين نقد التجربة وإغتيال الرجل

ما إن يرحل رجل من رجال السياسة حتى تخرج الأقلام من مخابئها لتكتب تاريخاً جديداً، لا كما جرى، بل كما تشتهي الخصومات أن ترويه. فيتحول الإنسان الذي كان بالأمس جزءاً من مأساة وطنية عامة إلى المتهم الوحيد، وتتحول أخطاء مرحلة كاملة إلى خطيئة شخص واحد.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.