مقالات

عبثية أتمتة الامتحانات في جحيم المليشيات!

15/05/2023, 10:15:25

لقد أنفقتُ ثلاثين عاماً وأكثر في مجال التعليم كمدرِّس، وتدرجتُ في التدريس من الابتدائي حتى ما بعد الثانوية، وكنتُ على يقين تام أن اليمن لا تسير في الطريق الصحيح في مجال التعليم، فكل شيء في التعليم صار قابلاً كل صورة من صور الفساد بشكل أفقي وعمودي وهرمي.

كانت أيام الاختبارات أكثر الأسئلة التي تبطح نفسها، أليس هناك من حل؟ أليس هناك من رجل رشيد؟ لمصلحة من كل هذا العبث في التعليم بكافة مراحله؟

في أكثر من امتحان للثانوية العامة بصنعاء ومناطق المليشيات، وجد الفتيان والبنات أسئلة عجيبة خارجة عن مفردات المنهج تماماً، ما يعني أن من وضعوا الامتحان يريدون أن يقولوا للطلاب والطالبات: نتحداكم أن تجيبوا على بعض الأسئلة.

لكننا اليوم نضحك من تساؤلاتنا الماضوية، وقد وصل التعليم إلى حافة الحافة، بل إلى حضيض الحضيض بالضبط، حضيض صنعته المليشيات بكل طائفيتها وسلاليتها، وهناك الحضيض الآخر المتمثل في الشرعية الرخوة الذي صنعته الحرب في طول اليمن وعرضه، لكن نبقى نؤمل أن الطرف الآخر -المحرر مجازاً- بقي الطالب فيه نظيف العقل والفكر واللسان، رغم تشابه الأوضاع فيما وصل إليه التعليم هنا أو هناك، حيث طحنت الحياة اليومية وغلاء المعيشة الطالب وأولياء الأمور والمعلمين والناس جميعاً بلا استثناء، والملفت للانتباه أن الأجندات المخيفة تأتيك من حيث لا تدري، فيما يتعلق بكل مراحل العملية التعليمية من الألف إلى ياء الاختبارات ودخول الجامعات، والمنح التي تم فيها البيع والشراء لأبناء الفاسدين.

وهو عكس ما يحصل هنا تحت نير وسلالية وطائفية المشرفين والمليشيات من تجريف لكامل العملية التعليمية، من الألف إلى الياء، وما بعد بعد حروف الهجاء: كُتُب غريبة، وإفساد عقائد الطلاب وعقولهم معاً، واعتماد اللون الواحد والفكرة الواحدة البغيضة، والمذهب الواحد المتطرف الذي ليس له غير طريق الموت وإلغاء الجميع بلا استثناء، ودهسهم بلا رحمة 

طوابير غريبة، وأيام أغرب: زيد وزينب وفاطمة والرسي وعلي والحسين وولاية وغدير وغدر ويوم الشهيد ويوم المسيرة، ومناهج غريبة، وصيحات وصراخ ووعيد، ومعلمون جوعى، وأصبحت مهنة التعليم في مناطق المليشيات مهنة من لا مهنة له.

مدراس خاصة أسوأ مما يمكن لعاقل أن يتصور، تأثرت بهذا التلوث التعليمي والمنهجي، وفتح كثير من المشرفين مدارس خاصة، ولا هدف سوى جمع أكبر قدر من المال، والطالب لديهم مدلل بلا حدود، ولا تشك للحظة أنهم يُفصِّلُوا لهم معلمين على مقاساتهم وعلى قدر فلوسهم، ولطلاب المدارس الخاصة الرأي الأول والأخير فيمن يقوم بتدريسهم 

ما يحدث هذي الأيام من اختبارات مهزلة المهازل من حيث إدخال الحوسبة الرقمية في اختبارات الثانوية العامة والأساسية، وتعتمد المليشيات نظام الحوسبة والتصحيح الإلكتروني لأول مرة منذ أغسطس 2020م، إضافة إلى دمج الاسم والصورة ورقم جلوس للطالب في ورقة الاختبار، ولا نستبعد وضع نماذج خاصة لآل البيت على هذا الأساس، حيث يرتفع الجاهل، ويسقط الذكي كسياسة مقصودة وتكريس مخطط له بعناية للتجهيل، وفي استطلاع جرى لتلاميذ الثانوية قبل يومين أظهر نسبة 10% تقول إن الامتحانات سهلة، و15% تقول إنه متوسط، و75% تقول إنه صعب جداً، وهذي النسبة الأخيرة هي فئة الطلاب ضحايا المليشيات في النتائج، وفي الظاهر إيهام العالم بأنهم مع التقدم والتكنولوجيا، وإحباط جيل كامل أو عدة أجيال قادمة، حيث تقدم الاختبارات على شكل نماذج في كل لجنة تصل إلى أكثر من عشرة نموذجات، فهناك نموذجات سهلة جداً يتم تقديمها لفئة معينة، ونماذج صعبة ومعقدة لفئات أخرى على مستوى جميع مراكز الاختبارات، في ظل انعدام الضمائر للجان الامتحانية والمراقبين من المعلمين الذين يعطونهم أجورا لا تستحق حتى الذكر (خمسمائة ريال)، والغش هو الغش المسيطر بكل الطرق والفنون والأدوات، خاصة في زمن السامسونج وغيره، ولذلك واجه أولياء أمور كثير من الطلاب -خلال العامين الماضيين- انتكاسات لأبنائهم المتفوقين، وتدني معدلاتهم بشكل ظالم جداً. ولعل وسائل التواصل الاجتماعي كانت مقياساً مهماً لمعرفة ما حصل من تجريف للعقول في الاختبارات، ونسبة النجاح ونسبة الرسوب، ومقارنة الأرياف بالمدن، ومدارس بأخرى، والمدارس الخاصة بالمدارس الحكومية، ومدارس البنات بمدارس البنين، هناك مفارقة واضحة كالشمس للمستويات، وهي مفارقات غير معقولة أبداً بأي مقياس علمي أو منهجي أو تعليمي. ولعلنا  لا نذهب بعيداً عندما نشير إلى كثير من الطلاب الذين يتوجهون من مناطق المليشيات إلى المناطق  المحررة مجازاً؛ لإعادة اختبار الثانوية للمرة الثانية على أمل الحصول على تقدير أفضل، وهذا يلخص لنا المشهد المأساوي في الجانبين، لكن تبقى مسألة اختبارات القبول في الجامعات هي الملاذ الأخير للعدالة التعليمية التي فُقدت في الأصل، وكنا نعتقد أن التعليم سينجو من التكاليف الباهظة للحروب، ولكن المليشيات تأبى ذلك.

وهنا نخلص إلى الإشارة إلى مستوى الدراسة الجامعية في مناطق المليشيات، حيث الأساتذة بدون مرتبات للعام الثامن على التوالي، ليبقى موقف أستاذ الجامعة - أياً كانت شهادته أو مستواه أو موقفه - ضعيفاً أمام الطلاب والطالبات، في ظروف الحرب والسلالية وسلطة المشرفين في كل مفاصل الجامعة، لذلك نجد الطالب يدرس ملزمة لا تزيد عن عشر صفحات، بل ومطلوب من الأساتذة تحديد مواضع الاختبارات، أو إعطاؤهم نموذجا مطابقا للاختبار النهائي.

وأود هنا الإشارة إلى أستاذ في جامعة صنعاء ترك التعليم، واشترى باصا ليشتغل عليه؛ ألتقيته في مقهى، واشتكى من تدخل الجميع في كل وظائفه: من الشرح، والتصحيح، والدرجات؛ مطالبين إياه برفع التقديرات والدرجات. فأجاب: إذن أين ستذهب الفوارق الفردية بين الطلاب عند هولاء وغادر؟

في مدينة الحديدة أيضا، التي شهدت وضعاً استثنائياً منذ عام 2018م، وانتقال طلاب الجامعة إلى الدراسة داخل المدينة في مدارس حكومية؛ بسبب وقوع الجامعة والكليات في ساحة الحرب، ونزوح الأساتذة من المدينة، انفتحت الحظوظ على مصراعيها للطلاب الضعفاء على جميع المستويات، فحصلوا على مساعدات وتقديرات لم يكن يحلم بها أي طالب في ظل مناخ صيفي حار، ومحاولة المليشيات إثبات قدرتها على التحكم بالأمور، وأنَّ التعليم يسير بنجاح في عهدهم.

بقي أن نشير إلى أن الطالب اليمني المحب للتعليم، الذي يمتلك إصرارا وإرادة كبيرة، هو حجر الزاوية في كل ما يعتمل من تجريف ممنهج للتعليم بكل مستوياته وآفاقه. الطالب اليمني طموح جداً، ولديه من الوعي ما يكفي لمواصلة التعليم، وبذل جهد أكبر؛ من أجل المستقبل رغم كل المنغصات والحروب والقتل الذي حوله.

ولا شك أن تكاليف التعليم الباهظة، التي فرضتها مليشيا الحوثي، جعلت الكثيرين يتساقطون كأوراق الخريف في الطريق إلى المستقبل، وهناك ندرة التخصصات واحتكارها في بعض الجامعات الخاصة التي تستنزف قدرة أولياء الأمور الذين يعيشون في طول اليمن وعرضها في أزمات اقتصادية طاحنة، نتيجة الحرب والعدوان الداخلي خاصة، واستمرار الحرب عامة.

ولاشك أن ذراع المليشيات وسلطة المشرفين لم تستثنِ التعليم الجامعي من التجريف، وتغيير المناهج إلى سلالية طائفية بشعة، وصار تركيزها على غسل عقول كل اليمنيين في الجامعات وخارج أسوار الجامعات، وتحويلهم إلى مدجنين بالفكر الطائفي السلالي.

ونختتم هنا بالتأكيد على أن هناك تزايدا مستمرا نحو الأمية الكارثية، وتسربا كبيرا من العملية التعليمية برمتها، وكافة مستوياتها، بدون تحديد جغرافي، وتوجها عاما ومفتوحا نحو الجبهات. وأذكر مرة أن ربة بيت قالت ببساطة وعمق: إن المتوجهين إلى الجبهات من جانب المليشيات هم أميِّون أو أنصاف أمييِّن عكس المتوجِّهين إلى الجبهات من بداية الحرب حتى الآن من الطرف الآخر؛ كلهم متعلِّمون، وحاملو شهادات ثانوية وجامعية، وأكثر، وعلى ذلك نحدد الخسارات.

مقالات

الوطن، الوثن.. وسارق الأحذية!

أحتاجُ إلى فُسحةٍ من التبصُّر الذاتي، أو قَدْرٍ من السلام الروحي، لتبيان الفرق بين الوطن والوثن، فقد تشابه الوطن عليَّ (أَمْ تُراه تشابه الوثن!) حتى بات الأمر ضرباً من الهُلام المتداخل بين قرص الشمس المجوسية وروث البقرة الهندوسية، يسقط هذا في نتن ذاك، أو ينأى هذا في الوعي ليصبح في هيئة ذاك في الوجدان!

مقالات

البكاء بين يدي مدينة تعز!!

لم تعد تعز تلك المدينة، التي نعرفها، لقد أضحت مدينة حزينة ذليلة باكية، رغم كل ما يحيط بها من جمال الطبيعة وعبقرية المكان، أضف إلى ذلك عبقرية الناس الذين يعيشون فيها بشكل متجانس منذ حُقب بعيدة، فهي مثلها مثل صنعاء وعدن من حيث التجانس بين فئات كثيرة من كل أنحاء اليمن

مقالات

مطهر الإرياني.. الشاعر الذي راكم على تغريبة اليمني وحكمة الفلاح وإرثه (1-2)

في كتابنا (الهجرة والمهاجرون في أدب اليمن - 2023 )، خصصنا مساحة لقصيدة "البالة" لمطهر الإرياني بوصفها أحد العناوين الصريحة لهذا النوع من الكتابة الشعرية الملتحمة بتغريبة اليمنيين الكبرى، وهي الهجرة، وقد حازت على شهرتها الواسعة بواسطة عملية التلحين والغناء التي قام بها الفنان "علي عبدالله السمة".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.