رأي
لماذا قد تتفوق أدوات الحوثي على تجربة الإمامة؟

هناك اطمئنان مخاتل لتمدد الحوثي يقوم على قياس تجربة تاريخيّة للإمامة، وأنها رغم سنوات الهيمنة الطويلة لم تتمكن من تغيير مذهبي جوهري في مناطق الشافعية ومناطق التماس المذهبي يقود إلى تعزيز الإمامة في عقيدة الناس.
وهذه قراءة مغلوطة أولاً لآلية التمدد الإمامي مذهبياً في إجمالي مناطق اليمن من ناحية، وفي الأدوات المتوفرة حديثاً لدى السلطات وجماعة القوة في فرض أنماطها الأيديولوجية والمذهبية من ناحية أخرى.
لتفكيك ذلك الاطمئنان علينا أن ندرك أن الزيدية تمددت في نطاق جغرافي لم يكن يزال في أعلى جبال الهضبة اليمنية الغربية، وكان يصطدم بتعارض مذهبي حاد كون القبائل كانت تتبنى مذاهب سنية أو شيعية مغايرة، ولكن مع الوقت ترسخت الإمامية الزيدية في أذهان الناس بعد سنوات طويلة من الهيمنة.
وطبيعة الفكر السياسي الزيدي قوضت انتشاره، لأنه لم يكن قادراً على توليد استقرار اجتماعي وسياسي في مناطق انتشاره بسبب الحروب التوليدية المتناسلة داخله دون انقطاع.
لكن العامل الآخر لعدم انتشاره يرجع إلى نشوء دويلات متينة مغايرة مذهبياً سيطرت على أغلب البلاد سيطرة فعلية وحصرته في مراحل كثيرة داخل قلاع وجبال محدودة في أقصى شمال غرب الهضبة الجبلية اليمنية، ما بين صعدة إلى صنعاء على الأكثر. ولعل أهم ثلاث منظومات (سياسية - اجتماعية - مذهبية) هي الرسولية والصليحية والطاهرية.
وعلينا ألا نتجاهل أن الدولة في ذلك العصر لم تكن متطابقة مع تعريفنا للدولة الوطنية في الوقت الراهن.
بخصوص الإمامة فإن أهم عوامل عدم انتشارها هو عدم عنايتها بالمدارس والتعليم، وكانت في تجهيلها للناس عمداً قد شاركت في عدم انتشارها مذهبياً.
خلال أربعة قرون من عهود الإمامة المتوكلية واستفادتها من أدوات الحكم الحديثة قليلاً، لم تتمكن من النفوذ إلى أعماق المجتمع؛ فقد كانت سلطة جباية بامتياز.
الحوثية نمط مختلف تماماً، فهي ابن الدولة الحديثة ونقيضها في آن.
تعريفها للسلطة هو أن تكون السلطة شاملة وشمولية وعابرة لكل القطاعات الاجتماعية، وتوظف أدوات الحكم والإدارة لفرض نفسها واختراق ضمائر وقلوب الناس. وبهذا فهي تستلهم النموذج الإيراني البشع في السيطرة والبقاء.
أول ما يبسط عليه الحوثي هو المدرسة والمسجد وقد استحدث بنية تنظيمية هي الأمتن من كل ما سبق في اليمن منذ النظام الجمهوري.
ثم إن لديه جهازاً دعائياً يتوافق مع أكثر أزمنة البث والتواصل قوة ونفاذاً (صوت، صورة، لون، ومجسدات). مات الامام احمد وليس له صورة بين الناس ولم يسمع الناس صوته إلا نفر قليل بينما تبث محاضرات عبد الملك اسبوعياً. لم يحظ اي زعيم يمني بهذه الكثافة في الحضور المصور والصوتي.
السلطة الإمامية كانت تدرك نفسها مذهبياً وتعرف الحدود المذهبية بوعي تام. لكن الحوثي يقدم نفسه على أساس وطني سيادي وبهياكل الدولة الحديثة وأدواتها.
لم تكن دولة الإمامة تصل إلى القرى إلا بالبغال، بينما أسهمت الجمهورية في حمل الحوثي إلى أصغر محلة عبر شبكة طرق ومنشآت خدمية.
لقد اعتلى الحوثيون البنية الإدارية والخدمية للجمهورية للوصول إلى المواطن.
ولننطلق من كلمة المواطن هذه:
عندما حكمت الإمامة لم تكن ترى الناس مواطنين بل رعايا، وعليهم واجبات الدفع فقط، وليس واجبات الإيمان بها والمشاركة في توطيدها.
لم تكن تجند منهم أو تدرجهم في الوظيفة العامة إلا في الحدود الدنيا. أغلب اليمن الشافعي كان مقصياً من المشاركة في الحكم والإدارة. حتى بعد أن تحولت تعز إلى عاصمة فان أعداد من دخلوا في منظومة الحكم وأدوات الإدارة والعسكرة هم بعدد الأصابع.
الحوثية تعمل عكس ذلك؛ تلزم الناس بالتجنيد وخوض معاركها حتى وإن كانت ضد أهاليهم.
وبهذا فإن أدوات التوغل والاستيلاء على الضمائر والعقول المتوفرة للحوثية أكبر بكثير من كل عهود الإمامة.
وهناك نقطة أخرى قد تنجح فيها الحوثية وهي أنها تتفادى أخطاء العهد الإمامي أولاً، (بسط نفوذها في كل شبر، استجلاب احدث ادوات القهر والسيطرة وتحديث بنيتها الامنية والعسكرية، التحالف الخارجي على نحو انتحاري - على عكس حذر الامامة من التحالفات الاقليمية كيفما كان شكلها - وتشتغل على الوتر الوطني وتخلق عدواً خارجياً يساعدها في التعبئة والتجنيد خارج حاضنتها المذهبية.
ثانياً: حسم مسألة إمكانية تعدد الأئمة. الان عبد الملك وبس. ولديها تفويض من كبارات الزبدية العلمية.
الحوثية في خطابها الرسمي ليست طائفية، لكنها في ممارساتها لا احد بطائفيتها، ولهذا فإنها قادرة على التمدد وتُساعدها الحروب الدائمة في تغليف وجهها الطائفي السلالي والمذهبي.
لذا فاني أرى أن الرهان على السقوط التاريخي المتوقع للحوثية قياساً على تجربة الإمامة وحدها هو رهان مضلل وغير حصيف؛ فالجماعة اليوم لا تستنسخ الماضي بأدواته البالية، حتى ان إطلاق تسمية الإمامة الحديثة عليها يبدو غير دقيق. فهي تستثمر في أنقاض الدولة الحديثة ومنجزاتها لتمرير مشروعها الطائفي باستعارة مفهوم وتلبية هيمنة الدولة الوطنية الحديثة.
وبينما كانت الإمامة ترتدع بحدود الجغرافيا وعزلة القرى، تتحرك الحوثية في قلب العصر بسلطة شمولية وآليات فتاكة للتوغل في الوعي والوجدان.
إدراك هذا الفارق الجوهري هو خط الدفاع الأول لمن أراد مواجهة هذا التمدد، قبل أن تتحول الاستهانة بخطره إلى هزيمة لا تراجع بعدها وتحدث تغييرا مذهبياً يرسخ عقيدة الولاية. او ينتج رد فعل مذهبي متطرف خارج عن المنبت المذهبي المتأصل في اليمن.
نقلا عن حساب الكاتب على منصة 'إكس'


