مقالات
خيار السعودية الوحيد في اليمن
تركت السعودية فراغا قاتلا في اليمن منذ تدخلها العسكري قبل أكثر من عشر سنوات، من دون أن تحسم قضية استعادة الدولة، وهو الشعار الذي انطلقت به حملتها آنذاك.
وعوضا عن ذلك، ملأت الساحة المحلية بتكوينات سياسية متنافرة، ودعمت، أو تغاضت عن إنشاء جيوش موازية بعقائد متباينة وميزانيات مرهقة.
كانت تلك الإجراءات، في جوهرها، قنابل موقوتة انفجرت تباعا في وجوه اليمنيين، ولا تزال حتى اليوم تشكل حقولا ملغمة أمام المستقبل.
فقط لاحظوا كم نحتاج من الوقت والجهد لتفكيك هذه الحقول في المناطق المحررة كما كان يفترض أن تكون. ولم نصل بعد إلى اللغم الأكبر، اللغم الطائفي، في مناطق الكثافة السكانية.
كان بإمكان السعودية أن تنهي الفتنة في اليمن، شمالا أو جنوبا، قبل أن تكبر. كانت تملك القدرة على ذلك، لكنها، كعادتها، تركت المشكلات تتفاقم ثم جاءت متأخرة.
في الجنوب، تحركت قبل أشهر بعمليات عسكرية وميدانية، لكنها توقفت عند حضرموت وشبوة بصورة لافتة، فيما تُركت عدن مساحة مفتوحة لتغذية الكراهية، واستمرار خطاب التحريض والشحن المناطقي ضد الدولة.
وفي المقابل، تُركت جماعة الحوثي طوال هذه السنوات لتراكم خبراتها العسكرية والصاروخية، وتستقدم خبراء من الحرس الثوري الإيراني، وتعزز قدراتها في الطائرات المسيرة. وهكذا لم تعد الجماعة اليوم مشكلة يمنية محلية، بل تحولت إلى تهديد إقليمي يطال أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
الحديث عن معاناة اليمنيين ومأساتهم الإنسانية مرهق بحد ذاته، بفعل الجرائم التي ارتكبتها الجماعة.
لكن لهذه المأساة أيضا جذورا في الطريقة التي أدارت بها السعودية الحرب: سوء تقدير، وأجندة مفتوحة، ومعركة بلا حسم.
السؤال اليوم لم يعد عن مأساتنا نحن، بل عن الكيفية التي ستواجه بها المملكة هذا التهديد المستجد، بعد إعلان الجماعة حظر الملاحة على الموانئ السعودية واستهداف ثلاث سفن تجارية تابعة لها حتى الآن.
مهما تحدثت السعودية عن قدرتها على حماية سفنها، ومهما حملت بياناتها من رسائل تحد، فإن الواقع يشير إلى أنها أمام خيارين: إما مواجهة الخطر في مصدره وقطع دابره، أو العودة إلى خيارات التفاوض والتراضي، ولو من وراء الستار. وأرجح أنها ستختار الطريق الثاني.
كما يبدو، فإن المراهنين على قوة الجارة الكبرى سيخسرون للمرة العاشرة بعد المئة.
السعودية، حتى الآن، لا تبدو راغبة في خوض مواجهة عسكرية حاسمة مع جماعة الحوثي.
ستتحمل الضربات، وسترد عليها بغارات محدودة تستهدف منصات الإطلاق ومواقع مرتبطة بالهجمات على سفنها، كما فعلت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية.
وربما تدعم تحريك بعض الجبهات المحلية، ليس بهدف التحرير الكامل، وإنما لزيادة الضغط وتحسين شروط التفاوض.
ثم، عند أول فرصة، ستتجه إلى احتواء التصعيد، وربما تضغط على تلك الجبهات نفسها للتوقف والعودة إلى طاولة المفاوضات.
قناعتي أن أي دعم لا يترافق مع معالم واضحة لمعركة شاملة وحقيقية تنهي هذا الكابوس، لا يمثل ما يحتاجه اليمنيون اليوم.
المطلوب خريطة طريق واضحة لاستعادة الدولة، لا استمرار المعارك الجزئية، ولا تحويل الجبهات إلى أوراق ضغط تستخدم عند الحاجة ثم تجمد عندما تتغير الحسابات.
دماء اليمنيين ليست فائضة عن الحاجة، ولا يجوز أن تظل وقودا لصراعات الإقليم وحساباته.
وأخشى، يمنيا، أن يأتي يوم تكون فيه الأرض قد تهيأت للمقاومة، لكننا لن نجد من يتحرك معنا، بعد سنوات من استنزاف المعنويات، والوعود الكاذبة، ومعارك التحرير المؤجلة.
إذا أرادت السعودية طريقا أكثر أمنا في اليمن، فهو واضح: دعم استعادة الدولة المركزية، لا إدارة التوازنات بين التكوينات الطائفية والمناطقية.
ذلك هو طوق النجاة الوحيد، وهو خيار يمكن البناء عليه في محيطها أيضا. فاستقرار الدول يبدأ بوجود دولة، لا بترك الساحة للفوضى والعصابات والجماعات المسلحة.
تدرك الرياض اليوم مصدر الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفتها مؤخرا. والسبب، في جانب منه، أنها تركت فراغا في حدائقها الخلفية، بينما هي الدولة العربية الأكبر والأكثر تأثيرا.
فالمسيرات التي تهددها اليوم تنطلق من اليمن والعراق، وكلا البلدين تحولا إلى ساحات فراغ ملأتها الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.
قد يتساءل البعض: أين ذهبت صفقات السلاح الضخمة التي عقدتها الرياض مع واشنطن على مدى عقود؟ وهل تستطيع بالفعل أن توفر الحماية الكاملة أمام صواريخ وطائرات مسيرة منخفضة الكلفة؟
قبل يومين، احتفى كثير من السعوديين بموافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاتفاق النووي مع المملكة.
لكن قلة فقط من تحدث عن السؤال الأهم: حتى لو تطور هذا البرنامج مستقبلا، فهل سيكون قادرا على تحييد خطر المسيرات والصواريخ التي باتت تمثل التهديد الأكثر إلحاحا؟