مقالات

مساندة مدرسة الاجتهاد اليمنية للحركة الوطنية

30/05/2021, 15:56:11

شكّل أعلام المدرسة الفقهية اليمنية، الذين تحرروا من عباءة المذهب الزيدي، نقطة التقاء بين جميع أبناء اليمن بوقوفهم على مسافة متساوية من المذهبين القائمين في اليمن -الشافعي والزيدي- وقد تمكن الشوكاني بواسطة تحرره من التقليد ونبوغه المعرفي، وحرصه على اتباع أدلة الكتاب والسُّنة من إيجاد آلية لتوحيد المرجعية القانونية والتشريعية لأهل اليمن، والتزم به أثناء ممارسته للقضاء، وتمت الاستفادة منها بعد قيام الجمهورية في مشروع تقنين أحكام الشريعة.
وقد استفاض الباحث الأمريكي برنارد هيكل في شرح هذه الوحدة التشريعية التي ابتكرتها سلفية الشوكاني الإحيائية في التحرر من التقليد واتباع الدليل، وقبول فرقاء الصراع المذهبي في اليمن بهذه الآلية(1).
وأشار برنارد هيكل إلى دور الشوكاني أيضا في توحيد مرجعية أهل اليمن بعد إسقاط نظام الإمامة المحسوبة على النظرية السياسية الزيدية، وقيام النظام الجمهوري.

*مدرسة الإحياء اليمنية والحركة الوطنية اليمنية

كان تأثير حركة الإحياء السُّني الاجتهادي واضحاً في مسيرة الحركة الوطنية اليمنية في مطلع القرن العشرين، وتبلور هذا التأثير في حركات الأحرار اليمنيين في عدن، ورموز التجديد الثقافي في حضرموت، ولعلّ أشهر رموز المدرسة الحضرمية الأديب علي أحمد باكثير، الذي تجسدت نزعته الإصلاحية الإحيائية  في مسرحية "همّام في بلاد الأحقاف"، ومما كتبه باكثير في مقدّمة المسرحية "كلنا يعلم أن في حضرموت بدعاً في الدين يجب أن تنكر وتزال، ما في ذلك شك، وأن فيها جهلاً يجب أن ينار بمصباح العلم ما في ذلك مرية، وأن فيها جموداً يجب أن يدك صرحه، وأن فيها امتيازات أدبية وحقوقية للأشراف ولغيرهم أيضا يجب أن تبطل، وأن فيها عادات سيئة يجب أن تصلح وأن فيها فوضى وقطعاً للسبل وسفكاً للدماء من طبقة القبائل يجب أن يفكر في إصلاحها والضرب على أيدي المفسدين".
ويستنكر باكثير اتهام  من يدعو إلى هذا الإصلاح بالنصب ومعاداة أهل البيت فيقول: "يجب على الشعب الحضرمي التعاون على إصلاحها -أي ما سبق من أمور- فإذا ما دعا الداعي إلى إصلاحها، فليس من العقل أن يتهم بأنه يبغض أهل البيت، فالمسألة مسألة وطن بائس يجب إنقاذه وشعب مريض يلزم علاجه"(2).
وفي مقابل هذا الحراك الإصلاحي في الجنوب، تبلور تيار مجلة "الحكمة اليمانية"، الذي تأسس في العشرينات بصنعاء على يد أحمد الوريث وأحمد المطاع، ووصل إلى مرحلة الذروة في ثورة 1948م، التي نجحت في إقامة أول دولة دستورية في الجزيرة العربية، ولكن النظام الإمامي استطاع محاصرة صنعاء وإسقاط الثورة بمساندة من بعض الأنظمة السياسية التي شعرت بالخوف من تمدد الثورة والثقافة الدستورية. واستمرت حركة الإصلاح اليمنية بعد سقوط الثورة بمقاومة الإمامة من خلال جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بزعامة الشهيد محمد محمود الزبيري، وناضلت من أجل إسقاط الامتيازات السياسية لطبقة من المجتمع، كما ناضلت الحركة الوطنية في الجنوب لإسقاط الامتيازات الطبقية الخاصة بطبقة الأشراف، حتى قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر.

دور مدرسة الإحياء اليمنية في دعم ثورتي سبتمبر وأكتوبر:
  وبعد نجاح ثورة سبتمبر، استمرت هذه الحركة في مقاومة ثقافة الإمامة ونظريّتها السياسية العنصرية بالثقافة السنية الاجتهادية، وقد أشار أحد علماء الشيعة في إيران إلى ما اسماه استخدام الجمهوريين في اليمن الثقافة السنية لمقاومة النظرية السياسية الشيعية، وأنهم قاموا بطباعة مؤلفات الشوكاني لهدم آثار نظرية الإمامة(3).
وأشار برنارد هيكل إلى قيام الجمهوريين بعد ثورة سبتمبر بتبنّي منهج مجتهدي أهل السُّنة لمواجهة نظرية الإمامة الزيدية، مشيراً إلى قيام قاسم غالب أحمد -أول وزير معارف بعد الثورة- بإصدار كتابين عن دور ابن الأمير والشوكاني في محاربة التعصّب الإمامي، وتوحيد اليمن حول مرجعية اتّباع الكتاب والسُّنة، والتحرر من التقليد المذهبي، كما أشار هيكل إلى كتاب أبرز قادة الثورة اليمنية (محمد محمود الزبيري) عن الإمامة وخطرها على توحيد اليمن (4)، وإشارة الزبيري إلى محاربة الإمامة لعلماء أهل السُّنة الذين تحرروا من ربقة التقليد.

واستمرت حركة الإصلاح في المقاومة العسكرية لفلول الإمامة الزيدية لمدة عشر سنوات في إطار سياسي جديد -حزب الله- ونجح في حشد التأييد القبلي للثورة، وكان من أهم الرموز الفكرية والوطنية لهذا التيار محمد محمود الزبيري، ومن الرموز الدينية لهذا التيار في جنوب اليمن محمد سالم البيحاني، الذي كان على علاقة وثيقة بمحمد محمود الزبيري. ورغم الخلفية الماركسية للنظام الذي حكم جنوب اليمن بعد نجاح ثورة أكتوبر، والصراع الذي خاضه مع الإسلاميين فقد وجد هذا النظام نفسه بحاجة إلى تأييد جهود الإصلاح السلفي في محاربة الامتيازات الاجتماعية التي يحظى بها بعض الرموز الدينية، لاعتبارات طبقية في محاولة لتجسيد ثقافة المواطنة المتساوية وللقضاء على عنصرية التمييز الاجتماعي، والتراتب الطبقي، بعد أن تهاوت ثقافة العنصرية السياسية في شمال اليمن بعد ثورة سبتمبر (5).
المراجع:
1- برنارد هيكل، ترجمة أحمد الجنيد، مقال بعنوان الشوكاني والوحدة التشريعية لليمن، دورية "دراسة قانونية" الصادرة عن مركز الدراسات والبحوث اليمني، العدد الثالث، السنة الأولى، 2009، ص21.
2- عبدالله البردوني "الثقافة والثورة في اليمن"، ط3، دار الحداثة بيروت، ص 313- 314، 1993م.
3- آية الله السبحاني، بطون الملل والنحل، ص 450.
4- الشوكاني والوحدة التشريعية لليمن - ص30-33.
5- فرانك مرميه، موروث تاريخي مجزأ في: اليمن المعاصر، إشراف ريمي لوفو وفرانك مرميه وهوغو ستانبخ، ترجمة علي محمد زيد، ط 1، بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2008م,

* المقال مقتبس من دراسة للكاتب بعنوان "دور مدرسة الإحياء اليمينة في مساندة حركة الإصلاح الحديثة"، منشورة في كتاب "السلفية والوهابية" الصادر عن منتدى العلاقات العربية والدولية والمركز الثقافي العربي 2016.

مقالات

المكارثية الجديدة: حين تصبح مناصرة فلسطين تهمة

في الخمسينات من القرن الماضي، عاش الأمريكيون في ظل حملة قمع سياسي شرسة عُرفت باسم "المكارثية"، حيث طاردت السلطات كل من اشتُبه في تعاطفه مع الشيوعية، وزُجّ بالكثيرين في السجون، أو فقدوا وظائفهم لمجرد آرائهم السياسية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.