مقالات

مطالعة في "زوايا من تاريخ ولاية عدن" (1-2)

20/01/2022, 14:45:23
المصدر : خاص

مئات الصور النادرة، التي حواها كتاب "بلال غلام حسين"، المعون "زوايا من تاريخ ولاية عدن (1839- 1967م)"، اختزلت حال المستعمرة الإنجليزية الأشهر في المنطقة العربية، التي كانت -خلال عقد الخمسينات الماضي- عنواناً للتحضّر والعصرَنة في محيط متخلّف وتقليدي، يعيش أوضاعاً مأساوية جمَّة.

المادّة التاريخية، في أنساقها العلمية، في هذا الكتاب قليلة جداً وضعيفة، إلاَّ فيما يتصل بالجانب التوثيقي وعرض البيانات بغير ما جهد تحليلي كافٍ؛ غير أن الصور المجموعة باحترافية عالية تحيل إلى  تفاصيل كثيرة في حياة المدينة طيلة الفترة الاستعمارية، كما يشير المؤلف، وتكثيفها الأكبر كان لفترة الخمسينات وما بعدها، حين شهدت عدن وثبتها الاقتصادية والمعمارية بعد تحوّلها إلى مركز متقدّم لخدمة القوات البريطانية في الشرق، وممراً حيوياً لتزويد السفن بالوقود، واحتوائها على واحدِ من أهم الموانئ في العالم في ذلك الوقت.

بقي مؤلف الكتاب، الذي يعرَّف نفسه بالباحث والمترجم، محكوماً بقراءة تاريخ المدينة من زاوية كونها مستعمرة، بعد خمس وأربعين سنة من استقلالها، فقد جاء في مقدّمة الطبعة الثانية للكتاب في 2013م:

"تقع شبه جزيرة عدن في البحر العربي، وتتصل بالجزيرة العربية عبر البرزخ المعروف عند جبل حديد، حيث تتصل أرض عدن بأرض الجزيرة العربية، ومستعمرة عدن تقدر مساحتها بـ75 ميلاً مربعاً، وتضم مدن: كريتر، المعلا، خور مكسر، التواهي، الشيخ عثمان، وعدن الصغرى.

ولغة التخاطب عند الناس هي اللغة العربية الدارجة، أما بالنسبة إلى لغة التجارة والأعمال فقد كانت الإنجليزية هي السائدة عموما" ص8.

يفتتح المؤلّف فصول الكتاب بمادة للفقيه الدستوري الراحل نجيب عبد الرحمن الشميري، المعنونة بـ"عدن: لمحة دستورية قانونية (1802/ 1967م)"، في سياق الحديث عن البدايات الأولى لتأسيس الإدارة المدنية في ولاية عدن. وعلى غير الشائع في تحديد بداية الحقبة الاستعمارية للمدينة بـ19 يناير 1839م، يرى الشميري أن اهتمام بريطانيا بعدن يعود إلى فترة تزيد عن ثلاثة عقود من الاحتلال الحقيقي؛ إذ أبرمت اتفاقية تجارية عام 1802م لاستئجار ميناء صيرة، وكذلك استئجار بقعتين اثنتين: واحدة لإقامة مساكن للبحّارة، والأخرى لاستخدامها كمقبرة للموتى.

قبل دخول بريطانيا إلى عدن، وقبل تأسيس المحاكم، كانت جميع القضايا والخلافات تُحال إلى القاضي الشرعي، الذي كان معيّناً من قِبل سلطان لحج، وكانت السلطنة هي التي تقوم بتنفيذ الأحكام الصادرة من قِبل القاضي، الذي كان يحتكم إلى الشريعة الإسلامية والأعراف الداخلية في إصدار الأحكام.

وحتى قبل إبريل 1937م- عام ارتباط مدينة عدن بوزارة المستعمرات وفك ارتباطها بحكومة الهند البريطانية- كانت الإدارة القضائية والمدنية والجنائية تنظّم بموجب قانون الهند رقم "2" لعام 1864م، وكانت معظم قوانين حكومة الهند التي تنطبق على الهند البريطانية يتم تطبيقها في عدن.

يرصد المؤلّف بعض الأحكام القضائية التي أصدرها قضاة ولاية عدن في فترة الأربعينات والخمسينات، ومنها فرض غرامات على المخالفين الذين ينِيرون دُورهم في الليل حتى يمكن رؤية النّور من ارتفاع 2000 قدم، أو من بُعد ميل من البحر أثناء الغارات الإيطالية على المدينة في ذروة الحرب العالمية الثانية.

وغرّمت بعض أصحاب الدكاكين 40 روبية، لأنّهم باعوا للناس الدقيق نمبر "3" والرز والسليط بأسعار زائدة على أسعار لجنة المراقبة، وحُكم على شخص بالسجن تسعة أشهر مع الأشغال الشاقة بتهمة حيازة سلاح (مسدس) بدون ترخيص.
 الحكم على متشرّد بالسجن لثلاثة أشهر لإدانته بسرقة فنجاني شاي من مقهى "زكو" في 20 سبتمبر 1940.

ومن أطرف الأحكام أن قاضياً في محكمة التواهي اسمه "مستر بل" حكم بالسجن والغرامة على سيدة صومالية كانت تلبس حذاء يصدر أنغاما موسيقية مع كل خطوة كانت تخطوها في ممر المحكمة الهادئ، فقد سمع القاضي، الذي كان يُطالع إحدى القضايا في مكتبة الهادئ، صوت موسيقى غير منظّم يخترق النافذة، وحينما استفسر عن الأمر قِيل له أن صوت الموسيقى ينبعث من حذاء سيدة، مسبباً كل هذا الإزعاج في المكان، فما كان منه سوى إصدار حكم مستعجل بسجنها يوما كاملا في المحكمة مع تغريمها 30 شلناً.. وقال لها بعد إصداره الحُكم: حين تريدي أن تأتي إلى محكمة "مستر بل" أتركي في بيتك هذه الفرقة الموسيقية التي ترتديها، وتعالي حافية.

 بعد القضاء، يرصد الكاتب البدايات الأولى لتأسيس بلدية عدن (1900-1967م)، فقبيل الإعلان عن اسم مستوطنة عدن، في مطلع القرن العشرين، كان المجلس البلدي تُدار أعماله برئاسة المُقيم السياسي المساعد ونائبه المسؤول عن كافة المسائل المتعلقة بأمور البلدية، ولجنته التنفيذية، وفي عام 1900 تم تغيير اسم المجلس البلدي إلى مستوطنة عدن، وكانت هذه الهيئة مسؤولة عن جميع شؤون الحكومة المحلية في كل أنحاء المستعمرة، ما عدا الشرطة والتعليم والخدمات الطبية، حيث يديرها مجلس يتم ترشيح جميع أعضائه من قِبل المُقيم السياسي.

في أبريل 1945م، حلّ الحاكم العام مستوطنة عدن، وأصدر قانون سلطات الضواحي، وأُنشئت محلّها سلطتان تنفيذيتان مستقلتان، هما: سلطة بلدة قلعة عدن، وتضم في صلاحياتها مناطق: كريتر، المعلا، التواهي، وخور مكسر. وسلطة ضواحي الشيخ عثمان كانت مسؤولة عن عدن الصغرى، البريقة، الحسوة، وبير أحمد، وفقم.

وفي أبريل 1953، عملت الحكومة على تغيير سلطة بلدة عدن وحلّت محلها بلدية عدن، التي كانت تُدار من خمس لجان تتصل بالمال والأشغال والأسواق والتخطيط والإسكان والمكتبات العامة (مكتبة ليك)، وكان من بين مهام بلدية عدن إجراء عمليات التلقيح (المشلة) وفحص المياه، وتنظيم الحدائق، وتنظيم زرائب الأبقار والعناية البيطرية بها، وتسجيل المواليد والوفيات، وكانت تتبع البلدية فرق متخصصة لمكافحة الفئران والحشرات، والإشراف على تنظيم الأسواق وتفتيشها بشكل يومي من قِبل طبيب صحّة البيئة.

البدايات الأولى لتأسيس التعليم في عدن حددها المؤلف بالعام 1858م، حين افتتحت أول مدرسة في منطقة "الرزمت" (الخليج الأمامي) في منطقة كريتر، وسُميت  بمدرسة الوحدات العسكرية، وكان من أولويات المدرسة السعي إلى نشر التعليم بين سكان المدينة، غير أن هذه المدرسة أُغلقت بعد عامين من افتتاحها (فبراير 1860م)، بعد أن عزف السكان عن إرسال أبنائهم، وفي عام 1866م قامت سلطة المدينة باستحداث مدرسة أخرى عُرفت بمدرسة الإقامة، واستوعبت أبناء عدن وأولاد الجنود الهنود، وكانت تُدار من قِبل مدرّس أوروبي بمعاونة مدرّس عربي وآخر باريسي.

ومن أقدم مدارس مدينة عدن  مدرسة الراعي الصالح في كريتر، وتحوّل اسمها فيما بعد إلى مدرية "القديس سانت جوزيف" للفتيات، أو مدرسة "البادري"، التي تأسست في العام 1850م، وصارت لاحقاً واحدة من أشهر المؤسسات التعليمية التي تخرّج منها الكثيرين من روّاد العمل في المدينة.

حينما ارتبطت مدينة عدن بوزارة المستعمرات، شهد التعليم نهضة غير مسبوقة، ولم تصل عدن إلى مطلع الخمسينات إلا وفيها قرابة عشرين مدرسة ومعهدا (حكومية وخاصة)، غير أن النّقلة الأهم ستكون في العام 1952 بافتتاح كلية عدن أبوابها في منطقة بين الشيخ عثمان ودار سعد، عُرفت ب'نمبر خمسة'.

بعد عام واحد من إنشاء المعهد الفني في المعلا على نفقة رجل الأعمال الفرنسي (انتوني بس)، بكلفة قُدرت بمائة ألف جنيه استرليني، كان المعهد يستقبل الطلاب الخريجين من المدارس المتوسطة بتقديرات مقبولة، حيث يتلقون -على مدى أربعة أعوام- تعليماً تقنياً في: النجارة وصنع الأثاث، ميكانيكا سيارات، هندسة كهرباء، وتمكّن الطلاب الذين أكملوا تدريباتهم في المعهد من الجلوس لامتحان المرحلة المتوسطة لشهادة "السيتي أند جيلد" لمعهد لندن.
 وكانت كلية عدن شأنها شأن المعهد الفني، حيث تقبل الملتحقين فيها من المدارس الحكومية والخاصة والمدعومة حكومياً، ويتحصل الطلاب -الذين أنهوا الدورات المقررة- على شهادة الثقافة العامة (ال جي سي إي) التابعة لجامعة لندن العريقة.

(يتبع)

مقالات

بلاد تلبسنا مثل جلد فنهرب منها إليها!! (1-2)

أي قارئ لتاريخ اليمن القريب - خلال المائة العام الماضية على وجه التحديد- لا بُد أن تستوقفه عديد أحداث تُحيل بمجملها إلى مصائر واحدة ربطت اليمنيين في شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها، ومنها أن الكثير، والكثير جداً، من الشخصيات - في أزمنة التقسيم السياسي المتعاقبة - حينما كانت تضيق بهم البقعة التي يقيمون عليها ينتقلون إلى بقعة مجاورة على الجغرافيا ذاتها من منطلق واحدية الأرض والإنسان.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.