مقالات
من التعميم الساذج إلى التمييز الناضج
"لا يمكن التفضيل بين فردتي حذاء يلبسهما نفس الشخص، كلهم سواء"، في السياق التفاعلي مع نتائج الانتخابات الأمريكية يتناقل البعض في مواقع التواصل هذا التعليق القديم لــ"كاسترو" عن سؤال التفضيل بين مرشحي الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الستينات، ولو طرحنا السؤال نفسه على أسامة بن لادن أو زعيم "داعش" لوجدنا الجواب نفسه "لا يمكن التفريق بين كافر وكافر.. والكفر ملة واحدة". والواقع أن تثبيت الوعي في مرحلة التعميم هو أسوأ نتائج الأيديولوجيات المصابة بعمى الألوان، والتي لا تستطيع أن تشاهد إلا لونين فقط، و ترتبط هذه الظاهرة بمعظم الأيديولوجيات المثالية ك: الراديكالية الشيوعية، والسلفية الجهادية، والثيوقراطية الشيعية، والنزعات القومية الفاشية.
ومرحلة التعميم هي أول مرحلة من مراحل التعلم وفقاً لنظريات "التعلم الشرطي" الكلاسيكي في علم النفس، وفي هذه المرحلة يتعلم الإنسان الاستجابة الموحدة لمثيرات متشابهة، وبعض الحيوانات لا تتعلم هذا النمط من التعميم إلا بعد تدريب شاق يأخذ فترات تتفاوت بحسب تفاوت نسبة ذكاء الحيوانات، ولكن القدرات العقلية الأكثر تعقيداً، والتي يتميز بها الإنسان هي القدرة على التمييز الناضج بعد التعميم الساذج.
وإذا كانت ثمة وظيفة معرفية أولية للتعميم بدون ريب، فإن هذه الوظيفة تتحول إلى شلل عقلي وتعتيم معرفي وتثبيت للوعي في ثلاجة التعميم، فيعطل هذا التثبيت القدرة على تطوير المعرفة أو اكتشاف المعرفة الجديدة، التي تتولد من اكتشاف الفروق الدقيقة بين المتشابهات، ومن العبارات الجميلة لابن تيمية في هذا السياق قوله: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"، ويؤكد كلام ابن تيمية هنا أهمية التعاطي الذكي مع الفروق الدقيقة بين الظواهر السلوكية والاجتماعية، وقد لفت أنظارنا القرآن الكريم كثيراً إلى درس التمييز "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة"، "وإن تطع فريقاً"، "منهم أمة مقتصدة"، ويرشدنا القرآن إلى التمييز بين من يتحايلون على حقوق العرب من منظور عنصري من أهل الكتاب، وبين من يتعاملون معهم بمنطق الحق والقانون.. "ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل"، ويعلمنا هذا الدرس الواقعية في التعاطي مع الآخر واستراتيجيات التعامل مع الخصومات، والعقلانية في التحليل والقدرة على المواجهة الحكيمة دون الوقوع في فخ عمى الألوان أو ثنائيات التصنيفات العقيمة أوثنائيات الخيارات البائسة، كالتخيير بين الاستسلام في الركوع، أو الجنون في الرفض والجنوح بعيداً من منطق السنن الكونية والشروط العقلانية.
وأخيراً، لا يعني ما سبق عدم تفهم المبررات النضالية لبعض التعميمات في سياق التحشيد للمواجهة في المراحل الحرجة، وفي المراحل الثورية وعند الخوف من تمييع التمييز للمواقف الصلبة، ولكن الموقف المعرفي لا يجب أن يساير الاندفاعة الثورية ولا الواقعية السياسية، وأظن أن الوظيفة المثلى للمعرفة تتمحور في عقلنة الثورة وتثوير السياسة.