مقالات

هل تنتصر حرب الإبادة في غزة؟

28/02/2024, 08:15:01

شنُت إسرائيل، بعد الـ7 من أكتوبر، حرباً هي بحق جرائم حرب وضد الإنسانية، وصولاً إلى حرب إبادة.  

ما يجرى في غزة من تقتيل وتدمير وإبادة كل شيء، والقضاء على معالم الحياة وكل مظاهر التمدّن والتحضر، وتقتيل وإصابة ما يزيد عن مئة ألف، والإصرار على الاستمرار في الإبادة حتى النهاية، هو النهج الإسرائيلي. فهل يُعتبر ذلك انتصارًا أو تحقيقًا للأهداف المعلنة أو الخبيئة؟

أعلنت حكومة نتن ياهو ثلاثة أهداف للحرب: القضاء على حماس، واستعادة الأسرى بالحرب، ومنع تهديد إسرائيل مستقبلاً. وواضح أنه، بعد حرب أربعة أشهر، لم يتحقق أي هدف من هذه الأهداف المعلنة، أما الغايات والأهداف الحقيقية وراء كل حروب إسرائيل منذ 1948 فهي طرد الشعب الفلسطيني من كل فلسطين، وإقامة الدولة اليهودية من البحر إلى النهر؛ وهي الأهداف الأساسية والمؤصلة منذ مؤتمر بازل، وجذوره في العهد القديم، وفي وعد بلفور. 

يجري حاليًا التفاوض حول هدنة مؤقتة، وتبادل محدود للأسرى الإسرائيليين والمعتقلين الفلسطينيين، والسماح بدخول المواد الغذائية والوقود، فهل يعني ذلك "انتصارًا" لإسرائيل؟ ارتكبت إسرائيل جرائم حرب قلَّ نظيرها في التاريخ المعاصر؛ فقد تمكنت قوتها العسكرية الجبارة بمشاركة وإسناد القوتين الكونيتين: الأمريكية، والأوروبية، من تدمير مدن وقرى وأحياء غزة، وتجريف تربتها ومزارعها وبنيتها التحتية، ولكنها لم تحقق أيَّا من الأهداف الثلاثة المعلنة، ولم تنجز الهدف الأساس؛ وهو إجبار الفلسطيني المعزول والمحروب والمجوع والمحاصر على ترك تراب وطنه، ومسكنه المهدم.

الأخطر أن هذا الانتصار البشع وغير المسبوق قد أظهر الطبيعة النازية لمن يدعون كذبًا أنهم أحفاد ضحايا الهولوكوست، بينما هم يصنعون هولوكوست كل يوم في غزة، كما فضحت حرب الإبادة في غزة ديمقراطية أمريكا وأوروبا الاستعمارية ذوات الطبيعة العنصرية المعادية لحرية الأمم والشعوب في السيادة والاستقلال في العالم.

بغض النظر عن التفاؤل والتشاؤم في التفاوض حول التهدئة المؤقتة، التي كانت إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وبعض البلدان الأوروبية ترفض حتى مجرد الحديث عنها في البدء، ويحرصون على استمرار الحرب، وهو ما يعني انتصارًا معينًا لحماس؛ لأن فيه إجبارًا لهذه القوى الاستعمارية على القبول بالتفاوض والهدنة المؤقتة، أما تبادل الأسرى بالمعتقلين الفلسطينيين فإن من المؤكد أن استعادة الأسرى بالحرب، وبالحرب وحدها قد فشل للمرة الثانية، ثم إن استعادة الأسرى لم يكن إلا مبررًا لشن حرب الإبادة الذي يعني فيما يعني إبادة الفلسطينيين، والتضحية بالأسرى، أما السماح بدخول المواد الغذائية والوقود والماء فهو شاهد اقتراف إسرائيل حرب الإبادة، وتواطؤ أو قبول القوى المشاركة والداعمة لهذا النهج. 

ما أجبر نتن ياهو وفريقه الحربي على الركوع هو بسالة المقاومة الفلسطينية، وصمود وصبر الفلسطيني الذي يفوق التصور، وتصاعد الاحتجاجات داخل فلسطين 48، ومدن العالم الكبرى، ومطالبة الإسرائيليين المحتجين ليس بعودة الأسرى فحسب، وإنما أيضًا بتبادل الأسرى الكل مقابل الكل، وإقالة حكومة نتن ياهو، والذهاب للانتخابات. 

همود الموقف العربي يصل حد التواطؤ والصمت المميت حول جرائم حرب الإبادة، وتقتيل شعب فلسطين في غزة بكل أسلحة العصر الأكثر حداثة وتطورًا وتدميرًا، وبالتجويع حتى التمويت، ومنع كل وسائل الحياة، وفي المقابل غياب الفعل العربي، وعدم نجدة إخوانهم، أو تقديم احتجاجات ذات قيمة، ويستمر التواصل بطرق عديدة مع إسرائيل.  

تكون حرب الإبادة ودفن القضية الفلسطينية تتويجًا لتدمير المنطقة: العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، واليمن، والسودان. فالقضية الفلسطينية هي العائق أمام زفة عرس الهيمنة الإسرائيلية على الأمة كلها، وتحويل المطبعين إلى عرب إسرائيل. 

يجري التفاوض أو التفاهم في باريس والقاهرة والدوحة مع تصاعد القصف المدمر والمبيد، ويحصر مليون ونصف في البقعة الضيقة رفح، ويحتشد جيش إسرائيل المدجج بأحدث أسلحة العصر، مهددًا بتدمير رفح، وتقتيل وتشريد مليون ونصف فلسطيني.

يتخذ التفاوض شكل الإرغام والابتزاز. فإسرائيل تضغط بتصعيد حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير، وفي الوقت نفسه تضغط أمريكا على أصدقائها العرب، الطرف الأضعف للضغط على حركة المقاومة للتنازل في إثر التنازل في كل جولة من جولات التفاوض. 

يفاوض الجانب الإسرائيلي بعقلية شيلوك، وطغيان وتجبر القوة الأكثر توحشًا ونازية، ويريد نتن ياهو وفريقه الحصول بالضغط الأمريكي، وبالابتزاز والتهديد باجتياح رفح، وتقتيل وتمويت مليون ونصف، من إجبار المفاوضين على القبول بإملاءاته. 

في الواقع أن الغطرسة والتجبر الإسرائيلي لا يدل على القوة، فالقوة قد صنعت كوارث كبرى، ولكنها لم تحقق ما تريده إسرائيل؛ فالشعب المقاوم متمسك بأرضه وبقضيته. يطالب نتن ياهو وأركان حربه وحكومته بإطلاق الأسرى الذين يقتلهم مع الفلسطينيين بالقصف والتجويع والحرمان من الماء. وحقيقة الأمر، فإن مطالب إسرائيل استمرار الحرب، وتهجير الفلسطينيين؛ وهي السردية الاساس. 

أمريكا منحازة بالمطلق للحرب، وتتفهم المطالب الإسرائيلية، أما مصر وقطر فهما الطرفان العربيان في التفاوض، وهما عرضتان للابتزاز والتهديد والضغط. باختصار شديد مطلب إسرائيل الاستمرار في حرب الإبادة، والتطهير العرقي بإجبار الفلسطينيين في الضفة والقطاع على مغادرة وطنهم المدمر، والاعتراف بالدولة اليهودية من البحر إلى النهر، وهي المخاطر التي حذرت منها رسالة المفكرين العرب الموجهة لأبي مازن في مايو/ أيار 2014. 

أما الآن فقد بلغت هذه المخاطر حدودًا غير مسبوقة. فالسلطة الفلسطينية لم تعد مقبولة حتى كأداة تنسيق أمني، والموقف العربي بلغ حد الهوان والتواطؤ، والتشارك الأمريكي والأوروبي متورط بالانخراط في حرب لا سابقة لها في حروب المنطقة، ولكن ثبات الفلسطيني في أرضه كفيل بإفشال مخططات الصهيونية وأمريكا وتابعتها بريطانيا.

مقالات

الراتب المؤجل ورسالة الوداع

ودّع الشهيد موسى المخلافي اليمن بمنشور على صفحته في «فيسبوك»، متسائلًا عن الراتب الذي تأخر طويلًا، فيما يواصل هو ومئات من زملائه أداء واجبهم في الدفاع عن مدينة تعز، مثقلين بأعباء المعيشة، وتحت وطأة الحاجة التي تُرهق أسرهم وتحرمهم أبسط مقومات الحياة.

مقالات

هلال رمضان وخرائط الانقسام بين المسلمين

يعود الهلال مع رمضان كل عام، لكن عودته اليوم تكشف وجهًا آخر غير ذلك الذي اعتاده المسلمون في أوروبا؛ إذ يتحول ظهوره إلى لحظة جدل تتجدد معها خرائط الانقسام بين من يصوم الأربعاء والخميس، وبين المشرق والمغرب.

مقالات

فبراير ليست يوما في التاريخ بل بوصلة للمستقبل

اليوم وبعد 15 سنة من عمر ثورة فبراير السلمية، وأكثر من 10 سنين من عمر الانقلاب الميليشاوي والحرب والوصاية على اليمن، فإننا نستحضر هذه الثورة العظيمة بوصفها معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا، وخارطة طريق لوقف الانقلاب والحرب وبناء سلام مستدام في اليمن.

مقالات

فبراير فتح بابًا للحوار لن تغلقه حماقات القوة

11 فبراير صنع لنفسه مكانًا متميزًا في تاريخ اليمن الحديث، شاء من شاء وأبى من أبى. تعرّض لتحديات كبيرة كغيره من الأحداث والثورات السياسية والاجتماعية التي شهدها اليمن، ولم يكن بذلك استثناءً كي يتعرض لكل هذا النقد والتشهير بسبب ما عاشه اليمن بعد ذلك من إخفاقات ومحاولة تحميله مسؤوليتها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.