مقالات

هل يراد استدراج باكستان إلى صراع البحر الأحمر؟

23/07/2026, 17:35:56

يبدو أن التصعيد الحوثي الأخير ضد السعودية، والمتمثل في استهداف السفن المتجهة إلى موانئها أو المغادرة منها عبر البحر الأحمر، يؤكد مرة أخرى ما ذهبنا إليه في كثير من التحليلات السابقة: أن الحوثيين لم يعودوا مجرد حركة تمرد محلية، بل تحولوا، بفعل السياسات السعودية المرتبكة في اليمن، إلى قوة باتت قابلة للتوظيف من قبل أطراف متعددة في صراعات إقليمية ودولية تتجاوز حدود اليمن بكثير.

ولعل أول مؤشر على اتساع دائرة هذا التصعيد هو الاتصال الذي أجراه اليوم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، معلنًا تضامن بلاده الكامل مع المملكة، ومؤكدًا الوقوف إلى جانبها في مواجهة الهجمات الحوثية على ناقلات النفط في البحر الأحمر. فحين يعلن رئيس حكومة دولة بحجم باكستان، وباسم قيادتها العسكرية وشعبها، الوقوف الكامل إلى جانب المملكة، فإن ذلك يعكس أن التصعيد تجاوز كونه أزمة بين السعودية والحوثيين، وأصبح مرشحًا لإعادة رسم توازنات إقليمية أوسع قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من البحر الأحمر نفسه.

ولهذا، لا أعتقد أن أخطر ما تفعله الميليشيات في المنطقة يقتصر على إطلاق الصواريخ أو مهاجمة السفن أو تهديد الممرات البحرية، بل في قدرتها على توسيع دوائر الصراع، وجر قوى إقليمية جديدة إلى ساحات استنزاف طويلة، تتحول فيها الأزمات المحلية تدريجيًا إلى صراعات إقليمية مفتوحة.

ولهذا أيضًا، كنت وما زلت أرى أن الميليشيات التي تغض القوى الدولية الطرف عن تمددها، سواء كانت مرتبطة بإيران أو غيرها من التشكيلات المسلحة التي نشأت في ساحات الفوضى العربية، أصبحت جزءًا من بيئة إقليمية لا تنتج الاستقرار، بل تعيد إنتاج الفوضى بصورة مستمرة، حتى وإن اختلفت الجهات التي تستفيد من نتائجها.

ومن هنا، يلفت الانتباه مستوى التنسيق السياسي والعسكري الذي أخذ يتصاعد بين الرياض وإسلام آباد عقب الهجمات الأخيرة. فباكستان، الحليف الاستراتيجي التاريخي للمملكة، ليست دولة يمكن الزج بها في أي معادلة إقليمية دون حساب؛ إنها قوة نووية، وتملك واحدًا من أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، فضلًا عن ثقلها الجيوسياسي الذي يجعلها لاعبًا يصعب تجاهله في جنوب آسيا والخليج والشرق الأوسط.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستبعدًا أن يكون أحد أخطر مآلات التصعيد الحالي هو دفع باكستان، بصورة مباشرة أو تدريجية، إلى الانخراط في صراع إقليمي جديد يتجاوز حدود الدعم السياسي التقليدي. 

وليس لأن باكستان تبحث عن حرب، بل لأن تصاعد التهديدات قد يفرض عليها أدوارًا أكبر بحكم تحالفاتها ومصالحها الاستراتيجية.

وإذا حدث ذلك، فإن المستفيدين المحتملين لن يكونوا طرفًا واحدًا. فالهند تنظر إلى باكستان باعتبارها منافسها الاستراتيجي الأول، وإسرائيل تراقب بعناية أي تحولات في موازين القوى الإقليمية، أما إيران، فعلى الرغم من محاولاتها الحفاظ على قنوات تواصل مع إسلام آباد، فإنها لا تنظر إلى باكستان باعتبارها قوة منسجمة معها، لا في حساباتها الجيوسياسية ولا في رؤيتها الأيديولوجية، بل كدولة تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها لاعبًا مؤثرًا ومنافسًا لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة.

ولهذا، فإن استنزاف باكستان في صراع إقليمي طويل قد يتقاطع مع مصالح قوى متعددة، حتى وإن اختلفت دوافع كل منها. فليس من الضروري أن تتفق هذه القوى على مشروع واحد، حتى تجد نفسها مستفيدة من النتيجة نفسها. فكثيرًا ما شهدت المنطقة التقاء في المصالح بين أطراف عديدة متنافسة، لأن الجائزة النهائية كانت واحدة: إنهاك قوة إقليمية، أو منعها من التفرغ لبناء نفوذها.

غير أن المشهد لا يكتمل إذا اقتصرنا على قراءة حسابات القوى الإقليمية وحدها.

فالولايات المتحدة، وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول مفهوم "الفوضى الخلاقة" وحدود تطبيقه، فإن ما جرى ويجري في المنطقة خلال العقود الأخيرة لا يمنع من طرح تساؤلات مشروعة حول من المستفيد الحقيقي من بقاء الشرق الأوسط في حالة سيولة دائمة، تتوسع فيها بؤر التوتر، وتتعدد فيها الميليشيات، وتنتقل فيها الأزمات من دولة إلى أخرى، بحيث لا تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، ولا يُغلق ملف حتى يُفتح غيره.

ولعل ذلك هو أخطر ما في المشهد كله. فحين يعجز العرب عن ملء فراغهم الاستراتيجي بأنفسهم، فإن هذا الفراغ لا يبقى فارغًا. إنه يتحول إلى مساحة تتزاحم فيها المشاريع الإقليمية والدولية، وتتقاطع فيها المصالح، حتى بين خصوم متنافرين لا يجمعهم مشروع واحد، بقدر ما يجمعهم استثمار الفراغ الذي تركه غياب المشروع العربي الجامع.

وعندها، لا تعود الميليشيات مجرد أدوات قتال، بل تصبح مفاتيح لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، واستنزاف الدول، وإطالة عمر الفوضى في منطقة دفعت، وما تزال تدفع، أثمانًا باهظة لعجزها عن حماية فضائها العربي المشترك.

مقالات

دروع بشرية ورهان مكشوف: المقامرة الحوثية بمصير اليمنيين

ردّ ترامب على تهديد مليشيا الحوثي بإغلاق البحر الأحمر باستدعاء "45 يومًا من العمل القوي"، فيما غيّرت ناقلتا نفط مسارهما بعد مغادرة ينبع. المقال يعيد الواقعتين إلى حجمهما الحقيقي: فالتصريح يرسم حدود الالتزام الأميركي، واستدارة الناقلات إجراء امتثال تأميني تلقائي لا يصلح دليلًا على قدرة حوثية. وخلف ذلك تقف مليشيا تراهن على حساسية أسواق الشحن، وترعاها طهران بخطاب يستعير السيادة اليمنية ويوظف الجبهة اليمنية لتخفيف الضغط عنها، بينما يتحمل المدنيون الذين حوّلتهم المليشيا دروعًا بشرية كلفة هذا الرهان سلفًا.

مقالات

هدية عسكرية ثمينة للسعودية والشرعية

بيان الحوثة بشأن الحصار البحري المزعوم على السعودية كشف اهتزازاً في موقفهم، بدليل الحشو المنفلت من الألفاظ النابية، بما لا يتفق مع المشوار الطويل الذي قطعوه في المباحثات الثنائية مع المملكة خلال السنوات الماضية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.