مقالات

وحشية "كيان الغرب المقدس!"

18/10/2023, 06:33:36

في الشاشة كان المشهد مروعاً بعد قصف طيران الكيان المحتل مستشفى المعمدانية في غزة. تتحدث الإحصاءات الأولية عن 500 ضحية في جريمة تمثل ذروة سلسلة متواصلة من حرب الإبادة ضد فلسطينيي قطاع غزة.

مشهد يومي لم ينقطع. أحياء تحترق، وأجساد دفعات جديدة من الفلسطينيين وقد مزقتها الغارات، ودفنتها تحت الأنقاض، فيما فِرق الإسعاف تحاول أن تسعف الجرحى وتنتشل الجثث، في لهاث يومي يعوقه قلة الإمكانيات والمعدات الثقيلة، وخطر قصف الغارات الذي يطال المسعفين وفِرق الدفاع المدني، وكذلك المستشفيات.

كان المراسل يتحدث عن حيوات بشرية قصفت أعمارها، وتحولت إلى أرقام في عداد القتل اليومي لغارات تقصف بلا هوادة مدن غزة المكتظة بالسكان، والمحاصرة من كل مقومات الحياة، وقد قطع عنها الكهرباء والماء والغذاء والدواء. كان الرقم اليوم ألفي شهيد فلسطيني، وأضيف إليه 500 فلسطيني دفعة واحدة بعد قصف مستشفى المعمدانية. وبجانبهم آلاف الجرحى، ومئات الآلاف نزحوا من بيوتهم إلى مدارس الأونروا، وغيرها مما تبقى لهم من ملاذات داخل مدينتهم، التي تحترق بقصف طيران الكيان المحتل.

وأما الجرحى فيتم ملاحقتهم في وحشية تفوق الخيال، حيث يتعمد الكيان المحتل ملاحقة من ينجو من بين أنقاض المنازل والأبراج المدمرة، ويتبعهم بقذائف طائراته إلى المستشفيات.  

في شريط الأخبار أسفل الشاشة تكتمل اللوحة الغرائبية أمام أعيننا، ونحن نقرأ تصريحات لنتنياهو، يقول فيها:
"هذه ليست معركة إسرائيل فقط بل معركة الحضارة ضد الوحشية". هكذا، ودون أن يرف له جفن، يطلق على حربه الإجرامية ضد فلسطينيي غزة وسكانها وكل شيء فيها، بأنها حرب "الحضارة" ضد "الوحشية".
يضيف نتنياهو محرضاً الغرب، الغرب الذي يحرض العالم، ولا يحتاج إلى من يحرضه ضد الفلسطينيين؛ قائلا:
"إذا لم تتوقف الوحشية الفلسطينية هنا في المنطقة فستصل إلى أوروبا".
لا يقصف الكيان اليهودي المحتل أعمار الفلسطينيين ومدنهم، ولكنه أيضاً يقصف اللغة، ويقلب معاني الكلمات إلى نقائضها؛ فالوحشية التي يمارسها ضد الفلسطينيين تنقلب هنا إلى "حضارة!".

وأما الشعب الفلسطيني، الذي عجزت 75 عاماً من حروب الاستئصال والإبادة عن إخضاعه وكسره، فهو في نظر نتنياهو يمثل "الوحشية"، وكأن هذه الإرادة، التي لا تنكسر، قد أنهكت دولة الكيان الصهيوني المحتل، وأعيت أياديها الملطخة بدم الفلسطين، وذاكرتها المعبأة بسجل طويل من المجازر والحروب ضد شعب عصي على الكسر.

المجرم الذي يتقنَّع بالدِّين يصل بالإجرام إلى مستوى "العبادة"
وإما إذا كان المجرم كيانا كهنوتيا إستيطانيا يهوديا، أسس وجوده ضدا على شعب آخر هو صاحب الأرض، فهنا تتكامل السردية اليهودية مع آلة الإجرام، لتحوِّل حياة أصحاب الأرض إلى جحيم يومي من المجازر والحصار والإبادة بكل معانيها، المادية والمعنوية.

في كتابه "نقيض المسيح"، يصف نيتشة اليهود قائلاً:
"اليهود أغرب شعب عرفه التاريخ؛ لأنهم عندما وجدوا أنفسهم يواجهون مسألة الوجود وعدم الوجود، فضلوا بوعي مفزع أن ينحازوا إلى تبجيل الوجود بكل ثمن: وكان ثمن ذلك هو تزوير جذري لكل طبيعة، ولكل طبيعي، ولكل واقعية العالم الداخلي والخارجي على حد سواء. انسحبوا من مجمل الشروط، التي كان يعيش ضمنها كل شعب من الحق في العيش، وابتدعوا من أنفسهم نقيضاً لكل شرط طبيعي".

ويضيف قائلاً:
"ولقد مارسوا على كل من الدين والعبادة والأخلاق والتاريخ والبيسيكولوجيا عمل قلب ليحولوها نهائياً ودون رجعة إلى نقائض لقيمها الطبيعية".
وينتقل إلى المسيحية قائلاً:
"نلتقي اليوم أيضاً بنفس الظاهرة مرة أخرى، وبحجم مفخم إلى أبعد الحدود، لكنه مجرد نسخة عن ذلك الأصل، مع ذلك: فالكنيسة المسيحية، مقارنةً بالشعب المقدس، تفتقر إلى كل طموح إلى الأصالة. إن هذا بالذات هو ما يجعل اليهود الشعب الأكثر شؤماً في تاريخ البشرية: لقد مارسوا في تأثيراتهم اللاحقة من التزييف على الإنسانية، ما يجعل المسيحي اليوم أيضا يشعر بنفسه معاديا لليهودية دون أن يكون قادراً على أن يفهم أنه النتيجة النهائية لليهودية".

من قلبوا معاني الدين والأخلاق والعبادة إلى نقائضها من السهل عليهم، وقد غدوا كيانا استيطانيا مدججا بالسلاح وحماية الغرب، أن يقلبوا الكلمات، ويستبدلوا معانيها بأضدادها، فجرائمهم الوحشية يسمونها "حضارة"، ووجود الفلسطينيين بحد ذاته أمام آلتهم الإجرامية يطلقون عليه "وحشية!".

مقالات

مسمار آخر في نعش الانتقالي

كنت مأخوذا بسلوك "فهمي" العالي، وأخلاقه النبيلة، البارحة اختطفته قوات تابعة للمجلس الانتقالي في عدن، فاستعدت شريطا من الذكريات.

مقالات

دكان الطُّلِّيس (2)

مثلما كان الناس في السابق يتحدثون بانبهار عن دكان الطُّلِّيس صاروا يتحدثون بالانبهار نفسه، ولكن هذه المرة عن موزة زوجة الطُّلِّيس، وكانوا يقولون:

مقالات

متى سيكون للجياع كلمة؟

كان في لعبة شعبية في اليمن نمارسها جميعاً بواسطة كُرة أياً كان نوعها أو لونها، والجميع يشترك في هذه اللعبة حتى لو كان كل أطفال، ورجال القرية، وفي أي مكان، سواءً كان ملعباً أو أرضاً غير مزروعة، وخاصة في مواسم الشتاء، كما هو حال اليمن اليوم من التصحر والجفاف الوطني.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.