مقالات

الحوثي والسلطة المستوهمة

12/05/2026, 12:02:35

مع مطلع العام 2015، انهار المركز في اليمن، وفرضت الحرب واقعاً جديداً. هذا الواقع، لو حدث في النصف الأول من القرن الماضي، أو حتى في بدايات النصف الثاني منه، لغدا أقلَّ التباساً مما هو عليه اليوم، ولآلَ ــ كما جرت عليه مجريات القرون الماضية ــ إلى إعادة تشكيل الفضاء السياسي عبر ظهور تكوينات سلطوية جديدة تملأ الفراغ السيادي (souverain) وتعيد إنتاج السيادة التبعية (suzeraineté).

أصبحنا اليوم أمام ما يمكن وصفه بـ«كانتونات» سلطوية متشظية؛ سواء في بنيتها الاقتصادية، أو في فوارق القدرة الشرائية، أو قيمة العملة، أو درجة الالتزام بسيادة القانون، أو الحفاظ على الهرمية الإدارية لجهاز الدولة والسلطات المحلية.

وكل ذلك يجري تحت جلبابٍ اسميٍّ هشٍّ للحكومة اليمنية من ناحية، وفي مقابل سلطة أمر واقع شديدة المركزية، بلا اعتراف، تقوم على بنية أمنية ــ قمعية عاجزة عن الدَّوْلَة (étatisation).

السؤال الذي يتولد هنا هو: لماذا لم تنشأ دول جديدة، أو تُستعَد دول قديمة؟ لماذا لم تتولد لا دولة الجنوب، ولا الجمهورية العربية اليمنية؟

في الحقيقة، ثمة مانع قانوني ــ سياسي دولي جديد نشأ وترسخ، خصوصاً منذ منتصف القرن الماضي، يجعل من خلق دولة جديدة مسألة بالغة التعقيد، لكنه في الوقت نفسه يتيح استمرار حالة «الرجل المريض» دون منحه رصاصة الرحمة أو إكسير الحياة.

في هذا الواقع اليمني تبدو الحالة الحوثية عصيّة على الحل خارج أدوات إنتاجها؛ فهذه مشكلة فرضت، منذ لحظة تشكلها، أدواتِ حلٍّ من جنس أدوات حدوثها.

ويبقى لنا هامش النظر في الواقع المقابل. فالكتل السلطوية التي ترسخ وتوسّع قدراتها في الاستحواذ على الموارد المادية والمعنوية للدولة تدرك أنها لا تستطيع الذهاب إلى إعلان استقلال ناجز.

وليس ذلك من باب المجاز أو مخاتلة حقيقة التحلل واهتراء السلطة داخل الحكومة اليمنية، بل هو واقع جسدته النزعة الانفصالية المتمثلة بالمجلس الانتقالي ــ بكل جبروتها الأمني والعسكري، ورصيدها المعنوي والسياسي الذي استثمرت فيه باسم «دولة الجنوب» الشريكة في وحدة مخذولة.

وهي تدرك جيداً حدود قدرتها، ولذلك كانت تكبح شهوة الانفصال العاجل عبر الالتفاف نحو تعظيم فرص الاستحواذ على السلطة من داخل الحكومة، بما قاد ــ تبعاً لذلك ــ إلى الانغماس في فساد مالي وإداري بشع.

لذا نسأل: كيف يمكن لنشوء وحدات تنازع السلطة، وتعترف بها اسمياً، لكنها تتصرف على نحو إقطاعي، أن يسهم ــ في الوقت نفسه ــ في الحفاظ على الكيان الدولتي لليمن؟

لا يكفي الركون إلى تعقيدات نشوء دولة جديدة في ظرفية إقليمية ودولية معقدة، أو استعادة دولة قديمة؛ لأن البديل هو دخول «الرجل المريض» (اليمن) في حالة فقدان لوظائف حيوية عالية الكلفة. فتكلفة الإبقاء على قيد الحياة قد تزيد ــ أو توازي في أحسن الأحوال ــ تكلفة التعافي.

هل نستطيع جمع السلطات الجهوية لتشكيل حاصل سلطة مركزية؟ وبعبارة مستشاري المقاربات الأممية: كيف يمكن بناء الأمن الوطني من خلال تكتيل الأمن المحلي؟

لاحظوا أن المقاربات الحالية المتدخلة في الشأن اليمني تتجاهل مسألة بناء الدولة، وتركز على ملفات جزئية؛ مثل بناء القدرات الاقتصادية وبناء القدرات الأمنية. وهذا التجاهل طبيعي، لأنه ليس من شأن هذه المقاربات بناء دولة، بل هي تأتي للتدخل والحد من تفشي تبعات الانهيار.

إن مسألة بناء الدولة تتطلب وعياً وطنياً نابعاً من إحساس بالمسؤولية الجمعية، ومتصالحاً مع عنصرين أساسيين في العمل السياسي: التاريخ والجغرافيا.

سؤال المقاربات الخارجية المتدخلة سؤال عملي، وقادر على امتصاص الموارد والطاقة والوقت، لكنه يتهرب من حقيقة أصيلة في فكر بناء الدولة الوطنية في العالم؛ فالدولة تقوم عبر سلسلة من الإجراءات الممتدة زمنياً، والمصحوبة بتوظيف مزدوج للقوة والتراضي: احتكار الموارد، مركزية القرار، مأسسة الفضاء العام، التشعب المؤسسي، توزيع العمل، بناء العاصمة، وتكوين فضاء رمزي للسلطة…

وهذه العملية تنتج، في النهاية، هوية وطنية. إلا أننا نعيش اليوم لحظة افتكاك من الهوية الوطنية؛ أي إن المناخ الثقافي يسير بعكس اتجاه متطلبات بناء الدولة الوطنية.

بذريعة، ومن أجل، وتحت إكراهات الحرب ــ التي يقدّمها الحوثي على أنها خارجية، وفي كل مرة يعمل على تغيير اسم العدو وطبيعته، واختيار الأكبر فالأكبر ــ يخلق الحوثي مؤسسات سلطة مستوحَمة (indigestible)، أو عسيرة الهضم، في أي عملية سلام تعيد بناء الجمهورية اليمنية وتعيد لمّ شمل هذه البلاد.

فهو يعيد هندسة ما لديه من سلطة من خلال استحداث مؤسسات مغتربة (شعورياً وتنظيمياً) عن جذرها الجمهوري، ولا يمكن تحليلها وهضمها مؤسسياً إلا بتفكيكها، لعدم صلاحيتها للاستهلاك المؤسسي (incombustible)، وغياب التوافق الجيني الإداري (irreconcilable).

الحرب الدائمة، الحقيقية أو المستوهَمة، التي تعيشها الحركة الحوثية تمنعها من إدراك مخاطر التضخم المؤسسي ورغبويته المنشئة، ولا ترى حجم العبء الذي تضعه على نفسها اقتصادياً وسياسياً فيما لو استتب لها الحال. كلفة هذا الجهاز أكبر من القدرة الموضوعية لتوليد موارد الدولة على المدى القصير والمتوسط، ومن دون مساعدة خارجية.

وربما هذه النقطة تجعلنا نفهم طلب الجماعة الحوثية مبالغ كبيرة مقابل التعويض وإعادة الإعمار. بل إنها، في هذه اللحظة، تمد جهازها بالحياة من خلال سياسة الفدية مقابل ضبط استخدام قدراتها القتالية خارج الحدود.

لأنها إلى الآن تعيش خارج وظيفة الدولة ــ بالمعنى الحديث، حيث الرعاية مقابل الحصول على القبول والشرعية ــ إنما تمارس الدولة دور السلطانية؛ حيث تتمثل مهمة الحاكم في الحفاظ على نظامه وجمع الإتاوات، بينما يدير المجتمع نفسه بنفسه ويواجه مخاطره، وإذا حظي المجتمع بحاكم قنوع كفَّ الناسَ عن شرّه وشرّ حاشيته في استقطاع أموالهم وتجارتهم، وإلا فهو بلاء قدري.

البناء الهيكلي «لدويلة» الحوثي بناءٌ مستحدث، فريد، فاقد للصلاحية في غير حالة الحرب (مراكز قرار متعددة، وطبقات عديدة من أجهزة التنفيذ، وتداخل سلطات، مع حكم فرداني مضبوط بهيمنة العائلة وصعدة).

لذا فإن بقاءه يعتمد على استمرارية صناعة الحرب. وليس أي حرب، إنما حرب خارجية.

- نقلا عن صفحة الكاتب في الفيس بوك

مقالات

قناة بلقيس وثمن الغياب

صوت اعتاده اليمنيون، أو نافذة صغيرة كانوا يطلون منها على اليمن، دون صراخ كثير، ومع توقف بث قناة بلقيس، شعرنا بأن صوتاً مألوفاً قد غادر المكان فجأة.

مقالات

في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. أوجاع الكلمة في اليمن

نستعيد في اليوم العالمي لحرية الصحافة حال الصحافة في اليمن كما نراه ونعيشه. فالصحفي في بلادنا يبحث اليوم عن مساحة للكتابة، وأمان في العمل، وراتب يكفي بيته، ومكان يعود إليه، وحق في أن يكتب ويسأل دون خوف من مليشيا تحكم بقوة السلاح، أو سلطة أمر واقع ترى في الصحافة خصمًا، أو جهاز أمني يطارد الكلمة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.