مقالات

السعودية بين هاجس النفوذ وهاجس الأمن في اليمن

17/07/2026, 17:25:47

تبدو السعودية اليوم أمام واحدة من أكثر المعضلات الاستراتيجية تعقيدًا في تاريخ علاقتها باليمن؛ معضلة لم تنشأ بفعل صعود الحوثيين وحده، بل بفعل التناقض المتزايد بين هدفين سعت الرياض إلى تحقيقهما على مدى عقود: الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في اليمن، وضمان أمنها الوطني في مواجهة أي تهديد قادم من الجنوب.

ولسنوات طويلة، بدت الرياض أكثر اطمئنانًا إلى يمنٍ تقوم فيه موازين القوى على التشظي والتوازنات، من اطمئنانها إلى يمنٍ تفرزه انتخابات حرة قد تنتج سلطة وطنية مستقلة لا يمكن التنبؤ باتجاهاتها. ولذلك، لم يكن صعود أي قوة يمنية قادرة على احتكار القرار السياسي والعسكري يحظى بالقبول ما لم تكن تلك القوة منسجمة مع الرؤية السعودية ومصالحها في اليمن.

ربما كانت هذه المقاربة، من وجهة نظر صانع القرار السعودي، تحقق قدرًا من النفوذ وتمنع تشكل قوة يمنية مستقلة يصعب التأثير في قرارها. غير أن البيئة الاستراتيجية لم تعد كما كانت، بينما بقيت أدوات التعامل معها أسيرة معادلات الماضي.

وهنا تكمن المفارقة.

فالسياسة التي هدفت إلى منع ظهور مركز قوة يمني مستقل، أفضت – بفعل تراكم الأخطاء والحسابات غير الدقيقة – إلى نشوء قوة مسلحة أكثر خطورة، لا تدين بالولاء للدولة اليمنية، ولا تنسجم مع المصالح العربية، بل ترتبط بمشروع إقليمي عابر للحدود يتجاوز اليمن نفسه.

وبذلك، لم تعد السعودية تواجه مجرد أزمة نفوذ داخل اليمن، بل أصبحت تواجه تهديدًا أمنيًا مباشرًا تمثله جماعة تمتلك قدرات عسكرية متنامية، وعقيدة أيديولوجية مرتبطة بالمشروع الإيراني، وهو مشروع لا يقوم على التعايش مع المشاريع الإقليمية الأخرى، وإنما يسعى إلى توسيع نفوذه وإخضاعها أو تقويضها كلما سنحت له الفرصة.

ومن هنا تبدو السعودية، للمرة الأولى ربما، أسيرة التناقض بين سياستها التقليدية في إدارة الملف اليمني، وبين حاجتها الملحة إلى إنهاء الخطر الحوثي. فالأدوات التي كانت تُستخدم لتعزيز النفوذ، لم تعد قادرة على إنتاج الأمن، بل إن بعضها أصبح يسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إطالة عمر التهديد نفسه.

إن القضاء على الخطر الحوثي لا يبدو ممكنًا من خلال إدارة التوازنات المحلية وحدها، ولا عبر إعادة إنتاج حالة التشظي التي عاشها اليمن طويلًا، وإنما عبر قيام دولة يمنية قوية، عادلة، تمتلك قرارها الوطني، وتحتكر السلاح، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتبني مع جيرانها علاقات قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، لا على الصراع ولا على الوصاية.

ولا يعني ذلك أن تتخلى السعودية عن مصالحها المشروعة في اليمن، فلكل دولة الحق في حماية أمنها ومصالحها، لكن التجربة أثبتت أن أمن المملكة لن يتحقق على المدى البعيد في ظل يمنٍ ضعيف وممزق، بل في ظل دولة يمنية مستقرة وقادرة، يكون أمنها امتدادًا لأمن محيطها العربي، وفي مقدمته أمن المملكة نفسها.

لقد وصلت الرياض، فيما يبدو، إلى لحظة مراجعة تاريخية. فإما أن تعيد بناء مقاربتها لليمن على أساس دعم الدولة اليمنية باعتبارها الضامن الحقيقي للأمن والاستقرار، وإما أن تستمر في التمسك بمعادلات أثبتت السنوات أنها لم تعد تنتج النفوذ الذي تريده، ولا الأمن الذي تبحث عنه.

ولعل أخطر ما في المشهد أن ثمن التأخر في هذه المراجعة لن يدفعه اليمنيون وحدهم، بل قد يمتد أثره إلى السعودية والمنطقة بأسرها. فحين تتحول الاستراتيجية، مع تغير الوقائع، إلى نقيض أهدافها، تصبح مراجعتها ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.

مقالات

الاعتراف العربي بحدود (إسرائيل) المتغيرة باستمرار

يُمثّل الإصرار الأمريكي المستميت على دفع جميع الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة نحو تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل أحد أكثر جوانب العلاقات الأمريكية المعاصرة مع العالمين العربي والإسلامي ترويعاً لهذه الدول؛

مقالات

عندما يتغير الهدف.. لماذا أصبح مضيق هرمز مركز ثقل الصراع؟

عندما وُقعت مذكرة التفاهم، تركزت النقاشات الدائرة حول الصراع، على برنامج إيران النووي؛ وتمحورت الجهود الدبلوماسية حول مستويات التخصيب، وعمليات التفتيش، وتخفيف العقوبات، ومدى قبول طهران بفرض قيود جديدة على برنامجها.

مقالات

لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟

منذ سنوات تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟ ولماذا تبدو الجبهات وكأنها تدور في حلقة مفرغة، فلا سلام يتحقق ولا معركة فاصلة تقع؟ تذهب أغلب التفسيرات إلى أن السبب يكمن في ارتهان القرار السيادي للخارج، أو في اختلال موازين القوة العسكرية، أو في الحسابات الإقليمية والدولية. ولا شك أن هذه العوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر المشهد كله.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.