مقالات

المصالحة وتأسيس الدولة والعقد الوطني

04/06/2026, 09:47:28
بقلم : يزن زياد

لا تكاد تمر فترة في اليمن إلا وتتجدد الدعوات إلى المصالحة الوطنية بوصفها مخرجًا ممكنًا من الحرب والانقسام. غير أن المتأمل في مسار السنوات الماضية يلاحظ أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويلها إلى مشروع وطني جامع.

فمنذ اندلاع الحرب طُرحت عشرات الرؤى والمبادرات من شخصيات وقوى يمنية وإقليمية ودولية؛ من مبادرات المصالحة الوطنية التي تقدم بها عدد من السياسيين والمفكرين اليمنيين، إلى خارطة الطريق السعودية، مرورًا بمقترحات المبعوثين الدوليين وأفكار التسوية التي طُرحت في مراحل مختلفة من الصراع. ورغم اختلاف المرجعيات والغايات، فإنها جميعًا سعت إلى فتح نافذة نحو تسوية ممكنة. لكن شيئًا منها لم ينجح في إنتاج سلام مستدام.

والسبب، في تقديري، أن الأزمة اليمنية تجاوزت منذ زمن حدود الخلاف على السلطة. فما يعيشه اليمن اليوم ليس مجرد نزاع على الحكم أو الشرعية أو الترتيبات الأمنية، بل أزمة دولة في المقام الأول، وأزمة عقد وطني قبل أن تكون أزمة سلطة. إنها أزمة ثقة ومعنى وهوية سياسية، بقدر ما هي أزمة مؤسسات وإدارة. ولهذا فإن أي حديث جاد عن المصالحة ينبغي أن يبدأ من سؤال مختلف: كيف يمكن إعادة تأسيس الدولة اليمنية؟ وكيف يمكن صياغة عقد وطني جديد يجعل من السلام بداية لمرحلة سياسية مختلفة، لا مجرد محطة مؤقتة بين حربين؟

فالمصالحة الوطنية ليست اتفاقًا لتقاسم النفوذ بين الأطراف المتصارعة، ولا لحظة اعتذار جماعي فحسب، بل عملية تاريخية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وبين المركز والأطراف، وبين القوة والشرعية، وبين الماضي والمستقبل.

التجارب الدولية تؤكد أن المجتمعات الخارجة من الحروب لا تستعيد عافيتها بمجرد إسكات البنادق. فالحرب لا تدمر الجغرافيا وحدها، بل تهدم منظومات المعنى التي تجعل الدولة ممكنة. ولهذا لا يبدأ التعافي الحقيقي إلا عندما تمتلك المجتمعات الشجاعة لمواجهة أسباب الانهيار وإعادة بناء الأسس التي قامت عليها الدولة.

وفي الحالة اليمنية، تزداد الحاجة إلى هذا النوع من المصالحة مع طول أمد الحرب وتعدد أطرافها وتشابك أبعادها المحلية والإقليمية. فالحرب لم تخلّف خطوط تماس وخرائط نفوذ فحسب، بل خلّفت جروحًا عميقة في الوعي الجمعي، وشقوقًا في النسيج الاجتماعي، وأزمات ثقة تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة.

ومع ذلك، لا يزال المجتمع اليمني يحتفظ بعناصر قوة مهمة. فما زالت الروابط الاجتماعية والثقافية تتجاوز خطوط الانقسام، وما تزال الذاكرة المشتركة لليمنيين، بما تحمله من تجارب وأفراح ومحن، تشكل رصيدًا وطنيًا يمكن البناء عليه. ولعل هذه القدرة التاريخية على تجاوز الانقسامات هي ما يجعل المصالحة ممكنة، مهما بدت صعبة.

لكن صعوبة المهمة لا تكمن في جمع الخصوم حول طاولة تفاوض، بل في معالجة الأسباب البنيوية التي أنتجت الصراع. فمعظم محاولات التسوية السابقة تعاملت مع الأزمة باعتبارها أزمة إدارة، بينما كانت الدولة نفسها تتآكل من الداخل. ولهذا ركزت تلك التسويات على وقف القتال أكثر من تركيزها على بناء الاستقرار، فعادت الأزمات والحروب بأشكال مختلفة لأن جذورها بقيت على حالها.

لقد ظلت أسئلة الشرعية والعدالة وتوزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وإدارة التنوع الجغرافي والاجتماعي، أسئلة مؤجلة. كما بقيت مشكلة المركزية المفرطة، واختلال التمثيل السياسي، والشعور بالتهميش في عدد من المناطق، دون معالجة حقيقية.

ومن هنا تبدو الأزمة اليمنية مركبة بطبيعتها؛ فهي أزمة دولة وسلطة وهوية وثروة وتمثيل سياسي في آن واحد. فالدولة لم تعد قادرة على أداء دورها الجامع، والتنافس على السلطة تحول إلى صراع إقصائي، فيما دفعت الحرب قطاعات واسعة من اليمنيين إلى الاحتماء بهويات فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. كما تحولت الموارد الاقتصادية إلى أدوات صراع بدلاً من أن تكون أدوات تنمية واستقرار. لذلك فإن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن اختزالها في مصافحات بين النخب أو بيانات سياسية تحمل عبارات عامة عن التسامح والأخوة. فهذه المظاهر، على أهميتها الرمزية، لا تكفي لبناء سلام دائم. المصالحة الحقيقية تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين المكونات الاجتماعية والسياسية المختلفة، وبين المركز والمحافظات، كما تبدأ بإعادة تعريف الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا لحماية الجميع لا أداة لإقصاء أحد

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تتجاوز المبادرات المطروحة هدف الوصول إلى اتفاق سياسي ينهي جولة من الحرب، إلى السعي نحو إعادة تأسيس الدولة نفسها. فالصراع الراهن لم يعد يدور حول المقاعد والمناصب، بل حول شكل الدولة وهويتها وطبيعة العلاقة بين مكوناتها المختلفة.

ولهذا فإن أي مشروع جاد للمصالحة يجب أن يتحول إلى مشروع وطني شامل لإعادة هندسة الدولة؛ يبدأ بصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، ويمر بإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس وطنية، ومعالجة المظالم التاريخية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وينتهي ببناء نظام سياسي قادر على إدارة التنوع وتحويله من مصدر للصراع إلى مصدر قوة.

وعندما نتحدث عن عقد وطني جديد، فإننا لا نقصد وثيقة إضافية تُضاف إلى أرشيف الاتفاقات اليمنية، بل إطارًا تأسيسيًا يجيب عن الأسئلة الكبرى التي ظلت معلقة لعقود: ما شكل الدولة؟ وكيف تُدار السلطة؟ وكيف تُوزع الثروة؟ وكيف تُحمى الوحدة الوطنية من دون إلغاء التنوع؟ وكيف تُبنى دولة قوية من دون ابتلاع الأطراف؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق أي اتفاق سياسي، لأن السلام المستدام لا يصنعه وقف إطلاق النار وحده، بل تصنعه القواعد التي تنظم الحياة المشتركة بعد انتهاء الحرب. إن المصالحة المنشودة ليست انتقالًا من جبهة إلى أخرى، بل انتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة. والدولة هنا ليست مجرد مؤسسات وسيادة ورموز رسمية، بل منظومة عدالة وقانون وتمثيل سياسي ومواطنة متساوية.

فإذا كانت الحرب قد أعادت توزيع القوة بالقسر، فإن المصالحة يجب أن تعيد توزيع الشرعية بالتراضي. وإذا كانت الحرب قد أنتجت سلطات أمر واقع، فإن السلام ينبغي أن يفتح الطريق أمام سلطة وطنية قائمة على التوافق والمشاركة. وإذا كانت الحرب قد مزّقت المجال العام، فإن المصالحة مطالبة بإعادة بنائه على أسس أكثر عدلًا واتساعًا.

ويبقى الدرس الأهم أن اليمن لا يفتقر إلى الوعي بأزمته، بقدر ما يفتقر إلى الإرادة الجامعة القادرة على تحويل هذا الوعي إلى مشروع سياسي وطني. ومن هنا تكتسب المبادرات اليمنية أهميتها؛ ليس لأنها تقدم حلولًا جاهزة، بل لأنها تحافظ على فكرة الحوار حية، وتؤكد أن مستقبل البلاد لا يزال مفتوحًا على إمكانات الإنقاذ.

فالمصالحة ليست دعوة إلى نسيان الألم، بل إلى تحويله من مصدر للثأر إلى مصدر للحكمة. وهي ليست تسوية بين خصوم فقط، بل محاولة لإعادة بناء وطن أنهكته الصراعات، لكنه لم يفقد بعد قدرته على النهوض.

وربما تكون هذه هي الحقيقة الأهم عن اليمن: أنه كلما بدا أقرب إلى الانكسار، كشف من أعماقه عن قدرة متجددة على البقاء وإعادة بناء الذات. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على إنهاء الحرب فقط، بل على بناء الدولة التي تجعل عودة الحرب أمرًا غير ممكن.

مقالات

الرئيس هادي كما عرفته وعايشته

رحل الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي بهدوء وسكينة، ثاني أيام عيد الأضحى المبارك في أحد مشافي العاصمة السعودية الرياض بعد أربع سنوات من تخليه عن الرئاسة، وإصداره إعلانا دستوريا بنقل سلطاته بشكل نهائي لا رجعة فيه لمجلس قيادة من ثماني شخصيات يرأسهم الدكتور رشاد العليمي مستشاره حينها، ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق

مقالات

السعودية واليمن.. ثمن التأجيل

لم تكن السياسة السعودية تجاه اليمن يوماً سياسة حلٍّ، بل كانت في جوهرها سياسةَ تأجيل. تأجيل المواجهة، وتأجيل القرار، وتأجيل السؤال الجوهري الذي ظلّ معلّقاً عقوداً: ماذا نريد من اليمن؟ وماذا نريد لليمن؟ والتأجيل في السياسة ليس حياداً، بل هو في الغالب قرار مقنّع باللاقرار. وحين يطول التأجيل، لا يبقى الوضع على ما هو عليه، بل يتفاقم ويتعفّن، حتى تفقد السياسة التي صُمِّمت لضبطه القدرةَ على احتوائه.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.