مقالات
تعز.. جغرافيا الرفض وتفكيك الكتلة السياسية
لماذا يستهدف الحوثي أرياف تعز؟ أو لماذا الحجرية؟ ثم لماذا مدينة تعز؟
ما سأقوله هنا لا يندرج ضمن المديح المجاني، أو التفاخر من باب المناطقية وتضخيم الذات، ولا الانتقاص من مناطق يمنية أخرى، بل يأتي وفق منظور تحليلي جيوسياسي تستمد إجابته مشروعيتها من وقائع تاريخية وسياسية.
أولاً:
لأن استكمال الاستيلاء على أرياف تعز يقطع صلة المحافظة بمحافظة لحج، وبالتالي بالعاصمة عدن. وهذه أول خطوة لتفكيك روابط العلاقة بين المحافظات اليمنية؛ إذ لا تهدف إلى ترسيخ الاستقلال، بل تحفز النزعة الانفصالية وتقوض هامش حركة الحكومة.
عزل تعز وضمها إلى حظيرة الحوثي يعني تشكيل عبء على حكومة "يمنية" لا تسيطر إلا على محافظات جنوبية ومديريات في مأرب وهذا يفقدها معناها الأصيل.
ثانياً:
قال أحد قادتهم إن تعز تمثل 80% من قوام القوات التي تحاربهم في صعدة، وهذا رقم له دلالته. فوفق معاييرهم، يجب ربط الجغرافيا بالسكان؛ إذ إن وجود أي محافظة شمالية خارج سلطتهم يعني استمرارها كخزان بشري للجيش الذي يقاومهم، لكونها محررة من ضغط هيمنتهم. بالسيطرة على تعز سيكون أفراد الجيش اضعف وأكثر استجابة للضغط وولاءهم مشكوك فيه لانهم تحت رحمة الضغط.
ثالثاً:
تظل تعز مزعجة لكل القوى السياسية في اليمن بسبب قدرتها على إحداث صدى وإيصال صوتها إلى الفضاء العام والمساحات المفتوحة لإثارة القضايا؛ إذ تلجأ تعز إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والصحف، والمواقع الإخبارية، ومراكز الدراسات.
وهذه الميزة تشكل ميزة وعبئاً في الوقت ذاته، وقد ظهر هذا العبء في مناطق تعز غير الخاضعة لسلطة الحوثيين حين كان كل ما يحدث على الأرض يتضخم ويظهر بصورة أكبر على وسائل التواصل. اخذت تعز مساحة اكبر وشغلت الناس بكل صغيرة وكبيرة.
هذا الصوت الحي يجب إسكاته لأنه قادر على نقل العدوى؛ فالمواطن المطلوب تشكيله في ظل سلطة الحوثي هو مواطن صامت في اسوأ الأحوال، إن لم يكن مواطناً يسبح بحمد هذه السلطة ويقدس رموزها.
رابعاً:
حرف مسار المعركة وإجبار الخصم على تغيير خطته بشكل مفاجئ. تسارع اسقاط المديرات في لحظة إعلان عملية فجر اليمن.
خامساً: وهذه نقطة حساسة
سيحاصر الحوثي مدينة تعز ويفرض عليها أشد أنواع الحصار؛ ليتخذ من المدينة درساً لبقية المناطق التي تفكر في مقاومته، مستهدفاً جعل الكلفة الإنسانية للمقاومة باهظة من جهة، وترسيخ فكرة أساسية يجري الترويج لها الآن من جهة أخرى؛ وهي أن السعودية لن تلتفت إلى المعاناة الإنسانية في تعز لكونها لا تهتم إلا بالبعد الجيوسياسي لباب المندب. سيجعل الحوثي الناس يعتقدون أن السعودية هي سبب عذابهم، مما يخصم من رصيد تعاونها مع الحكومة ويشكك في نواياها.
قد يتخلى الحوثي عن المخا لو تطلب الأمر، لكنه سيقضي على تعز ليجعل مكاسب انتزاع باب المندب والمخا — وهي مكاسب جيوسياسية — تجريداً بلا معنى. وحينها، سينهض عدد لا بأس به من داخل تعز يتبنون هذا الطرح، ويرون أن السعودية، مهما قدمت لليمنيين، لا تريد لهم إلا الشر، وأنها أنانية لدرجة أنها لا تهتم بمعاناة الملايين منهم.
سادساً:
تمثل أرياف تعز الكتلة البشرية الأكبر في المحافظة الأكثر سكاناً في اليمن؛ إذ يقطن الحجرية نحو مليونين من البشر، أغلبهم — ولا سيما الذكور — ملتحقون بالتعليم، ويمتلكون مؤهلات، وينتمون حزبياً.
تقوم البنية الاجتماعية في تعز على العلاقة بالمكان والمهنة، بينما تتراجع الرابطة القبلية إلى مستوى أدنى، وبذلك كانت تعز تُشكل الكتلة السياسية والحزبية الأبرز.
تُعد هذه الكتلة القلب النابض بالنظام الجمهوري والحقوق والحريات. ورغم التباين الحاد داخل هذه المناطق التي مرت بها مختلف الأيدولوجيات، فإن الاقتتال الداخلي فيها ظل في أدنى مستوياته. لغياب عصبيات حادة.
لقد قضى الحوثي على الثقل القبلي في مناطق الهضبة الشمالية الغربية أو طوّعه لصالحه، والآن جاء دور خنق الكتلة الحزبية/السياسية الأكبر في اليمن؛ إذ لا يحتمل الحوثي التعددية لكونها النقيض الموضوعي لمشروعه، فهو يريد مجتمعاً أحادي البعد.
نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك