مقالات

سياسة الحافة المجهولة: قراءة في توظيف ترامب لنظرية الرجل المجنون

12/06/2026, 07:48:28

في السياسة الدولية، لا يخيف الخصومَ دائمًا من يمتلك القوة الأكبر، بل أحيانًا من يبدو أقلَّ قابلية للتوقّع.

فالعالم يستطيع التعايش مع خصمٍ عقلاني يعرف حدوده، ويمكن فهم حساباته وتوقّع ردود أفعاله. أما حين يظهر قائدٌ يوحي بأنه قد يذهب إلى أي مدى، وأن قراراته لا تخضع بالضرورة للمنطق التقليدي، فإن مساحة الخوف تتسع، ويصبح احتمال الخطأ في تقدير رد فعله أكثر رعبًا من قوته نفسها.

من هنا وُلدت ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”نظرية الرجل المجنون”، وهي النظرية التي تقوم على إقناع الخصوم بأنك قد تكون متهورًا بما يكفي لفعل أشياء كارثية، بحيث يفضّلون التراجع أو تقديم التنازلات بدل اختبار حدودك الحقيقية.

ورغم أن هذه الإستراتيجية ارتبطت تاريخيًا بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون خلال الحرب الباردة، فإن دونالد ترامب أعاد إحياءها بصورة أكثر صخبًا وفوضوية، حتى بدت وكأنها ليست مجرد تكتيك سياسي، بل أسلوب حكم كامل.

تعود جذور النظرية إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، حين حاول نيكسون أن يُقنع قادة الاتحاد السوفييتي وفيتنام الشمالية بأنه رجل قد يقدم فعلًا على خطوات غير محسوبة، بما في ذلك استخدام السلاح النووي إذا شعر بأن خصومه يدفعونه إلى الزاوية. وقد كشفت مذكرات رئيس موظفي البيت الأبيض حينها، بوب هالدمان، أن نيكسون كان يؤمن بجدوى جعل الخصوم يعتقدون أن الرئيس الأمريكي “قد يفعل أي شيء”.

لم يكن الهدف أن يكون مجنونًا فعلًا، بل أن ينجح في تسويق صورة القائد غير المتوقع، بحيث يتحول الغموض نفسه إلى سلاح سياسي.

لكن ما كان يُدار آنذاك خلف الأبواب المغلقة، حوّله ترامب لاحقًا إلى عرض دائم على شاشات الإعلام ومنصات التواصل.

فالرجل بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على عنصر الصدمة: تصريحات نارية، تهديدات قصوى، قرارات مفاجئة، ثم انعطافات حادة لا تقل مفاجأة عن التهديد نفسه.

وفي كل مرة تقريبًا، كان يترك العالم في حالة ترقب:
هل هو جاد فعلًا؟
أم أن الأمر مجرد ضغط تفاوضي؟

هذا النمط ظهر بوضوح في تعامله مع كوريا الشمالية عام 2017، حين صعّد لهجته إلى حد التهديد بـ”النار والغضب”، في واحدة من أكثر اللحظات توترًا منذ نهاية الحرب الباردة. يومها، بدا العالم وكأنه يقف على حافة مواجهة نووية محتملة، خصوصًا مع تبادل الرسائل العدائية بين ترامب وكيم جونغ أون.

لكن بعد أشهر قليلة فقط، انقلب المشهد بالكامل، وانتقل ترامب من لغة التهديد إلى المصافحة والقمم المباشرة مع الزعيم الكوري الشمالي، في تحول درامي أربك حتى حلفاء واشنطن أنفسهم.

هذا الانتقال المفاجئ من أقصى التصعيد إلى أقصى الانفتاح لم يكن حادثة معزولة، بل جزءًا من نمط متكرر يقوم على إبقاء الخصم في حالة عدم يقين دائم.

الأمر ذاته تكرر مع إيران.

ففي أكثر من مناسبة استخدم ترامب لغة بدت أقرب إلى حافة الحرب، ملوّحًا بتدمير الاقتصاد الإيراني، ومتحدثًا أحيانًا بلهجة توحي باستعداد واشنطن للذهاب إلى مواجهة مفتوحة. لكن هذه التهديدات كانت كثيرًا ما تنتهي إلى تراجعات مفاجئة، أو إلى قبول قنوات تفاوض ووساطات إقليمية ودولية.

حتى داخل الإعلام الأمريكي، بدأ بعض المراقبين يتعاملون مع هذا السلوك بوصفه نسخة حديثة من “نظرية الرجل المجنون”، بينما ذهب آخرون إلى السخرية منه عبر مصطلحات مثل:
“Trump Always Chickens Out”
أي أن ترامب يرفع سقف التهديد إلى أقصى درجة، ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.

ورغم الطابع الساخر لهذا الوصف، فإنه يكشف معضلة جوهرية في هذه النظرية:
التهديد يفقد قيمته حين يتحول إلى سلوك متكرر يمكن التنبؤ بنهايته.

فالخوف من “الرجل المجنون” ينجح فقط حين يبقى احتمال اندفاعه قائمًا في أذهان الخصوم. أما إذا اعتاد العالم على التهديدات التي لا تنتهي إلى أفعال، فإن عنصر الرعب يبدأ بالتآكل تدريجيًا.

حتى في الاقتصاد، استخدم ترامب المنطق ذاته.

ففي الحرب التجارية مع الصين، كانت الأسواق تستيقظ باستمرار على قرارات مفاجئة: رسوم جمركية ضخمة، تهديدات بعقوبات، وتصريحات تصعيدية تهز البورصات العالمية، قبل أن تظهر لاحقًا إشارات إلى التفاوض أو تخفيف التصعيد.

وكان الهدف واضحًا:
إبقاء الخصوم والأسواق في حالة قلق دائم، لأن عدم اليقين نفسه قد يتحول إلى أداة ضغط فعّالة.

غير أن هذه الإستراتيجية، رغم ما تمنحه أحيانًا من مكاسب تفاوضية قصيرة الأمد، تحمل في داخلها قدرًا هائلًا من الخطورة.

فاللعب المستمر على حافة الهاوية قد يؤدي إلى سوء تقدير كارثي، خصوصًا حين يصبح من الصعب على الخصوم التمييز بين “الاستعراض السياسي” و”النية الحقيقية”.

وفي العلاقات الدولية، لا تقع الحروب دائمًا بسبب الرغبة فيها، بل أحيانًا بسبب سوء الفهم، أو المبالغة في قراءة نوايا الطرف الآخر.

لهذا يرى كثير من الباحثين أن “نظرية الرجل المجنون” قد تمنح القائد قدرة مؤقتة على إخافة خصومه، لكنها في الوقت نفسه تخلق بيئة عالمية أكثر توترًا واضطرابًا، لأن الجميع يصبحون مضطرين للتعامل مع احتمال أن تكون القرارات المصيرية خاضعة للمزاج والانفعال أكثر من الحسابات المستقرة.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة في تجربة ترامب تحديدًا:

هل كان يتعمد فعلًا توظيف هذه النظرية باعتبارها إستراتيجية تفاوض مدروسة؟
أم أن شخصيته الاندفاعية بطبيعتها هي التي جعلت سلوكه يبدو وكأنه تطبيق حيّ لها؟

ربما تكمن خطورة ترامب الحقيقية في أن العالم لم يستطع أبدًا الجزم بالفارق بين الأمرين.

وهذه بالضبط هي النقطة التي تقوم عليها “نظرية الرجل المجنون”:
أن تجعل الآخرين يخشون ليس فقط ما قد تفعله… بل ما لا يستطيعون توقّعه منك أصلًا.

مقالات

الفكرة الإسلامية والحركة الوطنية في جنوب اليمن

يمثل مقال "حركتنا في حاجة إلى منهاج" للمفكر الإسلامي اليمني الكبير الأستاذ عمر سالم طرموم، المنشور في جريدة "الفكر" العدنية سنة 1957م، إحدى الوثائق الفكرية المبكرة التي تكشف ملامح تشكل الوعي الإسلامي السياسي في جنوب اليمن، والذي كان يقبع تحت الاستعمار البريطاني منذ 1839م، كما يعكس البدايات الأولى للحركة الإصلاحية اليمنية ذات الجذور الإسلامية في عدن، والتي يُعد عمر طرموم أبرز مؤسسيها الأوائل وروادها الفكريين والتنظيميين.

مقالات

من بن غوريون إلى نتنياهو

نشرت مجلّة فورين بوليسي تقريراً جاء فيه: "بعد وصف ترامب لنتنياهو بالمجنون وناكر الجميل، أصبح الموصوف مهدّداً بخسارة الانتخابات المقبلة بسبب قرب الاتفاق بين واشنطن وطهران. لنتنياهو دور رئيس في إشعال الحرب، لكنّ تأثيره في إنهائها محدود بالنظر إلى حجم الضغوط الأميركية".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.