مقالات

على هامش الجدل حول رسالية الفن: نموذج مقترح للبناء المهني

04/04/2025, 09:26:17

هل الإنسان المهني مجرد ترس أو مسمار في آلة، أم أنه كائن عاقل، عامل، غائي، اجتماعي، وأخلاقي؟ إذا ترجح الخيار الأول، تترجح إمكانية الاستغناء عن الإنسان بالذكاء الاصطناعي.

وهل المهنة مجرد وسيلة للعيش، أم أنها امتداد للذات، ومشروع حياة، وتعبير عن القيم، ومساحة لبناء أثر في العالم؟

إذا ترجح الخيار الأول تترجح صورة العامل المستلب البائس في البيان الشيوعي، الذي يعمل ليأكل، وأصبح ملحقًا بالآلة.

هذه التساؤلات تطرح نفسها في ظل الجدل الأخير حول رسالية المهنة، بعيدًا عن شخصنة النقاش أو محاكمة النوايا؛ لأن مسؤولتي الأخلاقية في مجال التربية الإعلامية تفرض عليَّ عدم التعجّل في إصدار أي حكم على أي مقولة دون التعرّف على جميع سياقاتها، وبعض السياقات لا يمكن أن يتحدّث عنها إلا صاحب المقولة نفسه.

أنا هنا فقط استثمر هذا الجدل لتأكيد الحاجة الماسّة لإعادة تعريف المهنة - أي مهنة- ومنها مهنة الفنان، وفقًا لنموذج علمي ديناميكي يتجاوز الجدل الكلاسيكي بين مدرسة "الفن للفن" ومدرسة "الفن الهادف"، ويتواكب مع زمن تتغيّر فيه أسواق العمل بسرعة، وتتحوّل فيه المِهن من وظائف إلى هويات، ويصبح من الضروري إعادة تعريف المِهنة، ليس فقط كأداء تقني، بل كتركيب إنساني متكامل.

في هذا السياق، نقترح نموذج "الأركان الخمسة لبناء المِهنة المتكاملة"، الذي يقدّم رؤية شاملة للمِهنة باعتبارها نسيجًا من المعرفة، والمهارة، والمعيشة، والرسالة، والأخلاق. والواقع أن كل مِهنة هي مزيج من "العقل والفعل والغاية والاحتياج والضمير".

وفي أول محاضرة لطلبتي في مادة "أخلاقيات الإعلام"، أتحدّث معهم غالبًا عن هذه الأركان الخمسة، التي تمزج بين فلسفة المعرفة، وفلسفة العمل، وفلسفة الأخلاق، والأنثروبولوجيا الوجودية.

وأنا اقترح هذه الأركان كنموذج للبناء المِهني المتكامل للمِهنة، يصلح لأن يكون أداة تعليمية وتكوينية تُستخدم في: إعداد مناهج التدريب المِهني، وبناء برامج التوجيه المِهني، وتطوير الأداء داخل بيئات العمل، وغرس الهوية المِهنية في مراحل التعليم المختلفة، وفقًا للأركان الخمسة التالية:

١- الكفاية النظرية (Theoretical Competency)

٢- المهارات والقدرات (Practical Skills & Capabilities)

٣- الاحتراف (Professional Engagement)

٤- الرسالية (Vocational Calling)

٥- الدستور الأخلاقي (Ethical Framework)

ويمكننا تفصيل هذه الأركان بصورة مبسّطة على النحو الآتي:

أولًا: الكفاية النظرية - حين يصبح الفهم أساس العمل


لا تبدأ المِهنة من الممارسة، بل من الفهم. فكل مِهنة، مهما بدت بسيطة، ترتكز على معرفة نظرية تنظم أدواتها ومفاهيمها. الطبيب، المهندس، المعلم، والفنان جميعهم يحتاجون إلى قاعدة معرفية تسبق الأداء. فالمعرفة هنا ليست رفاهية فكرية، بل شرط أولي للممارسة المسؤولة.

ثانيًا: المهارات والقدرات - اليد التي تترجم العقل


لكن المعرفة وحدها لا تصنع مِهنة. لا بُد من امتلاك المهارات والقدرات العملية التي تتيح ترجمة النظرية إلى فعل. المِهني الناجح هو من يجمع بين أن يعرف وأن يفعل، بين العقل واليد. ولذلك، فإن التدريب العملي والتجربة الميدانية لا تقل أهمية عن الدراسة الأكاديمية.

ثالثًا: الاحتراف - حين تصبح المِهنة مصدرًا للعيش


الاحتراف، في هذا النموذج، لا يُفهم بمعنى "الجودة العالية" حسب الخطأ الشائع في تداول مصطلح الاحتراف، بل بمعنى اتخاذ المِهنة مصدرًا للمعيشة والاعتماد.
أن تحترف يعني أن تبني علاقتك بالمِهنة كركيزة للرزق، وأن تتعامل معها بجدية واستدامة. هنا، تخرج المِهنة من دائرة الهواية أو الموسمية، لتصبح التزامًا يوميًا وهويّة اجتماعية.
وهنا نؤكد أن القول إن المِهنة مصدر للرزق ليس عيبًا ولا خطأً، بل إن هذا ركن أساسي من أركان المِهنة يضمن إخلاص العامل للمِهنة، وقوة ارتباطه بها.

رابعًا: الرسالية - التحرر عن روتينة العمل بلا معنى


قد يحقق الإنسان دخلًا جيدًا من مِهنته، لكنه لا يجد فيها نفسه. من هنا تأتي أهمية "الرسالية" في العمل: أن يكون لمِهنتك أثر يتجاوزك، أن تخدم بها الآخرين، أن تُمارس من خلالها وجودك الإنساني، أن تُسهم في حل مشكلة أو بناء شيء جميل. وأن تحصل في المقابل على اعتراف اجتماعي بهويتك المهنية، وتحرص على أن يعرفك الجميع بهذه الهوية، مع ملاحظة أن الرسالية لا تعني الخطابية، وانتهاج أساليب التوجيه والمباشرة أو العاطفية والمثالية، بل ببساطة: أن تشعر أن ما تفعله "يستحق". وغالب ظني أن الفنان صلاح الوافي أراد تنزيه الفن من الرسالية الخطابية المباشرة لا نفي مطلق الرسالية.

ومن بديهيات "الألف بائية" الإعلامية المعلوماتية أنه لا يوجد محتوى إعلامي أو فني حتى لو كان مجرد صورة أو لون بدون رسالة" تأثير"، بغض النظر عن طبيعة الرسالة: مباشرة أو ضمنية، أخلاقية أو غير أخلاقية، نافعة أو ضارة، تعالج مشكلة أو تصنع مشكلة، مقصودة بوعي أو بغير وعي.

خامسًا: الدستور الأخلاقي - الضابط الذي يحمي المهنة من التوحش


كل مِهنة تملك القدرة على البناء أو الهدم، على الإلهام أو الإفساد. لذلك، لا يمكن أن تقوم مِهنة بلا ضوابط أخلاقية توجِّه السلوك وتضبط العلاقات. والمِهني المحترف هو من يلتزم بمواثيق الشَّرف، يحترم خصوصية الآخر، ويرفض التلاعب، ولو في الخفاء.

بناء متكامل: المعرفة، الفعل، العيش، المعنى، والقيم:

يمثل هذا النموذج محاولة لصياغة رؤية متوازنة للمِهنة، تجمع بين الجوانب الفنية والوجودية، بين الأداة والغاية.
وهو مناسب للتطبيق في سياقات متعددة: في التدريب المِهني، وفي التوجيه التربوي، وفي بناء ثقافة العمل داخل المؤسسات، بل وحتى في مراجعة الذات المِهنية لكل فرد.
المِهنة، إذًا، ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هي مشروع حياة.

ملاحظة منهجية:
يقوم هذا النموذج في جوهره على استلهامٍ لمفاهيم فلسفية وردت في كتاب "فلسفة التربية" للفيلسوف التربوي فيليب فينكس (Philip Phenix)، الذي تناول فيه "أنماط المعرفة البشرية" بوصفها أسسًا لتكوين الفرد المتكامل. وقد تم توسيع هذه الرؤية وتكييفها هنا في سياق بناء مِهنة متكاملة تجمع بين المعرفة، والمهارة، والمعيشة، والمعنى، والقيم.

مقالات

المكارثية الجديدة: حين تصبح مناصرة فلسطين تهمة

في الخمسينات من القرن الماضي، عاش الأمريكيون في ظل حملة قمع سياسي شرسة عُرفت باسم "المكارثية"، حيث طاردت السلطات كل من اشتُبه في تعاطفه مع الشيوعية، وزُجّ بالكثيرين في السجون، أو فقدوا وظائفهم لمجرد آرائهم السياسية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.