مقالات

عن الأحكام التي تسبق الجريمة

23/11/2024, 10:39:52
بقلم : زهير علي

أظن أن النفس البشرية، حتى في أشد حالات نزوعها نحو الشر والجريمة، تبحث في الغالب عن مبررات لأفعالها، ومنها تلك الأحكام الذاتية  التي يطلقها الإنسان على غيره، قبل أن يرتكب في حقهم جرما معينا، وهذه الأحكام غالباً لا تمت للقيم الإنسانية بصِلة، فهي غير نابعة من ضميرنا وفطرتنا، أو من القانون الأخلاقي في أعماقنا، حسب مصطلح "إيمانويل كانط"، بل تنطلق من فكرة جوهرية يتم فيها تجريد الإنسان من إنسانيته بشكل كلي أو جزئي، بحيث يصبح الفعل غير الأخلاقي مبرراً، وتمرره أنفسنا، مستخدمين إما معايير اختلاف حضاري، أو عرقي، أو ديني، عند الجرم الذي تقوم به الجماعات، أو حتى اختلاف بسيط في الصفات والسلوك، أو الوضع الاجتماعي عند الاعتداء في الحالات الشخصية.

وهذه الاختلافات ليست بالضرورة الدافع الأساسي للجرم، وإنما قد تكون هناك أسباب وأطماع أخرى، غير أن الإنسان لن يجد وسيلة أفضل من إصدار أحكام تُعفيه من أي عبء أخلاقي تجاه الضحية.

ويمكننا تأكيد هذا من خلال عدة ظواهر، منها -على سبيل المثال- ما قام به "الرجل الغربي" من جرائم إبادة في حق السكان الأصليين في عدة قارات، وكيف كان يتطلب منه إزاحة الإنسان الذي يعيق الأطماع، بأن يقوم بتجريده من إنسانيته قبل إبادته!

فعلى سبيل المثال فقط، ينقل ألآن دي بوتون، ومن مصادر عدة في كتابه "عزاءات الفلسفة"، ما حدث فيما يسمى بالعالم الجديد. وفي سياق، يرى فيه أن "السبب متعلق بعدم قبول الاختلاف، والمعيار الذاتي لتحديد ما هو طبيعي، في حين يغلب عليّ الظن أن السبب متعلق بأطماع أعمق في النفس، ويُستخدم هذا الاختلاف كتبرير فقط".

حيث -في سبيل استغلال الأرض الجديدة- قام الرجل الأوروبي بتجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم وحقوقهم، باعتبارهم في درجة أقل من الإنسان من وجهة نظرهم! وهو حكم حقيقي، يختلف عن المثال المجازي الذي يعترف بإنسانية الإنسان ويلومه فقط على عدم تقديره لها -برأيي-، ولا يترتب عليه أي إسقاط لحقوقه وحرمته، بينما في تلك الحالة كان يتم الحكم عليهم بتعبير حقيقي، وهو أمر اتفق عليه معظم الأوروبيين وبمختلف اتجاهاتهم، فها هو القائد الكاثوليكي فيليغاغنون يرى أنهم مجرد وحوش بشرية!، والوزير الكالفيني ريشيه يرى أن لهم عقولا ونفوسا لا تميّز بين الخير والشر!، والطبيب لوران جوبير -بعد فحص خمس نساء (حسب قوله)-، يرى أن لديهم خصائص تجعل منهم غير مطابقين لخصائص الجنس البشري!، هذه بعض الأمثلة فقط لتجريد الإنسان من إنسانيته وحقوقه، التي ساعدت على وقوع هذه الجريمة غير العادية، وقتل عشرات الملايين من البشر، وتدمير أمم خلال مدة وجيزة، تم قتلهم لحسن نواياهم واستقبالهم الوافدين الجدد، ولأنهم لا يملكون أسلحة بنفس مستوى سلاح الضيف الطامع، من قبيل "المَدافع" وغيرها، فتم قتل الرجال والنساء والأطفال بلا رحمة.

وتذكر مصادر عدة -أشار إليها الكتاب سالف الذكر- وجود إمعان في الوحشية والقتل؛ مثل شق بطون الحوامل وفقء العيون، وإحراق عائلات وقرى بأكملها، واللحاق بالمختبئين في الغابات باستخدام الكلاب التي كانت تنهش فيهم، وأحياناً تقضي عليهم بسهولة وسرعة إذا كانوا صغار الحجم، أي أطفال!.

وقد قام الإنسان بتكرار هذا المثال بأشكال متفاوتة، لدرجة أن هناك تجربة في عصرنا يقوم فيها الاحتلال بتهجير وإبادة السكان الأصليين، دون أن يكون هناك رد فعل من العالم يناسب حجم الجريمة، ونجد أن من يمارسها يرى في الفلسطينيين مجرد "وحوش بشرية" -حسب وصفه-، ويرى أنه امتداد للإنسان الأوروبي الغربي والمتحضر والديمقراطي، وتسانده الكثير من الدول المتحضرة صاحبة المصالح في المنطقة، وتدعمه لمواجهة هؤلاء الهمج غير الديمقراطيين والمتحضرين!.

هكذا يفعل الإنسان الطامع، الذي يسعى لاستغلال الأرض والإنسان الآخر لمصلحته فقط، ويوظّف هذه الاختلافات لتبرير صنعه، ويطلق الأحكام، ويجرد الغير من إنسانيتهم لتمرير جريمته، والأمثلة كثيرة على هذا.

وعلينا أن نحذر من هذه المبررات والأحكام على المخالف، فقد يبدر منا أيضاً أفعال تشبه ما سبق، من حيث النوع على الأقل، فالنفس البشرية -حين تجعل القيمة العليا في المصلحة المادية، أو في أطماعها- ستبرر كل شيء، وتوظف كل شيء في سبيلها.

ولاحظت في تجربتنا الدينية إشارة واضحة لهذا الجرم، الذي يتم تبريره بالأحكام، وتجريد الإنسان من حقوقه بحجة الاختلاف أو غيره، وتحاول التفرقة بينه وبين القتال مع المخالف لدفع الاعتداء، وتحذر منه، كما يقول القرآن: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا].. وهنا تحذير واضح يمنع تجريد المسالمين وغير المعتدين -ممن لم يؤمنوا بديننا- من حقوقهم الإنسانية، بحجة أنهم غير مسلمين، لتبرير أي أطماع في الغنائم، أو غيرها.

حتى على المستوى الفردي، قد نطلق أحكاما على الآخرين لتبرير وتمرير أخطائنا في حقهم، وتنازلنا عن قيم ومعايير نؤمن بها أحيانا، وترى النفس حين تضعف تقتل أو تغدر أو تخون أمانة، أو لا تحفظ عهدا لصديق أو حبيب أو غريب، بحجة الاختلاف، أو وصفه بصفات نظن أنها تجعل منه غير أهل لتنطبق عليه قيمنا الأخلاقية المشتركة، فنقول ببساطة إنه لا يستحق منا ذلك!، في حين أن القيم الأخلاقية لا تتجزأ، وانتهاكها تحت أي مبرر ما هو إلا انتهاك لأنفسنا وغيرنا، وللإنسان ككل.

مقالات

الانشقاق ليس صك غفران سياسي

في الحروب الطويلة لا تتغير الجبهات وحدها، بل تتغير معها المواقف والتحالفات والولاءات. وقد يجد أشخاص كانوا جزءًا من مشروع ما أنفسهم، بعد سنوات، في صفوف خصومه. وهذه ليست ظاهرة يمنية خالصة، بل عرفتها تجارب كثيرة عبر التاريخ.

مقالات

كيف أعادت مدرسة الاجتهاد تعريف التسنن والتشيع في ضوء المقاصد والفضاء الإسلامي المشترك

لم تكن كلمات المجتهد صالح المقبلي مجرد زفرة ضيق آنية أملتها ظروف تاريخية عارضة، بقدر ما كانت تكثيفًا لجوهر أصيل في البنية الفكرية لمدرسة الاجتهاد اليمنية، وتجليًا لأزمة معرفية أعمق: أزمة العقل المذهبي حين يعجز عن استيعاب المجتهد الذي يرفض التحرك داخل حقوله المسيجة بالتقليد.

مقالات

تشييع خامنئي وتثبيت الحلفاء.. مذكرة التفاهم تهرول نحو إيران

عندما أعلنت القيادة الإيرانية عن موعد الرابع من يوليو/تموز القادم لبدء مراسم تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي، فإنها قطعا كانت تدرك أن الأوضاع الداخلية في هذا التاريخ ستكون ملائمة أمنياً لهذا الحدث الهام، بل ومحصنة لظهور المرشد الجديد مجتبى نجل المرشد الراحل وخليفته الذي لا بد أن يكون على رأس مشيعي والده وإماما لصلاة الجنازة عليه.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.