مقالات
لماذا تحتاج المجتمعات إلى الموسيقى والغناء ؟
كثيرين ينظرون إلى الموسيقى، وتحديدا الغناء، بوصفها نوعاً من التسلية والترفيه وحتى اللهو.
هذا التصور خاطيء ويختزل دورها الحقيقي اختزالاً شديداً. الموسيقى، بمعناها الواسع الذي يشمل الغناء والفلكلور الفني والأغنية الشعبية بكافة أنواعها ، هي جزء من حياة المجتمع، واحدى أهم تعبيراته عن هويته وحياته.
كل مجتمع يرى نفسه بطريقتين متكاملتين: بما يدونه مثقفيه وأدباءه وشعرائه ومؤرخيه في الكتب أو ما يقرأه في تراثه وموروثه الثقافي عبر العصور ، وكذلك بما يسمعه من موسيقى وفن غنائي يبدعه فنانيه أو ما وصله من موروثها.
الأغاني أكثر قدرة على البقاء في الذاكرة الجمعية من الخطب والوثائق. هكذا تحفظ الأمم تاريخها وما أتقد في حيوات أبناءها، في نغمات خالدة، مثلما تحفظه في أضابير المؤرخين وسجلات الحياة بتنوع وتشعب فضاءاتها.
الأغنية قادرة على أن تختصر تجربة إنسانية كاملة في لحن أو عبارة، وأن تنقلها من جيل إلى جيل دون أن تفقد قدرتها على التأثير. ولهذا كانت جزءا من الموروث العاطفي للشعوب، تحفظ من خلاله ما عاشته وما حلمت به وما فقدته.
في الأغنية الشعبية تحديدا تتجلى صورة الإنسان العادي: أحلامه ومخاوفه، نظرته إلى الحب والعمل والحياة والموت. عمر الأغنية الشعبية من عمر المجتمعات نفسها؛ فقد رافقت الإنسان منذ بدايات وجوده، ومنها تطورت أشكال الموسيقى والغناء التي نعرفها اليوم.
حين يفرح الناس يغنون، وحين يحزنون يغنون، وحين يعملون أو يحتفلون أو يودعون أحباءهم أو يستقبلون مواليدهم ترافقهم نغمات صنعوها بآهات القلب والاحاسيس المتقدة. أبدعوها من نبض التجربة الإنسانية نفسها.
لم تعرف البشرية مجتمعا بلا غناء، كما لم تعرف مجتمعا بلا لغة. كلاهما وسيلتان للتعبير عن الذات وعن التجربة الإنسانية في مواجهة العالم.
رأى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أن الموسيقى لغة تتجاوز الكلمات لأنها تخاطب جوهر الإنسان مباشرة. وعنها كتب نيتشه عبارته الشهيرة: «لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأ». وهي عبارة لا تتحدث عن المتعة بقدر ما تتحدث عن المعنى؛ عن ذلك العنصر الذي يجعل الحياة أكثر احتمالا وأكثر امتلاءً.
الموسيقى تؤدي وظيفة روحية عميقة. تمنح الإنسان مساحة للتأمل، وتخفف من قسوة الواقع، وتساعده على تنظيم مشاعره وفهمها. وكما يحتاج الجسد إلى الغذاء، تحتاج الروح إلى الموسيقى. المجتمعات التي تهمل الفنون عموماً والموسيقى خصوصاً،تفقد جزءاً من قدرتها على التوازن النفسي والوجداني.
الموسيقى أداة مهمة في الارتقاء بالذائقة العامة، في زمن تكاد الكلمات ان تفقد معانيها. يتعلم الإنسان معنى الصمت الممتلي من خلال الإصغاء إلى الموسيقى. ومنها يتعلم الإحساس بالتناسق والجمال، والتمييز بين ما هو رفيع وما هو مبتذل.
عندما تتقدم الفنون في مجتمع ما، فإن ذلك ينعكس غالباً على لغته وسلوكه ونظرته إلى الحياة وإلى الآخر.
ومن جهة أخرى، تشكل الموسيقى أحد أهم عناصر الهوية الثقافية. فلكل شعب نغمته الخاصة، وإيقاعه الخاص، وأغانيه التي تشبهه وتعبر عنه.
حين يضيع موروثك الموسيقي الغنائي يضيع أهم جزء في ذاكرتك الجماعية كشعب. ولهذا فإن الحفاظ على التراث الغنائي والفلكلوري، هو عمل ثقافي وحضاري يحفظ صورة المجتمع عن نفسه، ويصون مضمون هويته الحية والمتجددة.
واللافت أن الأنظمة الشمولية والمتشددة والجماعات المتطرفة كثيراً ما تنظر إلى الموسيقى والفنون بعين الريبة. فهي تدرك، بشكل أو بآخر، أن الفن يوسع أفق الإنسان، ويجعله أكثر حساسية تجاه الجمال، وأكثر قدرة على التعبير عن ذاته، وأقل قابلية للانغلاق.
ولذلك كانت الموسيقى، في أحد وجوهها، شكلاً من أشكال الحرية.
لهذا كله، فإن الحديث عن الموسيقى لا ينبغي أن يقتصر على كونها وسيلة للتسلية. إنها لغة للمشاعر ووعاء للذاكرة، وجسر بين الأفراد، ومرآة للمجتمع، وأحد المؤشرات المهمة على حيويته الروحية والثقافية. إنها الطريقة التي يحول بها الإنسان أفراحه وأحزانه وتجربته في الوجود إلى نغم، ويحفظ بها شيئاً من إنسانيته في مواجهة اختلالات الحياة وقسوتها.
-الموسيقى والتناغم والجمال
ارتبط اسم الفيلسوف اليوناني فيثاغورس بالموسيقى أكثر من أي فيلسوف آخر. منظوره الكلي يقوم عليها.
رؤيته تقول بأن العلاقات العددية التي تحكم الأبعاد الموسيقية نفسها هي التي تنتظم بها حركة الكون. الموسيقى عنده هي لغة الوجود الخفية وليست شيئا منفصلا عنه.
هنا بالتحديد يلتقي مع بعض تصورات الفيزياء الحديثة، ولا سيما “نظرية الأوتار”، التي سبقها بأكثر من ألفي عام ، والتي ترى المادة والطاقة بوصفهما اهتزازات لأوتار دقيقة، في تقاطع رمزي مدهش مع حدس فيثاغورس القديم بأن العالم في جوهره إيقاع ونغم
أكثر من ذلك ، يرى الموسيقى باعتبارها مفتاحا لفهم الجمال نفسه. هذا ما كتبه، وما مضى فيه الفلاسفة الذين انتموا لمدرسته. رأى الفيثاغوريون أن الجمال لا يقوم إلا على التناغم؛ أي على العلاقة المتوازنة بين الأجزاء المختلفة داخل الكل. وما الموسيقى، في نظرهم، إلا التعبير الأكثر وضوحا عن هذا المبدأ. فكما تتآلف النغمات المختلفة لتصنع لحنا واحدا، تتآلف عناصر الكون والحياة لتنتج ما نسميه جمالا أو نظاما أو معنى.
وفق منظور واسع الأفق كهذا، تأخذ الموسيقى معنى أهم بكثير من كونها أصوات تثير الغبطه في النفس، إذ تغدو صورة مصغرة عن فكرة أوسع: فكرة الانسجام. ولهذا ظل الإنسان، عبر العصور، يجد فيها شيئا يلامس أعماقه ويستجيب له بصورة تكاد تكون فطرية. تمنحه إحساسا بالنظام وسط الفوضى، وبالتوازن وسط الاضطراب، وبالمعنى وسط عالم كثير التعقيد.
هذا بالذات ما دفع بعض الفلاسفة إلى النظر إلى الإنسان نفسه بوصفه أشبه بآلة موسيقية حية. فالجسد هو الآلة، والأعصاب أوتارها، والروح هي العازف الكامن فيها. وعندما يختل الانسجام بين هذه العناصر يظهر النشاز في صورة قلق أو اضطراب أو عنف، أما حين تتناغم فإن الإنسان يبلغ حالة من التوازن الداخلي تشبه اكتمال اللحن الجميل. لهذا السبب تمتلك الموسيقى قدرة استثنائية على التأثير في النفوس؛ لأنها تخاطب شيئا يشبهها في داخلنا.
منذ أقدم العصور، أدركت حضارات كثيرة أن الموسيقى بقدر ما تؤثر في المزاج، فهي تؤثر في الشخصية والوجدان أيضا. لم يكن السؤال المطروح آنذاك: هل للموسيقى تأثير؟ لقد كان هكذا: أي نوع من الموسيقى يصنع إنسانا أفضل؟
لذلك ارتبطت الموسيقى بالتربية والطقوس الدينية والاحتفالات الجماعية، وعدّها بعض الفلاسفة وسيلة للإرتقاء بالذوق وصقل الأخلاق وتنمية الحس بالجمال.
ببساطة يمكن القول أن الموسيقى هي انعكاس لثقافة المجتمع، ومن جانب آخر تسهم في تشكيلها وإعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.
من الأفكار التي ظلت تتردد في التراث الإنساني، من الفيثاغوريين إلى العصر الحديث، الاعتقاد بأن للموسيقى قدرة على إعادة التوازن إلى النفس. هذه الفكرة اليوم أقل غرابة مما كانت عليه في الماضي، بعد أن وجد العلاج بالموسيقى بوصفه مجالا معترفا به في عدد واسع من المؤسسات الطبية والنفسية حول العالم. ما كان القدماء يعبرون عنه بلغة الفلسفة والحدس، تحاول العلوم الحديثة فهمه بلغة البحث والتجربة.
الموسيقى تقدم للإنسان لغة أكثر عمقا وجمالا ووصولا من الكلمات.
الكلمات تصف المشاعر، أما الموسيقى فتعيد خلقها في أعماقنا. الكلمات تشرح، أما اللحن فينفذ مباشرة إلى المنطقة التي تتشكل فيها التجربة الإنسانية قبل أن تتحول إلى كلمات. هذا ما يجعل أغنية واحدة قادرة على ان تعبر عن إحساس تعجز مئات الصفحات كاملة عن قوله.
في بعد آخر من معانيها الواسعة، ارتبطت الموسيقى، في مخيلة كثير من الحضارات، بفكرة التناغم الكوني. ليس بالمعنى الحرفي الذي تصور أن للكواكب ألحانا مسموعة، وإنما بمعنى أعمق يرى أن الوجود نفسه قائم على علاقات من التناسب والانسجام. ينجذب الإنسان إلى الموسيقى لأنها تذكره، ولو على نحو غامض، بأن وراء فوضى الحياة الظاهرة نظاما ما، ووراء الضجيج قدرا فائقاً من التناغم، ووراء الألم إمكانية للجمال.
هذا ما يمنح الموسيقى مكانتها الاستثنائية في حياة الشعوب. إنها محاولة الإنسان الدائمة لتحويل التجربة إلى جمال، والفوضى إلى نظام، والانفعال إلى لحن، والوجود نفسه إلى
نغمة أبدية.
-الجمال سينقذ العالم
«لقد اخترعنا الفن لكي لا نموت من الحقيقة».
ما الحقيقة التي يقصدها نيتشة؟
ربما كان يقصد ذلك الوجه القاسي للوجود؛ هشاشة الإنسان، ووطأة الألم، وعبثية كثير من الأحداث التي لا نجد لها تفسيرا مقنعا. وربما أن الحقيقة حين تظهر بكامل قسوتها قد تكون ثقيلة على النفس. أما الفن فلا يلغيها ولا ينكرها. هو بالأحرى يمنحها شكلاً ومعنى.
يلتقي هذا المعنى مع العبارة الشهيرة على لسان الأمير ميشكين في رواية الأبله لدوستويفسكي:
«الجمال سينقذ العالم».
الجمال متكاثفا في قوة روحية قادرة على مقاومة القبح واليأس والتبلد الإنساني.
والجمال هو التناغم. والتناغم نفسه هو جوهر الموسيقى ومعنى الفن .. ومعنى الحياة كذلك عند هنري ميللر: «أولئك الذين يستخدمون الروح التي بداخلهم بشكل إبداعي هم فنانون. وجعل الحياة نفسها فنا هو الغاية».
أختم بحكاية أوردها هنري جورج في كتابه دراسات في الموسيقى العربية.
قال إسحاق الموصلي: قلت ليوسف الكاتب: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز. قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن شئت أجملت وإن شئت فصلت. قلت: أجمل. قال:
«كان يغني كل إنسان بما يشتهي، كأنه خُلِق من قلب كل إنسان».
هذه الجملة القديمة المكثفة من أجمل أوصاف التأثير الفني في التراث العربي، وتختصر كل ما سبقها.
الموسيقى في جوهرها ؛ هي قدرة نادرة على الوصول إلى الإنسان من أقصر الطرق؛ الطريق الممتد بين قلب وآخر. هذه هي الموسيقى. هذا هو الفن. ولهذا بقي الغناء، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، واحدا من أكثر أشكال التعبير الإنساني صدقا وخلودا، لأنه يحفظ ما تعجز الكلمات عن قوله، ويمنح التجربة الإنسانية نغمتها الأعمق والأجمل والأكثر قدرةً على البقاء.
أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لمبادرات تستهدف ترميم المعالم التاريخية والحفاظ على التراث الثقافي في اليمن، مؤكداً أن قطاعي التراث والفنون لا يمثلان إرثاً تاريخياً فحسب، بل يشكلان مصدراً للفرص الاقتصادية والعمل، خصوصاً للشباب والحرفيين.
وقال الاتحاد الأوروبي إن جهوده، بالتعاون مع شركائه، تركز على دعم مشاريع ترميم المواقع التاريخية، وتمكين العاملين في الحرف التقليدية، وتعزيز الصناعات الإبداعية بوصفها مجالاً للتعبير والابتكار والإسهام في تعزيز التماسك الاجتماعي.
ويأتي الإعلان في وقت تواجه فيه المعالم والمباني التاريخية في عدد من المدن اليمنية تحديات متزايدة نتيجة سنوات من الإهمال وضعف أعمال الصيانة، فضلاً عن الأضرار الناجمة عن الأمطار الغزيرة والسيول المتكررة التي تهدد أجزاء واسعة من الموروث العمراني والتاريخي للبلاد.
وتبرز مدينة صنعاء القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي، كواحدة من أكثر المناطق تأثراً، إذ تعرضت لأضرار متفاوتة جراء السيول، شملت انهيارات جزئية وكاملة في عدد من المنازل والمباني التاريخية، إلى جانب تشققات وتسربات مائية تهدد عشرات المنشآت الأخرى بالانهيار.
كما طالت الأضرار مواقع ومبانٍ تاريخية في محافظات أخرى، بينها تعز وإب وزبيد التاريخية، حيث تسببت الأمطار الغزيرة والانهيارات المرتبطة بها في إلحاق أضرار بعدد من المباني التراثية، وسط تحذيرات من تزايد المخاطر مع استمرار موسم الأمطار وغياب التدخلات الكافية للحفاظ على هذه المواقع.