مقالات

هل هي رسائل ردع أم بداية حرب؟

30/07/2026, 18:25:21

- قراءة في التحول المحتمل للعقيدة الأمنية السعودية ومآلاته الإقليمية.

أحيانًا لا يكون الحدث هو ما يستحق القراءة، بل ما يكشفه من تحولات كانت تنمو بصمت منذ سنوات. فالتاريخ لا يتغير دائمًا بالانفجارات الكبرى، بل قد يتغير بضربة محدودة، تكشف أن مرحلة كاملة قد انتهت، وأن مرحلة أخرى بدأت تتشكل.

فإذا صح أن السعودية بدأت توسع نطاق عملياتها العسكرية لتشمل مواقع لميليشيات مرتبطة بإيران خارج اليمن كما جرى في العراق مؤخرًا، فإن أهمية الحدث لا تكمن في عدد الأهداف التي ضُربت، بقدر ما تكمن في الدلالة التي يحملها هذا التحول.

فالسعودية، منذ عقود، عُرفت بسياسة تميل إلى الاحتواء أكثر من المبادرة العسكرية، وإلى إدارة الأزمات أكثر من السعي إلى حسمها، حتى مع خصومها. 

ولهذا، فإن أي انتقال من سياسة الاحتواء إلى استخدام القوة خارج الحدود يستحق التوقف عنده، لأنه يعكس تغيرًا في تقدير المخاطر، أكثر مما يعكس تغيرًا في القدرات.

لكن، هل نحن أمام بداية حرب إقليمية؟

من المبكر الجزم بذلك.

في تقديري، يبقى السيناريو الأقرب، في هذه المرحلة، أن تكون تلك الضربات رسائل ردع محسوبة أكثر منها إعلانًا عن حرب مفتوحة؛ رسائل موجهة إلى الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، وإلى طهران، وربما إلى الحكومة العراقية أيضًا، مفادها أن المملكة لم تعد تقبل أن تتحول أراضي الدول المجاورة إلى منصات تنطلق منها التهديدات التي تستهدف أمنها ومصالحها.

وهذا ينسجم مع النهج السعودي التقليدي الذي يفضل استخدام القوة بصورة محدودة لتحقيق أثر سياسي، أملاً في تعديل سلوك الخصم دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

غير أن المشكلة في الرسائل العسكرية أنها لا تحقق أهدافها دائمًا.

فإذا أخفقت في فرض الردع، وتحولت الضربات المتبادلة إلى نمط مستمر من التصعيد، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مواجهة إقليمية تختلف في طبيعتها عن كل ما شهدته خلال السنوات الماضية.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

من المستفيد من انتقال المنطقة إلى هذا المستوى من الصراع؟

قد لا تكون الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل تتحرك ضمن خطة واحدة أو تنسيق مباشر، لكن ذلك لا يمنع أن تجد كل واحدة منها، بدرجات متفاوتة، مصالح معينة في اتساع دائرة المواجهة إذا وصلت إلى هذا السيناريو.

فإسرائيل قد تكون من أكثر الأطراف استفادة إذا انتقلت المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما يخفف من تركّز الضغوط عليها وحدها، ويجعل قوى المنطقة تستنزف جزءًا من قدراتها في صراعات متبادلة.

أما الولايات المتحدة، التي اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، فقد ترى في تحمل الحلفاء جزءًا أكبر من أعباء الأمن الإقليمي اتجاهًا ينسجم مع سياساتها، وإن كانت في المقابل لا ترغب في حرب شاملة تهدد الاقتصاد العالمي أو تفرض عليها العودة إلى تدخل واسع.

أما إيران، فإن أي مواجهة مباشرة مع السعودية قد تمنحها، إذا استطاعت إدارة كلفتها، فرصة لإظهار قدرتها على الردع، وتعزيز مكانتها الإقليمية، في إطار تنافس يتجاوز البعد العسكري إلى النفوذ السياسي والجيوسياسي والديني في العالم الإسلامي. لكن خوض حرب مفتوحة كهذه قد يكشف حدود قدرة إيران على الاستنزاف الطويل.

لكن، بعيدًا عن سؤال المستفيد، تبرز مفارقة أكثر أهمية.

فإذا تحولت هذه الرسائل إلى حرب، فإن السعودية لن تكون أمام مواجهة مع ميليشيا محلية، كما كان الحال في السنوات الأولى من الحرب في اليمن، بل أمام شبكة إقليمية واسعة راكمت خلال السنوات الماضية خبرات قتالية، وطورت قدراتها العسكرية، وامتدت جغرافيًا عبر أكثر من ساحة.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية.

فالمواجهة التي كان يمكن أن تُخاض قبل سنوات ضد تهديد أكثر محدودية، قد تُخاض اليوم بعد أن أصبح الخصم أكثر انتشارًا، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على الاستنزاف.

ولعل هذا يعيد طرح سؤال مشروع ظللنا نردده في كثير من التناولات السابقة:

ألم يكن بالإمكان تحقيق مستوى أعلى من الردع، وبكلفة أقل، عندما كان مركز ثقل هذا المشروع لا يزال متمركزًا في اليمن، وقبل أن تتسع شبكاته الإقليمية إلى هذا الحد؟

هذا السؤال لا يهدف إلى إعادة قراءة الماضي بقدر ما يسعى إلى فهم كلفة القرارات المؤجلة.

فالحروب لا تصبح أقل كلفة مع مرور الزمن، بل غالبًا ما تصبح أكثر تعقيدًا عندما يُمنح الخصم الوقت الكافي لإعادة تنظيم نفسه، وتطوير أدواته، وتوسيع نطاق نفوذه.

ذلك أن قراءة التجربة لا تكتمل بالنظر إلى أسباب المأزق فحسب، بل أيضًا بالبحث عن المسار الأقل كلفة للخروج منه.

ومع ذلك، فإن تأخر المواجهة لا يعني أن الخيارات قد انتهت.

فما يزال أمام السعودية طريق قد يكون أقل كلفة وأكثر استدامة لتحقيق الردع، يبدأ من اليمن نفسه.

ليس باعتبار اليمن ساحة صراع بالوكالة، بل باعتباره الحلقة التي ما تزال تمثل أقصر الطرق لتحقيق الردع، إذا توافرت الإرادة السياسية لدعم قيام دولة يمنية تستعيد احتكار السلاح الشرعي، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتنهي وجود الميليشيات المسلحة.

غير أن هذا المسار ليس سهلاً ولا سريعاً. فبناء دولة يمنية قادرة على احتكار السلاح يتطلب تجاوز انقسامات داخلية عميقة، ومواجهة نفوذ إقليمي متعدد، وتوفير حد أدنى من التوافق بين القوى اليمنية نفسها. ومع ذلك، فإن صعوبة هذا الخيار لا تلغي أنه يبقى، على المدى المتوسط والطويل، أقل كلفة وأكثر استدامة من الاستمرار في معادلة الضعف التي أثبتت السنوات الماضية فشلها في حماية الأمن القومي اليمني والسعودي معًا.

ومن هنا، قد يكون من المناسب لصانع القرار السعودي إعادة النظر في فرضية سياسية حكمت جانبًا من العلاقة مع اليمن لعقود، ومفادها أن أمن السعودية يتحقق كلما بقي اليمن ضعيفًا.

فالسنوات الماضية أظهرت أن اليمن الضعيف لم يتحول إلى منطقة عازلة توفر الأمن، بل إلى بيئة تمددت فيها الميليشيات، وتضخمت فيها الفوضى، حتى أصبح الخطر يتجاوز الحدود اليمنية ليطال الأمن القومي السعودي نفسه.

وربما آن الأوان لاستبدال تلك المعادلة بمعادلة مختلفة.

فالمصالح السعودية المشروعة لا تتعارض مع قيام دولة يمنية قوية، بل يمكن تحقيقها بصورة أكثر استقرارًا عبر شراكات واتفاقات واضحة مع دولة ذات سيادة تحتكر السلاح، بدل ربطها بمعادلات الضعف والانقسام التي أثبتت التجربة أنها لم تحقق الاستقرار، بل أسهمت في تعقيد المشهد وإطالة أمده.

ولعل أكبر درس تقدمه هذه اللحظة هو أن الدول قد تنجح أحيانًا في حماية بعض مصالحها الآنية، لكنها قد تدفع ثمن ذلك لاحقًا من أمنها القومي إذا بُنيت تلك السياسات على فرضيات لم يعد الواقع يؤيدها.

فإضعاف الدول قد يمنح نفوذًا مؤقتًا، لكنه قد يخلق أيضًا فراغات تنمو فيها قوى لا تعترف بالحدود، ولا تلتزم بقواعد الردع التقليدية.

وعندما يحدث ذلك، لا يصبح السؤال: من بدأ المواجهة؟

بل: لماذا أصبحت كلفة تجنبها في الماضي أقل بكثير من كلفة خوضها اليوم؟

وربما لهذا السبب، فإن الأمن القومي لا يُبنى فقط بما تملكه الدول من جيوش وأسلحة، بل أيضًا بنوعية الخيارات التي تتخذها في اللحظات الفاصلة.

فبعض القرارات لا تظهر كلفتها فورًا، لكنها تعود بعد سنوات في صورة أزمات أكبر، وحروب أصعب، وأثمان أعلى مما كان يمكن تجنبه لو حُسمت الأمور في وقتها.

ولذلك، فإن أخطر ما في الحروب ليس دائمًا لحظة اندلاعها... بل سنوات التراخي التي سبقتها.

مقالات

الحكومة وفضيحة الابتعاث

تفجرت منذ أيام قنبلة فضيحة مالية وإدارية ما تزال شظاياها تتناثر في المجتمع اليمني، وأحدثت ضجة وتفاعلًا كبيرين، لا يقلان عما أثاره استعداد حماس للمعركة إثر التصعيد الأخير. وما زالت تفاعلات هذه الفضيحة تتوسع، وتغطي صفحات فيسبوك، مع وعود بنشر وثائق جديدة، ومع هذا لا يوجد أي تعليق واحد من هذه الحكومة.

مقالات

الخليج تحت الضغط: كيف حوّلت إيران فجوات الإقليم إلى طوق حول السعودية؟

كشفت حرب 2026 قدرة طهران على إحداث أذى واسع بأدوات محدودة الكلفة، مستفيدة من تركز المصالح والمنشآت الحيوية الخليجية في نطاقات ضيقة، واعتماد اقتصادات المنطقة على استمرار الطاقة والملاحة والتجارة من دون اضطراب. ويمثل الأمن والاستقرار رأسمالًا رئيسيًا لدول الخليج؛ فأي اهتزاز في صورتهما ينعكس سريعًا على الأسواق والتأمين والاستثمار والعمالة الأجنبية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.