تقارير
المرضى في صنعاء.. رهونات للمستشفيات لضمان السداد أو الموت
لم تستقبل المستشفيات الخاصة في اليمن حالات الإسعاف الطارئة مبدئياً مهما تكن خطورتها، الا بعد استكمالها الإجراءات الخاصة بدفع رسوم العلاج المقررة، إذ يصادف الأمر في أغلب الحالات بعدم توفّر السيولة المالية لدى أقارب المرضى.
وتحت ضغط إدارة المستشفى بطلب رهونات شخصية، يضطر مرافقو المرضى إلى تقديمها، من أجل تأمين كل الفواتير العلاجية للحالة، وضماناً بوفاء الالتزام بدفع المبلغ المستحق على المريض.
يقول محمد عثمان -مسؤول حسابات النزلاء بالمستشفى الأوربي الحديث في صنعاء- لموقع "بلقيس": "كثير من الرهونات، التي نستلمها من أقارب المرضى، فقط في حالة الإسعاف الطارئة، لأنهم بنفس الوقت لا يمتلكون المال، ونأخذ الرهن حتى يتم سداد المبالغ المستحقة للمستشفى على المريض".
تبدو المأساة في تفاصيل الأسر العاجزة عن إنقاذ حياة مرضاها داخل عيادات المستشفيات الأهلية في اليمن، خصوصاً مشافي صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، في ظل بقاء تعقيدات الأوضاع المعيشية، واستمرار تدهور خدمات القطاع الصحي العام
محمد عقيل -صاحب رهن في أحد مستشفيات صنعاء- قال لموقع "بلقيس": "أصيب والدي بجلطة دماغية، أسعفته للمستشفى، ونقلوه غرفة العناية المركّزة لأكثر من 10 أيام وتوفي، لما طالبنا بإخراج الجثة أعطونا كشف حساب بالمتبقّي، كان مبلغا كبيرا تركت سيارتي بالمستشفى من شأن الدّفن، إلى اليوم وهي مرهونة عندهم".
- ضمانات متعددة
يفرض الوضع الصحي الطارئ لكثير من الحالات المرضية على بعض الأسر تقديم ما بحوزتها من مقتنيات خاصة كضمانات مادية بالدّفع لاحقاً لتلك المستشفيات.
وهذه الرهونات، التي توضع كتأمين مقابل استمرار إسعاف الحالة المرضية، تتنوّع بين سيارات وأسلحة وذهب، وكذلك "جنابٍ" ثمينة.
تقول "أم نجيب" لموقع "بلقيس": "أسعفت ابني لمستشفى آزال، لأنه يعاني من لحميّة الأنف، ويحتاج لعملية، دفعت جزءا من قيمة العملية، وتركت ذهباً ثمنه أكثر من الباقي، بأجمعَه وأسددهم وأخرج الرهن حقي".
وتعتذر بعض المشافي عن تقديم خدماتها العلاجية العاجلة للمرضى في حالة العجز عن الدفع نقداً، نظير مهامها الطبيّة الطارئة، إذ تلقَى بعض الحالات المرضية حتفها لحظات الانتقال من مشفى إلى آخر.
يؤكد يعقوب عثمان مطهر - مشرف حسابات المرضى في المستشفى الاستشاري بصنعاء - خلال حديثه لموقع "بلقيس": "لا نقبل أي رهونات من أسرة المريض، إلا بعض الحالات الضرورية، لفترة قصيرة، وبمبلغ صغير لا يتعدى 100 ألف ريال".
- بلا إنسانية
يفتقر أغلب مُلاك المستشفيات الأهلية في اليمن إلى الجانب الإنساني بصورةٍ لافتة، حيث المال وتحقيق الأرباح يسيطران داخل نفوسهم القاسية، على حساب حياة الكثير من الحالات العلاجية البائسة، حيث لا إسناد ولا مُراعاة للأوضاع، ولا خدمات طبية عاجلة تُمنح للمرضى المعدمين.
الناشطة الصحية تيماء ناشر في هيئة المستشفى الجمهوري بصنعاء تقول لموقع "بلقيس": "المستشفيات الخاصة بدون رحمة وضمير إنساني، ما يقبلوا المريض الذي يحتاج لإسعاف عاجل، لأنه غير قادر على دفع المبالغ المالية التي تُطلب منهم، بعضهم يتم نقلهم إلى هنا أو أي مستشفى حكومي، تكون حالته خطيرة ويموت، لأنه ما يحصل على الاهتمام أو الرعاية الطبية اللازمة".
الأمر الذي أكده الشاب صدام مهيوب محمد، في حديثٍ لموقع "بلقيس": "نقلت الوالد لأكثر من مستشفى، ويطلبوا منا مبالغ كبيرة مقابل الرقود، كان مصابا بفشل كلوي، رجعته للمستشفى الجمهوري، أدخلوه العناية المركّزة يومين وتوفي، رحمه الله".
على طريق فقر الضمير الإنساني للباحثين عن الثراء من أوجاع الآخرين، لم يمهل الموت تلك الأجساد المعلولة بالأوبئة ومآسي الحياة.
- ظروف عصيبة
يتكبّد بعض الأهالي خسائر مالية فادحة خلال رحلة الإسعاف العاجلة لمرضاهم في مستشفيات محلية خاصة، إضافةً إلى وضع مقتنياتهم الشخصية كرهونات ضمان لتسديد الفواتير وخشيةً من التهرّب.
ومهما ساءت حالات المرضى، التي تصل بعضها إلى الموت، ترفض إدارات تلك المشافي الإفراج عنهم أحياءً أو أمواتا، إلا بعد ضمان أتعابها.
تضيف الناشطة الصحية: "حالة المرضى المادية سيّئة، يحتاجون إلى مساعدات عاجلة تنقذهم من الموت، المستشفيات ما يساعدوا أحدا".
تبقى الرهونات الشخصية، من سيارات وجنابي وأسلحة نارية ومجوهرات، نظاما سائدا تعمل به مستشفيات البلاد الخاصة، من لحظة عدم القدرة على سداد المبالغ الصغيرة، ناهيك عن التكاليف الكبيرة التي لا تقبل الا بالدفع نقداً أو مغادرة الحالة.