تقارير

حرب ثقافية بنفَس طائفي.. كيف تتشكل هُوية جيل جديد في مناطق سيطرة الحوثيين؟

16/01/2021, 07:40:20

بالتوازي مع الحرب (العسكرية) الدائرة بين السلطة اليمنية الشرعية وجماعة الحوثيين، تجري حربٌ أخرى شبه منسية في مناطق سيطرة الحوثيين، تتمثل في الحرب الثقافية التي تستهدف الجيل الجديد بشكل رئيسي، وميدانها المدارس والجامعات والمساجد وما تسمى 'الدورات الثقافية'، وهي حرب تستهدف الهُوية اليمنية بكل تفاصيلها، تبدأ بالعقيدة وتنتهي بالرموز الوطنية والتاريخية، وتفخخ المجتمع بجيل جديد معبّأ بثقافة العنف والقتل والكراهية والاستعداد الدائم للقتال وحمل السلاح، خدمة لمشروع الحوثيين السلالي العنصري القائم على فكرة 'الحق الإلهي' في السلطة والثروة.

وتشمل هذه الحرب العديد من الإجراءات التي تشمل التدمير الممنهج للتعليم الذي كان قائما، من خلال تدمير العديد من المدارس وتحويل بعضها إلى مخازن سلاح أو مأوى للنازحين، وإيقاف طباعة الكتاب المدرسي، ونهب رواتب المعلمين، وإجراء تغييرات على المناهج في حال طباعة بعضها، وإلزام المدارس الأهلية والجامعات الحكومية والأهلية بتدريس مواد جديدة في كل الصفوف والأقسام والمراحل الدراسية، تركز على تدريس الفكر الطائفي الذي ينشر الكراهية داخل المجتمع ويحرّض على القتل وتمجيد ما تسمى "السلالة الهاشمية" ورموزها وقتلاها، وغير ذلك من محاولات تكريس واقع جديد يضمن هيمنة الحوثيين وسيطرتهم، وتحويل المجتمع إلى مجرد مقاتلين في صفوف مليشياتهم.

تعبئة طائفية وقتالية

في يوليو 2019، كشف تحقيق صحفي، أعدته شبكة "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية" (أريج)، عن قيام الحوثيين بتحويل التعليم والمؤسسات التعليمية إلى منصة للتعبئة الطائفية والقتالية في أوساط الطلاب.

وأشار التحقيق إلى الكثير من الوقائع والشواهد التي تكشف حجم التدمير الممنهج الذي لحق بالتعليم على أيدي الحوثيين، وكيف تحولت المدارس إلى ساحات للفعاليات الطائفية، بعد صدور تعميم لجميع مدارس أمانة العاصمة (صنعاء) بفرض إقامة وقفات احتجاجية في طابور الصباح.

كما تتضمن الأنشطة غير المنهجية للحوثيين دعوات إلى التعصب وحمل السلاح، ودفع طلاب إلى جبهات القتال، فضلا عن إساءات لرموز وقناعات عقيدة الطلبة ممن لا يتبعون المذهب الديني للحوثيين.

وخلال السنوات الماضية، استقطب الحوثيون عددا كبيرا من المدرّسين وعيّنوا مديري مدارس موالين لهم، بهدف نشر الفكر الطائفي المستقى من ملازم مؤسس المليشيات (حسين الحوثي).

ولفت التحقيق إلى قيام المليشيات بتنظيم دورات طائفية للمدرسين، ومن يرفض يتم إجباره بالقوة على حضور الدورة التي تستمر عدة أيام.

وقال أحد مدراء المدارس، الذين حضروا إحدى تلك الدورات بالقوة، إن معظم المحاضرات التي شارك فيها على مدى أسبوع مع 27 من مديري ووكلاء مدارس أخرى، تركز على "حق الولاية للإمام علي بن أبي طالب" وأبنائه من بعده، كما تحث على نصرة المليشيات الحوثية بالمال والرجال وحشد الشباب للالتحاق بالقتال.

ويطالب المحاضرون بتوظيف الأنشطة والإذاعة المدرسية في تعزيز هذا التوجه وغرس الولاء في نفوس الطلاب للحوثي، الذين يعتقدون بأن الله "ولاه على المسلمين".

وأورد التحقيق،أيضا، معاناة ملاك المدارس الخاصة، والذين يتعرضون لضغوط كبيرة من قِبل الحوثيين، لتنفيذ أنشطة تسهم في تحويل الطلبة إلى عناصر متعصبة لا يمكن أن تساعد في خدمة المجتمع، مما دفع البعض إلى التفكير في إغلاق مدرسته وتسريح المعلمين والموظفين.

التعليم بين التطييف والحرمان

لا تقتصر الحرب الثقافية الحوثية على نشر التعليم الطائفي والتعبئة القتالية، وإنما تشمل أيضا تدمير التعليم الرسمي الذي كان سائدا قبل الحرب، ففي المدن والمناطق التي يواجهون فيها صعوبات في نشر التعليم الطائفي، بسبب الرفض الشعبي لهم أو عدم وجود مدرسين ينشرون الفكر الطائفي الحوثي، فإنهم يعملون على تدمير كافة المؤسسات التعليمية فيها من خلال أساليب متعددة. 

وبسبب توقف المدارس عن العمل، منذ بداية الحرب في مارس 2015 وحتى الآن، حُرم مئات الآلاف من الأطفال من الدراسة لينضموا إلى نحو 1.6 مليون طفل لا يرتادون المدرسة منذ فترة ما قبل النزاع.

وأكد تقرير صادر عن مركز 'الدراسات والإعلام التربوي' أن عدد الأطفال خارج المدرسة، منذ بداية الحرب وحتى الآن، وصل إلى 1.4 مليون طفل في سن التعليم العام، إضافة إلى 1.7 مليون طفل قبل اندلاع الحرب، وبذلك يرتفع عدد الأطفال المحرومين من التعليم إلى 3.1 ملايين طفل. 

ولفت التقرير إلى أن الحرب أدت إلى إغلاق 1400 مدرسة في عموم المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون، بالإضافة إلى أن تأثير انهيار التعليم في اليمن لا يهدد مستقبل البلاد فحسب، وإنما ستمتد مخاطر ذلك إلى المجتمع الإقليمي والدولي، وعلى المجتمع الدولي ودول 'التحالف العربي' تحمل مسؤولية إنقاذ التعليم في اليمن.

وقد دفع سلوك الحوثيين التدميري آلاف المعلمين إلى ترك مدارسهم والتوجه للبحث عن مهن بديلة لسد رمقهم وتوفير القوت الضروري لذويهم بعد أن قطعت المليشيات رواتبهم عنوة، في حين بقي البعض الآخر يكافح من أجل القيام بدوره التعليمي في الحد الأدنى، لكن تحت رحمة قادة الجماعة وعناصرها.

انتهاكات ضد العملية التعليمية

وبقدر حرص مليشيات الحوثيين على نشر التعليم الطائفي، فإنها ترتكب جرائم وانتهاكات لا حدود لها بحق العملية التعليمية التي لا تخدم حربها الثقافية على اليمنيين.

وكشف تقرير حكومي حديث، صدر في أكتوبر الماضي، عن تزايد انتهاكات مليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء ضد العملية التعليمية.ووثق التقرير الصادر عن مكتب حقوق الإنسان اعتداءات المليشيات الحوثية بحق التعليم في أمانة العاصمة، والتي بلغت نحو 8 آلاف و140 انتهاكا خلال عام واحد، في الفترة من 5 أكتوبر 2019 حتى 4 أكتوبر 2020.

وذكر التقرير، الصادر بعنوان "التعليم بين التجريف والتطييف"، أنه خلال ست سنوات منذ سيطرة المليشيات مارس الحوثيون فيها كل أشكال القتل والتجويع والتدمير والتعذيب والنهب وتعطيل حركة الحياة بالكامل، وتحديدا في صنعاء، موضحا أن انتهاكات المليشيات بحق التعليم في أمانة العاصمة تمحورت حول عمليات القتل والوفاة تحت التعذيب، إلى عمليات الفصل والتعسف الوظيفي للمعلمين وتغيير المناهج وخصخصة المدارس وفعاليات وأنشطة تطييف التعليم.

وقال التقرير إن مليشيات الحوثي تجاوزت كل وصف فيما ترتكب من جرائم بحق الشعب اليمني، بما فيها من اعتداءات على العملية التعليمية والمعلمين، داعيا الجهات المعنية داخليا وخارجيا إلى الوقوف بجدية أمام هذه الانتهاكات الجسيمة.

المصدر : خاص

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.