تقارير

في ذكرى ثورة 11 فبراير 2011.. إعادة قراءة المشهد

11/02/2023, 16:12:58
المصدر : خاص

في الذكرى الثانية عشرة لاندلاع ثورة 11 فبراير 2011، قد يبدو للمتشائمين أن الأحداث التي تشهدها البلاد تجاوزت الثورة، لكن بما أن الثورة كانت أهدافها الرئيسية توجيه بوصلة مستقبل البلاد نحو السياق الطبيعي للدولة الحديثة، فإن تلك الأهداف ستظل تمثل المحور الأساسي في أي نقاش يتعلق بمستقبل اليمن وإنهاء الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي الذي يغذي الانقسامات والاقتتال البيني ويعادي الثورة، لدرجة إصدار توجيهات بمنع الاحتفال بذكرى اندلاعها، والضغط على الأحزاب السياسية والحكومة اليمنية ومختلف المكونات لمنع الاحتفال بذكرى الثورة، وتمويل حملات لشيطنتها أو التبرؤ منها.

ومع طول أمد الحرب في البلاد، وعدم تحقق الأهداف الكاملة لثورة 11 فبراير، فإن ذلك يقتضي أن تتحول ذكرى اندلاع الثورة إلى مناسبة سنوية لإعادة تقييم المشهد ومراجعة الأخطاء ودراسة كل ما يتعلق بمسار الثورة، والحرص على جعلها حاضرة دوما في المزاج الشعبي كمرشد ودليل سياسي للانتقال باليمن إلى بر الأمان، ومواجهة حملات شيطنة الثورة وإدانتها وتحميلها أوزار المليشيات الانقلابية والتدخل الأجنبي المعادي للثورة ولوحدة البلاد ونظامها الجمهوري.

- هل كانت ثورة 11 فبراير ضرورية؟

التساؤلات السائدة عن جدوى ثورة 11 فبراير هي في الحقيقة تساؤلات مضللة، الهدف منها إيجاد إجابات مضللة، لأن جميع الثورات في العالم عبر التاريخ لم تكن ترفية، وإنما كانت استجابة طبيعية لتراكمات كثيرة هيأت الأسباب لاندلاعها، أي أنها كانت نتاج تراكمات طويلة من معاناة الشعوب وحرمانها من أبسط حقوقها، وتراكم فساد الأنظمة الحاكمة واستبدادها وفشلها في الاستجابة للمطالب الشعبية، وعدم قدرتها على إصلاح ذاتها. ونتيجة لتلك التراكمات تندلع الثورات بشكل مفاجئ، دون تخطيط مسبق من الثوار، ودون توقع الأنظمة الحاكمة المستبدة والفاشلة حدوث ذلك الانفجار.

وتلجأ الشعوب إلى الثورات بعد أن تفشل جميع محاولاتها لإجبار الأنظمة الحاكمة على إصلاح ذاتها ومراجعة أدائها، وهو ما يتجلى في الحالة اليمنية بوضوح، فثورة 11 فبراير 2011 سبقتها احتجاجات شعبية بدأت بعد الانتخابات الرئاسية التي أجريت في العام 2006، إذ بدا للجماهير أن الانتخابات لا يمكن أن تشكل وسيلة للتغيير بعد أن كان نظام علي صالح يتلاعب بنتائج الانتخابات ويعيد إنتاج منظومة الفساد والفشل بعد كل انتخابات رئاسية أو برلمانية، فبدأت الاحتجاجات منذ مطلع العام 2007 واستمرت حتى عشية اندلاع ثورة 11 فبراير 2011.

وبدلا من أن يدرس النظام الحاكم مطالب الجماهير ويعمل على تلبيتها، فإنه واجه تلك الاحتجاجات بمزيد من التعنت، بدءا بالحوارات العبثية مع أحزاب المعارضة (اللقاء المشترك)، والتي كان يهدمها كلما قطعت شوطا لتبدأ الحوارات من نقطة الصفر مرة بعد مرة، وانتهاء بإعلانه العزم على إجراء تعديلات دستورية الهدف منها تأبيد السلطة وتوريثها، والتلويح باستخدام قوات الجيش والأمن لقمع الشعب وأحزاب المعارضة إذا استمرت المطالب بالإصلاح والتغيير.

- لماذا اللجوء للثورة؟

لا تلجأ الشعوب للثورات على الأنظمة الفاسدة والفاشلة والمستبدة إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى التي تطالب تلك الأنظمة بالإصلاح والتغيير، كالمظاهرات والاحتجاجات والإضرابات ورفع العرائض التي تتضمن المطالب الشعبية، وغير ذلك من وسائل الاحتجاج الأقل مستوى من الثورة. وبسبب تعنت الأنظمة الحاكمة، تصبح المجتمعات مؤهلة لانفجار الثورات، ولكن في لحظات مفاجئة، يعجز الجميع عن التنبؤ بها، بمن فيهم الثوار أنفسهم.

وبالرغم من أن الثورات كلفتها باهظة، وعادة ترتبط بالعنف الذي تُواجه به من قِبَل الأنظمة الحاكمة، لكنها، كما يقال، بمنزلة "آخر العلاج" وهو "الكي"، وتكون الشعوب على استعداد للتضحية بفضل التاريخ الناصع للثورات، لأن التغييرات الكبرى في العالم صنعتها الثورات، فهي تحقق نقلات نوعية وكمية في مجتمعاتها اقتصادية وسياسية واجتماعية ونهضوية ما كان لها أن تتحقق في ظل أنظمة حكم فاسدة وفاشلة وتفتقر للكفاءة والأهلية، أي أن الثورات تؤدي دورا إيجابيا ومهما في حياة الأمم والشعوب، فتبدو كتجارب وخيارات براقة وجذابة، بصرف النظر عن العنف الذي تفجره الأنظمة الحاكمة دفاعا عن السلطة ومكاسبها الشخصية، ولو استسلمت الشعوب للمخاوف من الكلفة الباهظة للتغيير، لظلت ترزح تحت نير العبودية والإقطاع وظلم الحكام الفاسدين والمستبدين إلى ما لا نهاية.

- ثورة 11 فبراير.. طموح وعقبات

منذ اندلاع ثورة 11 فبراير 2011 وحتى اليوم، شهدت اليمن جملة من الأحداث والتحولات والتغيرات تعد الأكثر تداخلا وتشابكا وتفاعلا وغموضا في تاريخ البلاد الحديث والمعاصر، وليس مبالغة القول بأن اليمن قد دخلت مرحلة جديدة من تاريخها، على إثر ثورة 11 فبراير، بصرف النظر عن العقبات الكبيرة التي برزت ومحاولات تغييب الثورة، لأنه بقدر ما بدا أن التحول كبير، فإن العقبات ستكون أمامه أكبر، ولذا تفجرت جميع أزمات البلاد دفعة واحدة، وحضر الفاعلون الأجانب في البلاد دفعة واحدة بكل مساوئهم ومؤامراتهم، وبرزت جميع الانقسامات بمختلف هياكلها وخطوطها.

بمعنى أن الميراث الذي اندلعت ضده ثورة 11 فبراير عبر عن نفسه بمستويات مختلفة من العنف والانقسامات والتشظيات، وبدا أن ثورة 11 فبراير لم تندلع ضد نظام حكم فاسد ومتكلس ومنتهي الصلاحية والمشروعية ويفتقر للكفاءة، وإنما اندلعت ضد منظومة كاملة، محلية وأجنبية، ظلت جاثمة على اليمن لعقود كثيرة مضت، فهبت تلك المنظومة لرفع شعارات مضللة، وشكلت تحالفات فيما بينها لوأد حلم الشعب اليمني بحياة كريمة. 

ولتحقيق أهدافها، أحيت تلك المنظومة الانقسامات والنعرات البدائية، ووجهت سهامها نحو الثورة الشعبية السلمية، ذلك لأن الثورة تهدد مصالحها، وتهدد الامتيازات التي كانت تحصدها سواء بفضل خمول النظام الحاكم وفساده وعدم أهليته، أو جراء حالة الضعف والاغتراب الذاتي الذي كان عليه اليمن خلال حقبة ما قبل ثورة 11 فبراير بسبب سياسات النظام الحاكم وسوء إدارته للبلاد.

وبقدر ما انفجرت الثورة في وجه الجميع، رغم عدم تعمدها ذلك، فقد تكتل الجميع ضدها، مما زاد المشهد تعقيدا وغموضا، ولم يقتصر الأمر على عسكرة الثورة السلمية، باعتبار أن عسكرتها تمنح أعداء التغيير آليات ومبررات قمع الثورة عسكريا وتغييبها في متاهة كبيرة من الأزمات والمؤامرات، وإنما اقتضت الخطة إطالة الأزمة الفاصلة بين لحظة اندلاع الثورة ولحظة استعادة الدولة، أي إطالة أمد الحرب والصراع، وإصدار التوجيهات المباشرة بمنع الاحتفال بذكرى الثورة.

وأما الهدف من ذلك فهو طمس الصورة الذهنية للثورة في الذاكرة الشعبية، ومحاولة رسم صورة مغايرة للشعارات البراقة التي رفعتها الثورة، من خلال تحميل الثورة مسؤولية ما يحدث اليوم في البلاد، أي تحميلها أوزار علي صالح والحوثيين والانفصاليين وحكام السعودية والإمارات، مع أن الثورة هدفها بناء يمن جديد ديمقراطي حر مستقر ومزدهر، وليس جر البلاد إلى الخراب الذي تشهده اليوم، والذي كان نتاج المؤامرات المحلية والأجنبية على الثورة وأهدافها وعلى اليمن بشكل عام.

- هل فشلت ثورة 11 فبراير؟

تُعرّف الثورة بأنها عملية تغيير سريع وجذري للنظام السياسي، أي الإطاحة الكاملة بالنظام القديم والنخبة التابعة له، وهذا ما كانت تهدف إليه ثورة 11 فبراير 2011، ولو أن الثورة رفضت المبادرة الخليجية، التي أنعشت روح النظام الحاكم وحولت الثورة إلى أزمة سياسية، لتمكنت الثورة من تحقيق أهدافها بسرعة، وربما لن تصل البلاد إلى ما وصلت إليه اليوم، أي أن ما حدث لم يكن ثورة مكتملة، وإنما نصف ثورة، لكن كيف تعقدت الأوضاع تباعا؟

عندما تندلع ثورة وتتراجع في منتصف الطريق، فإنها بذلك تنتحر، وسيكون ذلك لمصلحة النظام الحاكم، أي نظام علي صالح، لكن ذلك النظام لم يستفد من تراجع الثورة في منتصف الطريق، وإنما انتحر ذاتيا، بتحالفه مع مليشيا الحوثيين، وانقلابه على الحكومة الشرعية التي كان له النصف منها، وكانت النتيجة خسارته كل شيء، فهو لم يستفد من التنازلات التي قدمتها له الثورة، ولم يستفد من انقلابه على السلطة الشرعية والتحالف مع مليشيا الحوثيين.

وبالنسبة للأخطاء التي وقعت فيها ثورة 11 فبراير، فأهمها أنه لم يكن لها قيادة سياسية أو قادة من المفكرين الثائرين، مما فتح المجال لأحزاب اللقاء المشترك أن تقدم نفسها كحامل سياسي للثورة، رغم أنها التحقت بالثورة بعد حوالي نصف شهر من اندلاعها، لكن ضغط الثوار استمر، وتحققت بعض أهداف الثورة، حتى وإن كان بعض ذلك شكليا، مثل إعادة هيكلة الجيش، لكن كانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني قد لامست الجرح الذي يؤلم جميع أعداء الثورة، بل وأعداء اليمن من الخارج، فحصل الانفجار الذي تم الإعداد له بإتقان في غفلة من شباب الثورة.

لم تأتِ ثورة 11 فبراير بمطالب تعجيزية، فجميع المطالب التي رفعتها مكفولة في الدستور والقانون، وإذا كان أبرز هدف رفعته هو رفض الحكم الوراثي، فمن الآن وصاعدا يستحيل أن أي حاكم يمني، أو في بلدان الربيع العربي، أن يفكر بتوريث السلطة لأبنائه من بعده، وهذا هو الهدف المشترك لجميع ثورات الربيع العربي التي اندلعت ضد أنظمة تمهد للحكم الوراثي أو مررته بالفعل، كما هو حال نظام بشار الأسد في سوريا الذي ورث حكم بلاده بعد وفاة والده حافظ الأسد.

وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد تمكنت من طي صفحة الحكم الوراثي، فإنها بذلك تكون قد نجحت في تحقيق هدفها الرئيسي، وما حصل بعد ذلك ليس فشل هذه الثورات، وإنما صعود ديكتاتوريات تحارب الديمقراطية وتعادي مطالب التغيير، وهذه قضية أخرى بحاجة لنضال جديد، واندلاع موجة ثانية من الثورات، حتى تتحقق جميع طموحات الشعوب التواقة للحرية والعدالة والمساواة والتداول السلمي للسلطة.

- العنف والتعثر والمراحل الثورية

لا توجد ثورات حققت أهدافها سريعا دون أعمال عنف وإراقة الدماء والحروب التي تشعلها الأنظمة الحاكمة والأطراف المتضررة من الثورات، سواء كانت داخلية أو خارجية، فالثورة الفرنسية، التي تعد الثورة الأم والملهمة لجميع الثورات بعدها، لم تنجح في تحقيق أهدافها إلا بعد 10 سنوات من الحروب الأهلية والعنف وإراقة الدماء وعودة النظام القديم ثم الإطاحة به مجددا، فالثورات تمر بمراحل من التعثر والتراجع والوثوب مجددا حتى تحقق أهدافها كاملة.

وهذا ما ينطبق على ثورة 11 فبراير، التي ستمر بمراحل من التراجع أو التعثر ثم الوثوب مجددا حتى تحقق أهدافها كاملة، وما يحصل الآن فهي مرحلة عبثية ليست في صالح الثورة ولا في صالح الثورة المضادة، وستأخذ مسارها من العبث حتى النهاية، علما أن شباب ثورة 11 فبراير وأنصارها كانوا أول من شكل المقاومة الشعبية المسلحة ضد انقلاب مليشيا الحوثيين وعلي صالح، وانخرطوا في الجيش الرسمي، وهم يتواجدون اليوم في كثير من الجبهات، يحملون السلاح، دفاعا عن جميع المكتسبات الوطنية التي اندلعت لأجلها ثورة 11 فبراير 2011.

ولولا تصدي أنصار ثورة فبراير للانقلابيين على الدولة والثورة وكسرهم حاجز الخوف، لكان علي صالح والحوثيون يسيطرون اليوم على اليمن بالكامل ويحكمونها بالحديد والنار، لكن بفضل الثورة، أصبح نظام علي صالح في خبر كان، والحوثيون في أضعف حالاتهم، وينبذهم الجميع، وسيتم القضاء عليهم عندما تندلع الموجة الثانية من ثورة 11 فبراير، ولو بمسمى جديد ومختلف.

عبدالسلام قائد
تقارير

دعوى قضائية في أمريكا ضد مرتزقة استأجرتهم الإمارات لاغتيال شخصيات يمنية

وسائل إعلام أمريكية تكشف عن تفاصيل دعوى قضائية رُفعت أمام محاكم فيدرالية في الولايات المتحدة، تتهم ثلاثة متعاقدين أمنيين أمريكيين بتنفيذ عمليات تصفية واغتيالات سياسية في اليمن لصالح الإمارات، ما يفتح الباب مجددًا أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية حول دور المرتزقة الأمريكيين في الصراعات الخارجية.

تقارير

مضيق باب المندب على المحك: هل سيغلقه الحوثيون؟

أطلقت إيران موجات من الصواريخ على إسرائيل يوم الاثنين، بينما نفّذ الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن هجومهم الثاني منذ بدء التصعيد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرتين مسيّرتين أُطلقتا من اليمن صباح 30 مارس.

تقارير

ترسانة مخفية أعدتها واشنطن لمواجهة محتملة مع الحوثيين

أدى استنساخ التجربة الأوكرانية إلى نقل الصراع مع الجماعات المسلحة في اليمن إلى مستوى جديد استدعى تطوير أسلحة خاصة. وأكدت القيادة الحربية الأميركية في بيان لها أن لديها" قدرات خاصة" ستستخدم في المعركة ضد الحوثيين ولا يمكن ذكرها في الوقت الحالي... فماذا نعرف عن أسلحة معركة البحر الأحمر؟

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.