تقارير
جلسة في الكونغرس الأمريكي تسلط الضوء على تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر وتدعو لاستراتيجية متعددة الأبعاد
عقدت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، من خلال لجنته الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، جلسة استماع موسعة لمناقشة الأبعاد الخطيرة المتأثرة بالأنشطة الحوثية المتزايدة في منطقة البحر الأحمر.
الجلسة التي جاءت تحت عنوان "مواجهة الإرهاب الحوثي: حماية المصالح والأمن الأمريكي في البحر الأحمر"، ركزت على تقييم مستوى المخاطر التي تمس الاستقرار الإقليمي والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، وذلك عبر الاستماع إلى شهادات من خبراء ومحللين بارزين في شؤون المنطقة.
وركزت المداخلات النيابية في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب على تقييم خطورة التهديد الحوثي، والمسؤولية الإيرانية في دعمه، فضلاً عن استعراض أبعاد الكارثة الإنسانية في اليمن.
التحدي الأساسي
أوضح النائب مايك لولر أن المليشيات الحوثية مصنفة كمنظمة إرهابية أجنبية تمتلك صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة هجومية، واستهدفت القوات الأمريكية وحلفاءها، مع إعاقة السفن التجارية في ممر مائي حرج. وبين أن الدعم الإيراني المستمر بالأسلحة والأموال والتدريب والخبرات الفنية هو الذي حول الحركة المحلية إلى كيان إرهابي يهدد المصالح الأمريكية والتجارة الدولية، ضمن نهج طهران لوكلاء ينفذون الهجمات لتتصل بتبعيتها.
وأشار لولر إلى خطورة الضغط المتزامن الذي يمارسه الحوثيون وإيران على مضيق هرمز والبحر الأحمر. ورغم قدرة القوات الأمريكية على تدمير منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات ومراكز القيادة، اعتبر أن التحدي الأساسي يتلخص في كيفية منع الجماعة من إعادة بناء قدراتها عبر الشبكات الممتدة للتمويل غير المشروع، والشركات الواجهة، والمشتريات في السوق السوداء، والدعم الإيراني المباشر. وحذر من أن بقاء هذه المنظومة يجعل المواجهة الاستنزافية مكلفة، مطالباً بتفعيل العقوبات، وضوابط التصدير، والاعتراض البحري، والاستخبارات. كما أكد على أهمية التنسيق مع الشركاء الإقليميين والحكومة الشرعية لحماية الممرات البحرية، ومنع الحوثيين من فرض واقع يهدد حرية الملاحة الدولية دون محاسبة طهران.
مخاطر على التجارة وامدادات الطاقة
واستعرض النائب جاريد موسكوفيتز هجمات الحوثيين الأخيرة التي طالت عشرات السفن التجارية والأراضي السعودية، مشيراً إلى فرضهم حصاراً بحرياً على المملكة في يوليو وإطلاق هجمات بالصواريخ والمسيرات في أغسطس استهدفت بنية تحتية تشمل منشأة لأرامكو، إضافة إلى استمرار تهديد السفن والموانئ في البحر الأحمر.
وأوضح أن هذه التحركات عززت موقعهم الإقليمي كطرف معطل ومتحالف مع إيران، مع الاستفادة من المظالم التاريخية، ما يرفع المخاطر على التجارة وإمدادات الطاقة ويعمق انخراط اليمن في التوترات الإقليمية.
وأشار موسكوفيتز إلى اعتماد الحوثيين على شبكات تهريب لتوريد المواد العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج مثل أنظمة التوجيه والإلكترونيات، داعياً لتكثيف الجهود لمنع هذه التدفقات. وعلى الصعيد الإنساني، بيّن أن اليمن يشهد أزمة حادة جراء الحرب والتدهور الاقتصادي، مع وجود 22.3 مليون شخص بحاجة للمساعدة، و18.3 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأكثر من 2.2 مليون طفل تحت سن الخامسة مصابين بسوء التغذية الحاد، إضافة إلى تفشي الكوليرا ووصول الحالات المشتبه بها إلى 93,496 حالة و250 وفاة في يناير 2026. ولفت إلى أن الحوثيين فاقموا الوضع بمصادرة الإغاثة وتوزيعها لحلفائهم، مشيراً في الوقت نفسه إلى الآثار الناجمة عن قرار الإدارة الأمريكية بإلغاء المساعدات وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عام 2025، ما تسبب في نقص التمويل لبرامج الصحة والغذاء التابعة لمنظمات دولية مثل برنامج الأغذية العالمي.
شهادات التهديدات الملاحية تحت المجهر
خلال أعمال الجلسة، قدمت الباحثة بمعهد الشرق الأوسط، ندوى الدوسري، إلى جانب الخبيرة بالمجلس الأطلسي، أليسون ماينور، شهادات تفصيلية تناولت فيها طبيعة الهجمات الحوثية المباشرة على خطوط الملاحة الدولية.
وأكدت الشهادات أن التصعيد الجاري لم يعد مجرد توتر محلي، بل تحول إلى تهديد مباشر لحرية الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب، مشددة على ضرورة صياغة استجابة أمريكية حازمة وشاملة تستوعب أبعاد هذه الأزمة الحساسة قبل استفحال تداعياتها.
السبيل الوحيد القابل للاستدامة
وشددت الدوسري على خطر الاستهانة بمليشيا الحوثي، قائلة: "لقد قللنا من شأن أيديولوجيتهم، وطموحاتهم الإقليمية، وعلاقتهم بإيران، وقدرتهم على امتلاك أسلحة متطورة".
وأوضحت الدوسري أن شعار الجماعة ليس مجرد مجاز، بل هو ركن أساسي في مشروعهم، مؤكدة أن "الحوثيين أصبحوا مركزاً شبكياً للتهديدات يتجاوز حدود اليمن، من خلال بناء روابط مع تنظيمات مثل حركة الشباب والقاعدة، والتعاون مع قوى دولية مثل روسيا والصين لتأمين المعلومات والتقنيات".
وأضافت الدوسري في شهادتها عن خيارات المواجهة: "لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحسم مشكلة الحوثيين بالقصف وحده، كما أن الدبلوماسية من دون نفوذ لن تتمكن من حلها".
وأكدت الدوسري أنه "طالما ظل الحوثيون يسيطرون على أراضٍ واسعة وعلى ملايين اليمنيين، فسيحتفظون بالقدرة على إعادة بناء القدرات التي تدمرها الضربات الجوية أو تعطلها العقوبات وعمليات الاعتراض".
وأشارت الدوسري إلى أن الحل المستدام ينبغي أن يركز على الأرض، قائلة: "السبيل الوحيد القابل للاستدامة للتصدي للتهديد الحوثي هو تمكين اليمنيين من استعادة الأراضي من الحوثيين. ولا يتطلب ذلك نشر قوات أمريكية على الأرض. فالتدخل البري الأمريكي المباشر سيكون غير ضروري وسيأتي بنتائج عكسية".
واستدركت الدوسري بالقول: "غير أن ذلك يتطلب قيادة أمريكية بالتنسيق مع حلفائها الإقليميين، ولا سيما المملكة العربية السعودية. وينبغي للولايات المتحدة أن توفر للحكومة اليمنية الدعم السياسي، والقدرات العسكرية، والمعلومات الاستخباراتية، والتدريب، والدعم المؤسسي اللازم لاستعادة سلطة الدولة، والعمل تدريجيًا على الحد من قدرة الحوثيين على ممارسة نشاطهم.
وأضافت الدوسري: "وينبغي أن يركز الدعم الأمريكي والإقليمي على القدرات التي تحتاجها الحكومة اليمنية لاستعادة الأراضي والاحتفاظ بالسيطرة عليها، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة، والقيادة والسيطرة، وقدرات مكافحة الطائرات المُسيّرة والدفاع الجوي، والأمن البحري وعمليات مكافحة التهريب، فضلًا عن تدريب القوات اليمنية وتجهيزها".
وتابعت الدوسري: "كما ينبغي ربط المساعدات باستمرار التحسن في توحيد منظومة القيادة، والمساءلة، والحوكمة"، مشددة على أن "السياسة التي تهدف فقط إلى منع تجدد القتال قد تؤدي إلى الإبقاء على الظروف ذاتها التي تُبقي الأزمة الإنسانية في اليمن مستمرة".
إستراتيجية دبلوماسية منسقة
من جانبها أكدت الخبيرة بالمجلس الأطلسي، أليسون ماينور، أن خطر الحوثيين يتسق مع نمو قدراتهم خلال العقد الماضي ليطال الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، مما يهدد بسحب نحو 4 ملايين برميل نفط يومياً من الأسواق في ظل أزمة الطاقة العالمية.
وأوضحت ماينور، أن الحملات الجوية والغارات للتحالف وللولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى العقوبات الإدارية، فشلت في القضاء على قدرات الحوثيين أو كبح رغبتهم في استهداف السفن.
وحذرت ماينور، من أن الصمود أمام الضربات عزز موقع الحوثيين داخلياً وإقليمياً، ووسع تجنيدهم وتنسيقهم مع مجموعات أخرى، ودفع روسيا لتعميق تعاونها معهم وزوّدتهم ببيانات استهداف السفن.
وشددت ماينور، على أن الحل المستدام يكمن في إستراتيجية دبلوماسية أمريكية منسقة مع الشركاء الإقليميين واليمنيين للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تُحمل الحوثيين المسؤولية وتفرض قيوداً قابلة للتنفيذ.
ودعت ماينور، إلى منع تجدد الحرب الشاملة في اليمن وعدم المشاركة في حملات عسكرية أمريكية مباشرة ذات أهداف غير واقعية تجنبًا للوقوع في "حرب أبدية" جديدة قد تجعل من اليمن منصة للنفوذ الروسي.
ونوهت ماينور، بأهمية استئناف الدعم المالي والإنساني للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لبناء قدراتها المؤسسية وخفر السواحل لمكافحة شبكات التهريب الحوثية وسد الفجوة الغذائية.
وأوصت بإعادة التأكيد على الدور الدبلوماسي الأمريكي عبر تعيين مبعوث خاص لليمن ورأب الفجوات والخلافات بين الشركاء الإقليميين (لا سيما بين السعودية والإمارات) لمنع الحوثيين من استغلالها.
مطالبات بمقاربة متكاملة
وشدد المشاركون في جلسة الاستماع على الحاجة إلى اعتماد استراتيجية متعددة الأوجه تجمع بين الضغوط الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، والتدابير الأمنية الميدانية.
وحظي هذا التوجه بتأييد واضح داخل الجلسة، حيث عكس النقاش وجود قلق مشترك لدى الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، حيال المخاطر المحدقة بالشرق الأوسط وحاجة واشنطن لتوفير الحماية اللازمة لأصولها وحلفائها الإقليميين.
توصيات سياسية وتأكيد على التمييز بين الفاعلين
واختتمت الجلسة بطرح مجموعة من التوصيات السياسية الرامية إلى تعزيز الجاهزية والاستجابة للأزمة، وفي مقدمتها زيادة مستويات التنسيق والاستخبارات المشتركة، وتكثيف الدوريات البحرية لحماية السفن، وتوثيق أطر التعاون الإقليمي لمواجهة المخاطر الراهنة.
كما دعت الشهادات المقدمة وصناع القرار إلى ضرورة التمييز الدقيق بين طبيعة الحركة الحوثية كفاعل محلي وبين النفوذ الإيراني الأوسع في المنطقة، لضمان بناء سياسات وتدابير موجهة بدقة تحقق أهدافها الأمنية والاستراتيجية.