تقارير

حزب الإصلاح والسعودية.. من التحالف المُر إلى الابتزاز السياسي

19/11/2020, 16:00:47

قناة بلقيس - عبد السلام قائد

في الوقت الذي تصنف فيه كل دول العالم المنظمات الإرهابية بحسب ما ترتكبه تلك المنظمات من أعمال عنف وقتل وذبح بحق المخالفين لها، تبدو معايير التصنيف لدى السعودية مثيرة للسخرية، فهي تصنف على قائمة الإرهاب أي حزب أو تنظيم سياسي يدعو للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وحرية الرأي والتعبير والتوزيع العادل للثروة، باعتبار ذلك خروجا على ولي الأمر وتوظيفا سياسيا للدين، وهذه المعايير في تصنيف المنظمات الإرهابية هي ذاتها لدى دولة الإمارات، وقد صنفت الدولتان حركة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لإيمانها بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وألقت هذه المعايير بظلالها على علاقة الدولتين بالأحزاب والحركات الإسلامية الداعية للديمقراطية في بلدان الربيع العربي وغيرها، بما في ذلك حزب الإصلاح في اليمن.

ومع تكرار السعودية تصنيفها لحركة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، فإن ذلك يثير التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية حول مصير علاقة المملكة بحزب الإصلاح اليمني ذي التوجه الإسلامي، وسط تكهنات بأن السعودية تستعد للغدر بالحزب في حال استغنت عن تحالفها معه وعن دوره في الحرب على مليشيات الحوثيين والنفوذ الإيراني في اليمن، بناء على مؤشرات تتمثل في الهجوم الذي تمارسه وسائل إعلام سعودية من حين لآخر على حزب الإصلاح واتهامه بتهم غير منطقية وكيدية، وأيضا شن بعض خطباء المساجد السعوديين هجوما لفظيا على الحزب، في الوقت الذي يقيم فيه أبرز القادة الإصلاحيين في الرياض، علما بأنه سبق للحزب أن نفى صلته بحركة الإخوان المسلمين، التي تصنفها السلطات السعودية كمنظمة إرهابية.

- سنوات العنف اللفظي


رغم أنه لم يصدر عن دوائر صنع القرار في السعودية أي تصريح عدائي ضد حزب الإصلاح، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011 وحتى الآن، إلا أن الهجوم الإعلامي الذي تشنه وسائل إعلام سعودية رسمية وإعلاميون سعوديون من حين لآخر ضد الحزب يثير التكهنات بشأن حقيقة الموقف الرسمي للمملكة من الحزب، خاصة في ظل مساعي العديد من الأطراف اليمنية لتسميم العلاقة بين حزب الإصلاح والمملكة، ولذا يحتار المرء في معرفة دوافع ذلك الهجوم، هل هو ابتزاز سياسي، أم مجرد مواقف فردية مدفوعة الأجر من قبل دولة الإمارات المعادية للحزب علانية، أم يعكس موقفا رسميا للسلطات السعودية من الحزب لم يخرج بعد للعلن مراعاة لمقتضيات التحالف الراهنة، أم مجرد تنفيس للأطراف التي تعمل على تسميم علاقة الحزب بالمملكة بكل وسائل التحريض والدس والنميمة السياسية.

تأسس حزب الإصلاح عام 1990، وهو العام الذي بدأ فيه عداء السعودية لحركة الإخوان المسلمين، بسبب انتقادهم للموقف السعودي المؤيد للتدخل الأمريكي في العراق، ورفضهم إصدار علماء السلفية الوهابية في بلاد الحرمين فتاوى تجيز الاستعانة بالكفار ضد الشعب العراقي، واستضافة قواعد عسكرية أمريكية دائمة في بلاد الحرمين، حينها وصفت السعودية الإخوان المسلمين بأنهم "ناكرون للمعروف"، في إشارة إلى استضافتها لهم إثر خلافهم مع الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، رغم أن تلك الاستضافة كانت بهدف إغاضة جمال عبدالناصر المعادي للإخوان، وحاجة المملكة للكوادر الإخوانية المؤهلة علميا في التدريس بالمدارس والجامعات السعودية والخطابة والوعظ والاستفادة من منهج الوسطية والاعتدال الذي يتبنونه، للتخفيف من حدة الغلو والتطرف الذي ينشره السلفيون الوهابيون في المجتمع السعودي.

ومع أن حملات التخوين والتفسيق التي وجهتها السلطات السعودية لحركة الإخوان المسلمين بدأت منذ ذلك الخلاف الذي نشب عام 1990، والذي أججه وزاد من حدته التيار السلفي المدخلي، لكن المملكة لم يصدر منها أي موقف عدائي ضد حزب الإصلاح في اليمن منذ ذلك الحين، كما أن السلفية الوهابية في السعودية لم تشن هجوما لفظيا صريحا على حزب الإصلاح. أما حملات العنف اللفظي التي كانت توجهها بعض التيارات السلفية في اليمن ضد حزب الإصلاح، منذ تأسيسه، فقد كانت في جانب منها مسايرة للسلفية الوهابية في هجومها على حركة الإخوان المسلمين واتهامها بالحزبية والخروج على ولي الأمر، ومن الجانب الآخر فقد كانت تتم بتمويل وتحريض من نظام حكم علي عبد الله صالح، بهدف تحجيم حزب الإصلاح وتقليص شعبيته لشل قدرته على منافسة الحزب الحاكم في مواسم الانتخابات.

ورغم حدة العنف اللفظي الذي تعرض له حزب الإصلاح من قبل بعض التيارات السلفية في اليمن، لكنه لم يرد على ذلك، ولم يؤثر ذلك على علاقاته السياسية بمختلف الأطراف المحلية أو الأجنبية. ولعل ما أفاد حزب الإصلاح في علاقاته الخارجية أنه ربطها بالسياسة الخارجية للدولة، ولم يتبنّ أي موقف من قضية خارجية بشكل منفرد أو مخالف للسياسة الخارجية للدولة التي يتبناها الحزب الحاكم، بل فالإصلاح لم يهتم بالشؤون الخارجية إطلاقا، وصرف كل اهتماماته نحو الشأن المحلي.

ويمكن القول إن السعودية كانت ترى في حزب الإصلاح عامل توازن في الساحة اليمنية التي تعج بأحزاب من مختلف التيارات القومية والاشتراكية التي كان لبعضها عداوات تاريخية مع السعودية، في حين لم يصدر من حزب الإصلاح أي موقف عدائي ضد المملكة، كما أن عددا لا بأس به من قادته وأعضائه تلقوا تعليمهم الجامعي في السعودية، وتأثروا بالسلفية الوهابية، وكان لرئيس الهيئة العليا للحزب الشيخ عبد الله الأحمر، رحمه الله، دور في صناعة نظرة إيجابية من قبل السعودية لحزب الإصلاح، نظرا لعلاقته الجيدة مع حكامها.

- تحالف تنقصه الثقة


رغم أن ثورات الربيع العربي أحدثت الافتراق الكبير بين السعودية وحركة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية بشكل عام، خاصة بعد دعم السعودية والإمارات للانقلاب العسكري في مصر على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، الدكتور محمد مرسي، رحمه الله، ومحاولة الدولتين التأثير على مسار الأحداث في بلدان الربيع العربي الأخرى لتحجيم الأحزاب الإسلامية وتقليص دورها، إلا أن الوضع في اليمن اتجه في مسار آخر بعد انقلاب الحوثيين وحليفهم علي عبد الله صالح على السلطة الشرعية وإجراء مناورة عسكرية بالقرب من الحدود السعودية مع اليمن، وإطلاق الحوثيين تصريحات عدائية ضد السعودية والتهديد بغزوها، وانتشاء إيران التي صرح بعض قادتها بأن صنعاء رابع عاصمة عربية تسقط بيد إيران، وأن الإمبراطورية الفارسية عادت وعاصمتها بغداد.

وفي هذه الأجواء المتوترة والمضطربة، أعلنت السعودية شن عملية "عاصفة الحزم" ضد تحالف الانقلاب، مليشيات الحوثيين وحليفها علي صالح، وكان حزب الإصلاح أول تيار سياسي يمني يعلن تأييده للتدخل العسكري السعودي في البلاد، خاصة أن أهداف التدخل المعلنة هي القضاء على الانقلاب وإعادة السلطة الشرعية إلى العاصمة صنعاء. وبعد مرور عدة سنوات من الحرب، اتضحت أهداف التحالف السعودي الإماراتي من إطالة أمد الحرب في اليمن، وبدا أن العلاقة بين حزب الإصلاح والسعودية في مهب مؤامرات التحالف السعودي الإماراتي على اليمن، كما أن السعودية لا تريد أن يكون الإصلاح المستفيد الوحيد من القضاء على الحوثيين، ولا تريد أن تفض تحالفها معه قبل أن يتم القضاء على الحوثيين وتشكيل طرف قوي مقبول شعبيا يكون هو المهيمن في اليمن والراعي للمصالح السعودية في البلاد، وهو ما عجزت عنه حتى الآن.

ومع تزايد حدة السخط الشعبي من الدور التخريبي للتحالف السعودي الإماراتي في البلاد، وانخراط عدد كبير من قادة وقواعد حزب الإصلاح في موجة الرفض الشعبي لدور التحالف والتنديد بمؤامراته التي تستهدف وحدة البلاد وسيادتها، فإن ذلك يثير مخاوف السعودية لعلمها بمدى قدرة الحزب على التأثير في البلاد، ولذا فهي لم تجد سوى ورقة "الإرهاب" للتلويح بها في وجه الحزب، من خلال تجديد تصنيفها حركة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، والإيعاز لبعض وسائل إعلامها بشن هجوم على الحزب واتهامه بالتقاعس عن الحرب ضد الحوثيين، ولعل هذه التهمة تعكس رغبة سعودية في جعل الحرب في اليمن منحصرة بين حزب الإصلاح ومليشيات الحوثيين حتى يهلك الطرفان، وإذا لم يتحقق ذلك، فهي ستظل تعمل على تطويع الحزب وجعله تحت وصايتها، أي أن يكون نسخة من تيار "المستقبل" الموالي لها في لبنان، وإذا ما حاول التحرر من وصايتها فستشهر في وجهه ورقة "الإرهاب" مباشرة، لشرعنة إقصائه وشيطنته ومحاربته.

- خيارات محدودة


ما زالت السعودية بحاجة لإبقاء تحالفها مع حزب الإصلاح في الوقت الحالي، ذلك أن مسببات التحالف ما زالت قائمة، كونها ترى أنه الأكثر قدرة على مواجهة مليشيات الحوثيين الموالية لإيران. أما هجوم بعض وسائل إعلامها على الحزب والتلويح بورقة الإرهاب في وجهه فلا يعدو كونه مجرد ابتزاز سياسي للحزب حتى لا ينخرط بكله في موجة الرفض الشعبي لمؤامرات السعودية والإمارات على وحدة البلاد وسيادتها، لكن لا يعني هذا أن مجمل الأوضاع ستبقى كما هي إلى ما لا نهاية، ذلك أن لحظة الافتراق قادمة لا محالة، إلا إذا غيرت السعودية من إستراتيجيتها في اليمن، وأخلصت في تحالفها مع السلطة الشرعية وشركائها وأثبتت جديتها في الحرب على الانقلاب الحوثي، وما عدا ذلك فإن لحظة الافتراق الكبير قادمة وستكون صادمة ومؤلمة.

والسؤال هنا: ما هي خيارات حزب الإصلاح في حال أنهت السعودية تحالفها معه وصنفته كمنظمة إرهابية لشرعنة إقصائه ومحاربته؟ في الحقيقة، رغم أن هناك عدة خيارات لحزب الإصلاح لمواجهة السعودية، لكن القيادة الحالية للحزب التي يقيم أغلبها في الرياض اعتادت على الصمت وتلقي الضربات من أطراف محلية أضعف بكثير من السعودية فكيف بالرد على السعودية ذاتها، وكل ما ستفعله لن يتعدى رفض التهم الموجهة للحزب والتأكيد على الاستمرار في التحالف مع السلطة الشرعية ضد الانقلاب الحوثي، وقد يؤدي مثل هكذا موقف إلى انقسام في الحزب، ومن ثم ينخرط معظم جماهيره في مواجهة مباشرة مع السعودية وأدواتها في اليمن، والبحث عن حلفاء جدد من الرافضين لمؤامرات السعودية والإمارات على اليمن، وخلط الأوراق على الجميع.

وفي حال أقدمت السعودية بالفعل على فض تحالفها مع حزب الإصلاح واستعدائه، سيكون من حسن حظ الحزب أن ذلك حدث في وقت ازدادت فيه حدة الغضب الشعبي من التحالف السعودي الإماراتي بعد أن بانت مؤامرات الدولتين على اليمن، وسعيهما للسيطرة على الموانئ والمدن الساحلية ومناطق الثروات السيادية، والتعدي على السيادة الوطنية، والسعي لتمزيق البلاد وإنهاء الوحدة الوطنية، ولذا فلن يعدم حزب الإصلاح حلفاء جدد ويتحول مسار الأحداث في اتجاه آخر تكون فيه السعودية هي الخاسر الأكبر.

- التحالف مع قوى إقليمية


كما أن الحزب بإمكانه التحالف مع قوى إقليمية تناصبها السعودية والإمارات العداء، وبعض تلك القوى إمكانياتها العسكرية تفوق إمكانيات السعودية والإمارات، كما أن العنصر البشري لحزب الإصلاح يفوق العنصر البشري لبقية المكونات السياسية اليمنية، وهو ما يعني أنه في حال الافتراق الكبير واستثمار حزب الإصلاح لكل الفرص الممكنة، فإن السعودية ستكون الخاسر الأكبر، وإذا افترضنا أن الإصلاح فضل التواري عن المشهد وانسحب من المواجهة، فإن اليمن ستتقاسمها مليشيات إيران ومليشيات الإمارات، وستكون السعودية أيضا الخاسر الأكبر، وستخرج من اليمن صفر اليدين، وسيتحول اليمن إلى بؤرة توتر مزمنة تهدد الأمن القومي للمملكة على الدوام.

ويمكن القول إنه في حال صنفت السعودية حزب الإصلاح كمنظمة إرهابية، فهذا لن يغير من نظرة العالم للحزب، فالسعودية أصلا ليست مخولة بتصنيف من هو إرهابي ومن هو غير ذلك، وقائمة الإرهاب التي تعلنها من حين لآخر معروف أنها قائمة كيدية صادرة من سلطة استبدادية ومتهمة برعاية فكر متشدد يمثل منبعا رئيسيا للإرهاب، كما أن تلك القائمة لن تعتمدها مختلف دول العالم، خاصة أن التاريخ السياسي السلمي لحزب الإصلاح ومشاركته في عدة دورات انتخابية وقبوله بنتائج الاقتراع، كل ذلك ينفي عنه صفة الإرهاب.

كما أن السجل السياسي لحزب الإصلاح يعد حضاريا ومشرفا على العكس من السجل السياسي لآل سعود وحكمهم الاستبدادي وإقدامهم على ارتكاب ممارسات إرهابية لم يسبق أن قامت بها أسوأ الجماعات الإرهابية في العالم، مثل ذبح صحفي وتقطيعه وإذابة جثته بمادة "الأسيد"، أي أن آل سعود هم الأقرب إلى الممارسات الإرهابية، بينما حزب الإصلاح هو الأقرب للديمقراطية التي تعد من أبرز مظاهر الحضارة، كما أن رفض الحزبية والتعددية السياسية تعد من أبرز سمات الجماعات الإرهابية، وهو ما ينطبق على آل سعود والسلفية الوهابية التي تفتي بحرمة التحزب وتكفير كل من يدعو للحزبية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة باعتبار ذلك خروجا على ولي الأمر.

تقارير

إلى أين يقود إعلان الحوثيين حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر؟

جماعة الحوثي، تعلن فرض حظر كامل على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، متوعدة بتوسيع عملياتها العسكرية ضد إسرائيل خلال المرحلة المقبلة، في خطوة أثارت مخاوف من تداعيات إقليمية قد تطال أمن الملاحة الدولية والبنية التحتية في اليمن.

تقارير

"يأخذون وظائفنا".. عمال يمنيون يخسرون فرص العمل لصالح مهاجرين إثيوبيين بأجور زهيدة

في بلد مزقته الحرب مثل اليمن، يكافح الشباب للعثور على فرص عمل، خصوصاً أولئك الذين لا يمتلكون مهارات خاصة أو شهادات تعليم عالٍ. ويعد زاهد الزبيدي، وهو في الثلاثينات من عمره، واحداً من هؤلاء الذين يخوضون معركة يومية لإعالة أسرته المكونة من خمسة أفراد.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.