تقارير

من العملة إلى البندقية.. كيف يصنع الحوثيون حربهم القادمة؟

18/07/2025, 09:53:14
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد - خاص

رغم الجمود السياسي والعسكري منذ هدنة 2022، تقف اليمن اليوم على أعتاب انفجار داخلي، مع تصاعد الغضب الشعبي ضد مليشيا الحوثيين، وتزايد الانتهاكات في مناطق سيطرتهم، وعودة التوتر الاقتصادي بعد إصدارهم فئات نقدية جديدة خارج الإطار القانوني للدولة. 

وفي حين تغري حالة التراخي الإقليمي مليشيا الحوثيين بفرض واقع جديد بالقوة، يبدو المشهد مهيئا لإشعال فتيل مواجهة كبرى قد تبدأ بحدث صغير من منظور نظرية "تأثير الفراشة"، في ظل هشاشة السلطة الشرعية والانقسامات بين المكونات المناهضة للحوثيين، ولولا تلك الانقسامات، ووجود نية صادقة لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة، لتغير المشهد تماما.

- الانقسام المصرفي كبوابة للتصعيد

يمثل إقدام الحوثيين مؤخرا على إصدار فئات جديدة من العملة المحلية تحديا خطيرا يعيد للأذهان الأزمة التي حدثت في مايو 2024، إثر إصدارهم فئة جديدة من العملة المحلية (100 ريال)، والإجراءات المضادة التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن حينذاك، وما تلا ذلك من تهديد الحوثيين بقصف السعودية واتهامها بأنها من تقف وراء إجراءات البنك المركزي في عدن، مما دفع السعودية للانحناء أمام تهديدات الحوثيين وإجبار الحكومة الشرعية على التراجع عن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي في عدن، وهو ما حدث بالفعل.

صحيح أن الواقع قد تغير اليوم نوعا ما، وأن بعض إجراءات البنك المركزي في عدن تجاوزها تصنيف واشنطن للحوثيين منظمة إرهابية وما يترتب على ذلك من عقوبات ستطال القطاع المصرفي في مناطق سيطرة الحوثيين، وبالتالي فالبنوك التي تقع مقراتها في صنعاء قد بدأت بنقل مقراتها إلى عدن بالفعل تجنبا للعقوبات الأمريكية، لكن خطوة الحوثيين التصعيدية بإصدار فئات جديدة غير قانونية من العملة المحلية لا يعني أنها أصبحت في مأمن من العقوبات المحتملة، ولكن يعكس ذلك تحديها للحكومة الشرعية ومحاولة دفعها لاتخاذ خطوة معينة تستغلها المليشيا الحوثية كذريعة لإشعال الحرب في الداخل.

ومن المتوقع أن يتواصل هذا المسار التصعيدي من جانب الحوثيين خلال الأيام أو الأشهر المقبلة، من خلال إصدار فئات جديدة من العملة المحلية (فئة 500 و1000 ريال) خارج الإطار القانوني للدولة، بذريعة سحب النقد التالف، رغم أن الكتلة النقدية الورقية المتداولة في مناطق سيطرة المليشيا تعاني من تهالك شامل نتيجة حظر الحوثيين تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية التي تصدرها الحكومة الشرعية في مناطق سيطرتهم.

ومن المحتمل أن يؤدي هذا الإجراء، أي إصدار الحوثيين فئات جديدة تشمل بقية الفئات، إلى تعميق الانقسام النقدي والمصرفي، خصوصا في حال قررت البنوك التجارية المتبقية في صنعاء نقل مقراتها إلى عدن، مما قد ينقل الأزمة إلى مستويات أشد تعقيدا.

وبما أن الإصدارات الحوثية النقدية الجديدة لن تحظى بالاعتراف في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، فإنها تفتقد إلى أحد أبرز عناصر الثقة، وهو القبول العام من قِبل المصارف والمتعاملين، بينما الطبعات القديمة من العملة كانت تستمد قيمتها من كونها قانونية ومقبولة في جميع المحافظات اليمنية رغم الانقسام المصرفي، مما حافظ على قدر من التوازن النقدي.

ولذلك من المحتمل أن يزداد الطلب على العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحوثيين كأداة موثوقة للادخار وإجراء المعاملات في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، وهذا الاضطراب النقدي سيدفع الحوثيين إلى اتخاذ خطوات تصعيدية لمحاولة فرض واقع اقتصادي جديد، حتى وإن اقتضى الأمر اللجوء للتصعيد العسكري، لا سيما إذا لم تقدم الحكومة الشرعية تنازلات تتيح للحوثيين تمرير تلك الإصدارات النقدية ضمن النظام المالي الرسمي، أو على الأقل المساومة، أي التوصل إلى ترتيبات نقدية تبادلية أو تفاهمات غير مباشرة تضمن قبولا متبادلا محدودا للإصدارات النقدية، مع إبقاء أسعار الصرف كما هي بشكلها القائم حاليا.

غير أن المضي في مثل هذه الترتيبات سيحمل تداعيات خطيرة على الانقسام المصرفي، كونه يضفي للحوثيين شرعية اقتصادية، وتعزيز لمركزهم التفاوضي في أي تسوية سياسية مقبلة، لكن الحكومة الشرعية لن تقبل بذلك إلا تحت ضغوط خارجية، بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من تقويض لرمزية سلطتها النقدية.

- تنامي السخط الشعبي

رغم الجمود السياسي والعسكري، من الملاحظ أن المواطنين يتفاعلون بحساسية مفرطة مع قضايا صغيرة أكثر من تفاعلهم مع قضايا محلية أو أزمات إقليمية كبيرة مرتبطة بالشأن اليمني، مثل الموقف الشعبي من المليشيا الحوثية بعد قتلها الشيخ حنتوس في محافظة ريمة، وقبل ذلك الغضب إزاء قتلها أحد أبناء محافظة إب المعروف بـ"المكحل"، كما بدا الموقف الشعبي متصلبا ضد المليشيا الحوثية بعد اعتقال أحد قياداتها في محافظة المهرة (الشيخ الزايدي)، وآخر في مدينة عدن (هشام شرف، وزير الخارجية السابق في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا)، وكلاهما كان يستعدان لمغادرة اليمن، وكان هناك ضغط شعبي رافض لأي محاولات للإفراج عنهما.

هذا التفاعل الشعبي المفرط في حساسيته إزاء كل ما له علاقة بمليشيا الحوثيين، يعكس كيف أن أحداثا صغيرة متفرقة قد تهيج الرأي العام وتتسبب بضجة كبيرة تثير قلق الطرف المستهدف بها، أو على الأقل تحاصره في المجال العام. 

وهذا له دلالات كثيرة تفسرها نظرية "تأثير الفراشة" المنبثقة من نظرية "الفوضى"، فالأحداث الكبيرة تبدأ شرارتها بحدث صغير، شريطة أن تكون الظروف مهيأة للحدث الكبير، وهذا ما يتجلى في الحالة اليمنية. ففي الوقت الذي يحاول فيه اللاعبون الكبار تثبيت الجمود وإقصاء الشعب من التأثير في مسار الأحداث، تأتي أحداث صغيرة متفرقة تهيج الشعب وتثير القلق وتحرك المياه الراكدة وإن كان ذلك جزئيا.

ومن منظور نظرية "أثر الفراشة"، التي تفترض أن حدثا بسيطا قد يؤدي إلى نتائج كارثية أو تطورات خطيرة غير متوقعة، فإن هذه الأحداث الصغيرة قد تشكل في السياق اليمني محفزات قوية لتحريك المياه الراكدة، وكشف حجم الاحتقان الشعبي الكامن تحت السطح، بل وتفتح شهية المجتمع لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المؤجلة حول الشرعية، والعدالة، والاقتصاد، والمستقبل السياسي.

وفي المقابل، فإن مليشيا الحوثيين، أو من يديرونها من الشيعة العرب أو الفرس، يدركون ما الذي تعنيه نظرية "تأثير الفراشة"، ولذلك فالأحداث الصغيرة أو الهامشية في الداخل تفزعهم أكثر مما يفزعهم طرف خارجي مثل الكيان الإسرائيلي، الذي لن تتضرر منه مليشيا الحوثيين، ولكنها تخشى من أي حدث محلي صغير يقلب عليها الطاولة ويشعل الغضب الشعبي في كل مكان للتخلص من تسلطها الطائفي العنيف.

واستباقا لأي حدث من هذا النوع، ترى المليشيا الحوثية أن الإفراط في قمع المواطنين بمناطق سيطرتها، والاستعدادات المكثفة للحرب مع الأطراف الأخرى، أفضل وسيلة لتجنب انتفاضة أو ثورة شعبية تندلع ضدها في مناطق سيطرتها وتمتد لتشمل المحافظات الأخرى، وقد تلجأ إلى مبدأ "أثر الفراشة" المقصود، أي افتعال حدث صغير تتخذ منه ذريعة لخلط الأوراق وإشعال الحرب لتبرير موقفها أمام الرأي العام المحلي والعربي المنخدع بشعاراتها التي تزعم مساندة قطاع غزة ضد الكيان الإسرائيلي.

- استعداد حوثي دائم للحرب

تواصل مليشيا الحوثيين مراكمة السلاح منذ السنوات الأولى من الحرب، حيث تمدها إيران بالأسلحة عبر شبكات تهريب منظمة، ويشمل ذلك صواريخ موجهة وطائرات مسيرة وأجهزة اتصال وتكنولوجيا عسكرية متقدمة، ويؤشر استمرار تدفق الأسلحة الإيرانية للحوثيين إلى وجود نية مبيتة لإشعال جولات قتال جديدة، مع مراهنة المليشيا على عناصر تفوق نوعي لتقويض ميزان القوى القائم، كونها تمتلك أسلحة لا يمتلكها الجيش الوطني وبقية المكونات، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، كما لا تمتلك الأطراف الأخرى دفاعات مضادة لهذه الأسلحة.

كما تعتمد المليشيا الحوثية على التجنيد القسري في صفوفها، مستهدفة الفئات الفقيرة والضعيفة في الأرياف وطلاب المدارس، وتستخدم الترهيب وقطع المساعدات وفرض الضرائب لإجبار الأهالي على تسليم أفراد من عائلاتهم للقتال في صفوف المليشيا، وترافق عملية التجنيد حملة تعبئة طائفية ممنهجة، تهدف إلى إضفاء طابع ديني مقدس على الحرب، وتكريس خطاب الكراهية إزاء خصومها، بما يعزز من قدرتها على التحكم بالفئات المجندة فكريا ونفسيا.

علاوة على ذلك، تكثف المليشيا من تحركاتها على خطوط التماس، وحشد تعزيزات عسكرية إلى الجبهات، مع الاستمرار في المناوشات المتقطعة رغم الهدنة، واستمرار عمليات القنص والهجمات المحدودة ومحاولات التسلل، في محاولة لاختبار الجاهزية العسكرية للجيش الوطني والأطراف الأخرى المناهضة لها، وخلق وقائع ميدانية جديدة تخدم أهدافها، وغير ذلك من التحركات التي توحي بأن المليشيا تتهيأ لتصعيد واسع النطاق عندما تحين اللحظة المناسبة بحسب معطيات الوضع الإقليمي والدولي.

وفي إطار الاستعداد الدائم للحرب، تلجأ مليشيا الحوثيين إلى النهب المنظم للموارد والمؤسسات، تحت شعار دعم المجهود الحربي، وتفرض إتاوات على التجار، وتصادر ممتلكات خصومها، وتبالغ في فرض الإتاوات والجبايات الباهظة، وتسخيرها لشراء الأسلحة وإثراء القيادات العليا للمليشيا، مما يجعل من "المجهود الحربي" ذريعة لتغذية آلة الحرب وإدامة الصراع، على حساب المعاناة المستمرة والمتزايدة للمواطنين.

ورغم استعدادات مليشيا الحوثيين الدائمة للحرب، فإن الحكومة الشرعية وبقية المكونات المناهضة للمليشيا لا تبدي أي استعداد مماثل من الجاهزية، وتعاني من ضعف التنسيق، وتفتقر لإستراتيجية موحدة أو قيادة مركزية وفاعلة، وهو ما يمنح الحوثيين ميزة المبادرة وحرية الحركة. وكلما طال أمد الصراع أكثر مما مضى، ستكون كلفة إنهاء الانقلاب الحوثي شاقة وعسيرة.

تقارير

الغارات الإسرائيلية على صنعاء بين سياق التصعيد الإقليمي ومعادلات الوساطة في غزة

يبحث هذا المقال في الدلالات الاستراتيجية للغارات الإسرائيلية الأخيرة على صنعاء، والتي استهدفت -وفق روايات عبرية- قيادات حوثية بارزة، بينما نفت الجماعة ذلك، مؤكدة أن الضربات طالت مواقع مدنية. ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة تتزامن مع تقارير عن موافقة مبدئية من حركة حماس على خطة هدنة بوساطة مصرية-قطرية

تقارير

في ظل غياب الرقابة وجشع التجار.. الفجوة مستمرة بين تعافي الريال اليمني وأسعار السلع

في شوارع العاصمة المؤقتة عدن وكما هو الحال في بقية المحافظات المحررة، يتصادم الأمل بالواقع المرير، حيث تضيء لوحات الصرافة الرقمية باللون الأخضر، مبشرةً بـ"تحسن" ملحوظ في سعر صرف الريال اليمني أمام الدولار والريال السعودي، لكن هذا التحسن، الذي طال انتظاره، لم يجد طريقه بعد إلى الأسواق المكتظة، ولا إلى جيوب المواطنين المنهكة.

تقارير

الحرية مقابل القتال.. معتقلون في سجون مليشيا الحوثي يعلنون الإضراب عن الطعام رفضاً للتعذيب وسوء المعاملة

ينفذ عشرات المعتقلين في سجن جهاز «الأمن والمخابرات» التابع للجماعة الحوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء منذ نحو أسبوع إضراباً جزئياً عن الطعام؛ احتجاجاً على استمرار احتجازهم لسنوات دون مسوغ قانوني، وتعرضهم لسوء المعاملة والتعذيب.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.