مقالات

الشارع اليمني و الثورة السورية

14/12/2024, 11:54:52
بقلم : زهير علي

إستقبل الشارع اليمني والعربي ثورة الشعب السوري بفرحة عارمة، يمكن ملاحظتها في كل مكان حولنا، سواءً في الشوارع أو المجالس أو المنتديات، فضلاً عن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يبدو للمراقب أن التوجه العام يرفض طغيان نظام الأسد الذي لم يكن يتمتع بالشرعية، وأتسم بممارساته الطائفية والقمعية التي عاشها و يتحدث عنها معظم الشعب السوري، وكذلك العرب الذين زاروا سوريا في عهد الأسد.

تلك المعاناة التي إمتدت لعقود، تحت حكم نظام شمولي مستبد، صادر حقوق السوريين وكرامتهم واستهان بهم، لدرجة تم فيها توريث السلطة من الأب للإبن في نظام جمهوري!، وبشكل قسري وجرأة عجيبة مثير للدهشة والألم، وهذا لايحدث سوى في مجتمع مقهور لايتم النظر إليه كغاية وإنما كوسيلة، و في العقد الأخير تعاظمت المعاناة، عندما واجه النظام الشعب بالقمع والتنكيل والعقاب على جرأته ومطالبته بالحرية والعدالة التي يستحقها الإنسان!

وقام بقتل عدد كبير منهم، وتهجير عدد أكبر، و تقدرهم بعض الإحصائيات بالملايين، كل ذلك جعل من سقوط نظام الأسد حدث لم يؤدي إلى إنقسام واسع بين الناس، حيث كانت الأكثرية مبتهجة بذلك اليوم المجيد، وإلى الحد الذي كان من الصعب أن يجد فيه النظام بواكي للنواح عليه، أو الحسرة على فقدانه أو التغني بمنجزاته بشكل مباشر وإنما على إستحياء، وذلك عبر تصدير مخاوف معينة، إما بقصد أو بجهل، أو بسبب عدم وضوح الرؤية وإختلاط الأمور عند البعض، ونود هنا الإشارة سريعاً إلى أهم تلك المنطلقات التي جعلت البعض يتحفظون في موقفهم من نجاح الثورة على نظام بذلك السوء، كونها برأيي غير إنسانية وعقلانية، وإنما تعبر غالباً عن موقف إيديولوجي متصلب يطلق أحكام مسبقة، مثل المخاوف الغير مبررة من الاسلاميين رغم التطمينات التي قدموها، والتحجج بالعقلانية والتأني، وصولاً إلى القول بضرورة التركيز على الشؤون المحلية وعدم التفاعل مع شأن لايخصنا وفقاً للبعض!.

ويمكننا هنا أن نتفق على أن الشؤون العربية تأتي في الأولوية بعد الشأن المحلي، ولكن فكرة أن لاعلاقة لنا مطلقاً تبدو غاية في الغرابة واللاعقلانية!، فالعالم يتأثر ببعضه، والدول المتجاورة تتأثر ببعضها أكثر، فمابالكم بالسياق العربي الذي ترتبط فيه هذه الدول بالعديد من المشتركات، فإلى جانب اللغة والتاريخ والجغرافيا المشتركة، والعقيدة السائدة، هناك ظواهر عدة في النظم السياسية والمجتمعات العربية، ومن بينها، تشابه المكونات والتيارات السياسية، وسهولة إنتقال الأفكار والحركات بين هذه الأقطار، وإنتاج رؤى ومشاريع فكرية مشتركة يفرزها المجتمع والوسط الثقافي، بل وحتى الأحزاب الوطنية ذات التوجه المحلي الصارم تنقل من بعضها وتتأثر فيما بينها في هذه الدول!، وهناك ضرورات تفرضها الثقافة والخصائص الاجتماعية المشتركة على السياسة، و تجعل من التأثير المتبادل أمر لايمكن الإفلات منه، ويبدو أن أجدادنا كانوا يدركون هذا، فقد كانوا يقولون في المثل الشعبي " أن ما بات في الشام أصبح في اليمن".

وفيما يتعلق بالتأني والعقلانية، فلايوجد مايحتم علينا الربط بينهما وبين الموقف المتردد من هذه الثورة، حيث توجد الكثير من الاصوات العقلانية التي تباركها، ومن مختلف الإتجاهات، فلايمكن للعقلانية السياسية أن ترجح نظام ووضع مثل ذلك، على حساب التحرر وإحترام أهم حقوق الإنسان، فالامر هنا لم يكن متعلق بوجود الإستقرار والأمن، مع حد أدنى من العدالة والتوافق، وإنما تغيب فيه معظم مقومات الأمن والإستقرار والعدالة، أو أي توجه للتوافق وإستيعاب المواطنين أو القوى الفاعلة في المجتمع، فنظام مثله لابد وأنه ساقط مقدماً لولا عوامل أخرى ساهمت في بقائه المؤقت. لذا سارع ذوي العقول إلى مباركة الثورة، مع أمنياتهم للشعب السوري في أن يتوفق في التحديات الصعبة التي ستواجهه، وربما تنبيههم وتحذيرهم ونصحهم في كيفية مواجهتها، فهم يدركون أن العقلانية لاتعني عبادة الوضع الراهن والحفاظ عليه وتقديسه أياً كان، وإنما بذل الجهد في تحريك الركود، وأولوية إزاحة الظلم عن الإنسان، وترشيد حياته، وبأقل خسائر ممكنة.

أما بشأن الإسلاميين، فمن غير الصواب أن نضعهم جميعاً في تصنيف واحد، فهناك الاسلاميين الذين يشجعون المؤسسات العصرية ويتقبلون العملية السياسية الديمقراطية ويشاركون فيها، وهؤلاء لابد أن يأخذوا فرصتهم وتجربتهم في الممارسة السياسية، وهذا سبعمق لديهم أهمية التمايز بين الدين والشؤون الانسانية العملية والفنية، وسيطور جوانب أخرى عندهم، بالإضافة إلى أن تواجدهم أمر تفرضه الحقائق الإجتماعية والثقافية للمنطقة، وعدم تقبلهم بالمطلق يعد تعدي على حقوق الإنسان التي نطالب بها ونتطلع إليها، مثل حقه أو حريته في الفكر والتنظيم والتجمع والمشاركة السياسية وغيرها.

فإذا كنا نريد التحدث بعقلانية، فعلينا تأييد إشراكهم، كونها خطوة مهمة ليس فقط من أجل تطويرهم، وإنما تطوير الجزء الأكبر من المجتمع أيضاً، كما قد يساهم هذا في الحد من ظاهرة التطرف، فأي تغيير في المجتمع لن يكون سوى عبر نضوج وتطور مكوناته الاساسية، وليس عبر قمع غالبية المجتمع أو جزء كبير منه، وبصورة تنتج ذلك الفصام بين الدولة والمجتمع، إلى جانب الإنفصال والتعالي لبعض النخب الثقافية الحديثة عن مجتمعها، أو ربما سلبها لإنسانيته بشكل غير مباشر، عبر فقدان الأمل فيه والرغبة في الوصاية عليه، مما ينتج عدم الفاعلية السياسية والتنموية التي تتطلب تضافر جميع الجهود بالضرورة، ومن المهم جداً الترحيب بأي خطوات يقوم بها الإسلاميين نحو المشاركة السياسية، وتبني المؤسسات الحديثة، والعملية الديمقراطية، فماهو المانع في أن نجد تجربتهم يوماً ما وقد أصبحت من عدة نواحي مثل حال الأحزاب المسيحية في أوروبا، وفي كل الأحوال يهمنا في هذه التجربة، أن تكون جميع التفاعلات السياسية والبرامج المختلفة في إطار يحافظ على حقوق المواطنة المتساوية، مما يساعد في بناء دولة قادرة على المضي في طريق التنمية..

مقالات

المكارثية الجديدة: حين تصبح مناصرة فلسطين تهمة

في الخمسينات من القرن الماضي، عاش الأمريكيون في ظل حملة قمع سياسي شرسة عُرفت باسم "المكارثية"، حيث طاردت السلطات كل من اشتُبه في تعاطفه مع الشيوعية، وزُجّ بالكثيرين في السجون، أو فقدوا وظائفهم لمجرد آرائهم السياسية.

مقالات

تبرّعوا.. وراقبوا!

وسط دوامة الموت المجاني التي تطوِّق اليمنيين، يتقدّم السرطان كوحش لا يتوقّف عن التهام حياة عشرات الآلاف سنوياً، لا يفرِّق بين رجل وامرأة، شيخ مسن أو طفل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.