مقالات

العودة إلى حسين مرُوَّة (1-2)

05/11/2021, 08:29:32
المصدر : خاص

أثار انتباهي، وأنا طالب في الجامعة، حوار مهم مع المفكّر حسين مرُوَّة في إحدى الدوريات البيروتية القديمة عنوانه البديع  "ولدت شيخاً"، قبل أن يُضاف إلى هذا السياق  لاحقاً ".... وأموت طفلاً"، ليصير كتاباً سيرياً عنه، حرره الشاعر المعروف عباس بيضون، كان عماده حوار طويل أجراه معه في أوقات متفرِّقة.

صدر الكتاب في العام 1990م، أي بعد اغتيال مروَّة - في منزله في منطقة "الرملة البيضاء" ببيروت على أيدي مسلحين من حزب الله، وهو شيخ طاعن ومقعد في مطلع فبراير 1987م- بثلاث سنوات. اغتيال سياسي لمفكِّر كبير ينتمي إلى الطائفة الشيعية، التي يدّعي الحزب تمثيلها، هدف منه إسكات الصوت الرافض للتشدد والقتل والتبعية، الباحث عميقاً في التراث المادي للفكر العربي الإسلامي لكشف مخبؤات الاستنارة فيه، وإشاعتها للقراء.

الاغتيال ذاته، الذي طال مفكراً آخر في الفترة ذاتها تقريباً (مايو 1987م)، ومن الطائفة ذاتها والمنطقة ذاتها (جبل عامل)، هو الدكتور حسن عبدالله حمدان، أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، الذي عُرف أيضاً باسم "مهدي عامل" في الأوساط الفكرية والسياسية في لبنان، حتى إن مراجع شيعية معروفة رفضت الصلاة عليه، لأنه شيوعي حسب وصفها، وتمّت الصلاة عليه في مسجد للطائفة السنية في بيروت.

حسين مرُوَّة المولود في إحدى قرى "جبل عامل"، في الجنوب اللبناني في العام 1910م، لأسرة شيعية متديّنة، أرسله والده إلى النّجف الأشرف في العام 1924م لدراسة العلوم الإسلامية في جامعتها التقليدية.
أمضى سنته الأولى، بجبّته وعمامته، غارقاً في تحقيق حلمه بأن يصير شيخاً كبيراً مثل والده، لكنه -بعد عامين- بدأ بتغيير مساره كلّه بانفتاحه على  معارف وعلوم خارج المقررات الدِّينية، التي ابتدأت مع كتابات المفكِّر المصري الليبرالي إسماعيل مظهر في مجلة "العصور"، التي اشتهرت بمقارباتها العقلية، وتالياً مع كتابات شبلي شميل، الذي سيُحدث فيه الأثر الفكري الأعمق؛ أما الشيخ حسين محمد الشيبي هو الذي سيعرفه على كتب ماركس والاشتراكية العلمية.

أكمل مرُوَّة دراسته في جامعة النّجف أواخر الثلاثينات، حين صار كاتباً معروفاً في محيطه، ولم يعد إلى لبنان، وبقي في العراق يعمل معلماً في مدارسها الثانوية، ومشاركاً في حراكها السياسي. وبعد إعدم النظام شيخه الشيبي  في العام 1947م، عاد إلى لبنان في العام 1949م،  بعد ربع قرن من مغادرتها. عاد بغير عمامة الشيخ وجبّته، التي غادر بهما، وإنما برأس طليق، يحمل من الأفكار الكثيرة والكبيرة، التي ستقدّمه لاحقاً كواحدٍ من أهم المفكرين العرب.

كتابه الجدلي (النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية) كان واحداً من كُتب التكوين الباكرة عندي، الذي فيه تتبّع المفكّر الراحل أهم محطات النزعات المادية والعقلية المغيّبة في نتاج المفكِّرين والفلاسفة العرب والمسلمين، معتمدا على المنهج المادي والتحليل التاريخي، وبأدوات علمية شديدة الوضوح والنّفاذ، لكن قبل هذا الكتاب بشموليّته ووحدة منهجه وموضوعه، كان قد أصدر مطلع الثمانينات كتاباً تمهيدياً  شديد الخصوصية، يتصل بكيفية فهم تراثنا العربي  الإسلامي بنزوعه الإنساني عنونه بـ"تراثنا كيف نعرفه"، فالتراث الذي يقرأه "هو التراث نفسه، لا يتكرر ولا يتعدد.. لكن معرفته هي المتعددة بقدر ما تتعدد البنى الفكرية التي بها يُقرأ التراث" كما يقول. أما فصوله المتعددة، فتبحث  بدورها عن معرفة لتراثنا الفكري، لكن "كيف" هي هذه المعرفة؟ حسب تساؤله في تمهيد الكتاب، أو ما حبّذ تسميته بـ"قبل المقدمة"، أما الإجابة عن هذا التساؤل  تصير عنده:

- هي المعرفة التي تجيئنا من "الكيفية" الواقعية التاريخية التي تكوَّنت عناصر التراث في بيئتها  الاجتماعية، وفقاً لفعل القوانين التي تنظِّم حركة صيرورتها، بعملية ليست خارج التاريخ بل هي جوهر حركة التاريخ.
 فصول كتاب "تراثنا.. كيف نعرفه" كُتبت كمواد متفرِّقة بين عامي 1955- 1980م لمجلة "الثقافة الوطنية"، التي أصدرها مُروَّة في العام 1952، ومجلة "الطريق"، التي كان يصدرهما الحزب الشيوعي اللبناني، وترأسها مُروَّة من العام 1966 حتى اغتياله، عدا الفصل الأخير منه (النزعة الصوفية والتصوّف في المجتمع)، فقد كانت عبارة عن بحث  قدّمه المؤلف إلى النّدوة العالمية عن الحضارة العربية/ الاسلامية التي عُقدت في مارس 1980 في مدينة أشبيلية.

هذه الفصول -حسب مُروَّة- تستغرق زمن المرحلة الثانية كله، أي الزمن الذي سبق - مباشرة- مرحلة الاشتغال كلية بكتابة "النزعات المادية في الفلسفة العربية- الاسلامية"، وهو الكتاب الذي "نقل صاحبه" إلى مرحلة متقدِّمة في مسيرة البحث عن معرفةٍ من نوعٍ جديد بالتراث الفكري العربي - كما يقول في ص6.

 في أغسطس من العام 1955م، نشر حسين مُروَّة  في مجلة "الثقافة الوطنية"  في بيروت مقالاً فكرياً مهماً، يبحث فيه عن تجربة جديدة لبعث التراث العربي الفكري، الذي سيصير بعد رُبع قرن مقدّمة لكتابه التأصيلي "تراثنا.. كيف نعرفه"، لأن أولى المهام من إصداره لهذه المجلة كان هو الرجوع إلى الإرث الثقافي العربي، في مختلف عصوره، لمحاول الكشف عن أفضل كنوزه التي غطّاها رُكام الزمن والإهمال معاً، لأن كثيراً جداً من هذه الكنوز  قد طمست عن عمد وقصد في بعض أدوار التاريخ، وعن جهل وسذاجة في أدوار أخرى، ولكن عنصر "العمد" كان هو الأغلب، لأن أفضل كنوز الفكر العربي، في مراحل شتّى من تاريخنا، كان تعبيراً عن الأفكار الجديدة، في الحياة العقلية أو الاجتماعية أو السياسية، التي تنبثق من حركة التطوّر، لكي تُصارع الأفكار السائدة القديمة المحافظة، المستنفدة أغراضها، التي تعبّر عن مصالح فِئات من المجتمع  تكون هي الفئات القابضة على زمام المنافع والمغانم والسلطان في أواخر كل مرحلة من التاريخ، متشبثة بها في إصرار محموم حتى تلفظ أنفاسها.

لذلك كان من طبائع الأمور أن يُحاط بالرعاية، من آثار المفكِّرين والأُدباء، كلُّ ما يعبّر عن أفكار هذه الفئات نفسها ما دامت قائمة، لأنه يؤيّد مصالحها وامتيازاتها  وتفوّقها في المجتمع، وأن يطمس - في الوقت نفسه - من آثار المفكّرين والأُدباء  كل ما يعبِّر، في أي دور تاريخي، عن الجديد النامي في حياة الناس؛ هذا الجديد الذي تخرجه طبيعة التطوّر الدائم، وتشق له طريق الظهور، ولكن الأفكار القديمة المحافظة بمعونة الفِئات ذات المصالح السائدة، تقاوم ظهوره بكل جهد، وتعوّق نموه إلاَّ إذا برزت في قواعد المجتمع نفسه قوى إنسانية واعية مؤتلفة، تسند هذا الجديد كما يسندها، تعطيه من قوتها قوّة، وتأخذ منه نوراً وأملاً وعزيمة.

قبل خمس وستين سنة، كان هذا المفكِّر منشغلاً بقضايا إشكالية كُبرى، تتصل بكيفية البحث عن النّقاط المضيئة في تاريخنا، لأنّ القوى المعيقة لتطوّر المجتمع كانت تقاتل في سبيل طمسه، وتعمل جاهدة لإبراز ذلك النِّتاج المتخلّف الذي  تستقوي به للحفاظ على امتيازاتها ومصالحها.

لغته السلسة والنافذة، ومنهجه العلمي الرَّصين  يجعل من مثل هكذا أفكار قادرة على الحياة طويلاً، لأنها تنطوي على قِيمة علمية كبيرة، وإن القضايا -التي قاربتها وقتذاك- لم تزل تفعل فعلها في حياتنا.
(يتبع)

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.