مقالات

الكتب لا تتوقف، اليمن وحده المتوقف!

12/02/2025, 07:33:48

ونحن نتابع أحدث إصدارات الكتب في كل أنحاء الوطن العربي، مع كل معارض الكتاب طوال السنوات الماضية الجدباء، نشعر في داخل اليمن  بحزن عميق جدا، على ماصرنا إليه -نحن اليمنيين- من قطيعة ثقافية مُرعبة مع التنوير والثقافة والقراءة، نشعر بأننا معزولون تماما عن الكتاب الورقي الذي مازال يسيطر على شهوة القارئ ومزاجه  وحميميّته بعيدا عن سيطرة الكتب الرقمية والإليكترونية.

ما أريد طرحه هنا هو بشاعة ما يحدث في الداخل اليمني  بخصوص طباعة الكُتب ودُور النشر التي تماهت مع الواقع السياسي الخبيث القائم، والعمل على طباعة كُتب لا تقل بشاعة عن التجريف الحاصل في كُتب المدارس وإفساد هوية اليمن العقائدية السمحة، وزرع بذور التطرّف والسلالية والمناطقية والفئوية والقروية والكهنوتية.

حدث تماهٍ تام وشامل بين انتهازية دُور النشر الموجودة في صنعاء مع الواقع السياسي المرير، وخاصة في ظل الثراء الفاحش والتكريس الممنهج لنشر كل ما يقع تحت أيديهم من كُتب تمزق النسيج الاجتماعي والإنساني والمذهبي بين اليمنيين، بالتلاقي مع جشع دُور النشر التي لا يهمها سوى المكاسب المادية.

وتراجعت طباعة الكُتب الإبداعية إلى ما يقارب الصفر، وهنا لا ننسى الإشارة -باختصار- إلى أن هناك طباعة ضخمة للمصاحف، وهناك جهات تمتلك السلطة والثروة لإحداث تغيير حتى في تفسير بعض الآيات بما يتناسب مع فكرهم السلالي، وخاصة تلك التي تخرج من مطابع صعدة، هناك تجريف عقائدي وديني  وفكري لن يظهر حجمه الحقيقي إلا في المستقبل القريب، مع ظهور أجيال تم غسيل أدمغتها تماما، وتحويلها إلى أدوات تطرف وأدوات قاتلة وعدوة حتى لنفسها، ومنفلتة  من أي حساب أو عقاب، ولذلك لا غرابة عندما نسمع بعض من يعتلون منابرهم وهم  يتحدثون بكلام ما أنزل الله به من سلطان، "كلام وخطب  مخيطة بصميل أخضر خرج من الكهف".

فيما يتعلق بنشر وطباعة  الكتب في خارج اليمن، هذه أمور لا يقدر عليها إلا القِلة؛ بحكم إمكانياتهم المادية  الكبيرة في ظل ما صار إليه اليمنيون جميعا من جوع وخوف، وهي فئة قليلة، مع مصاعب كثيرة في إيصال الكُتب إلى صنعاء أو غيرها إلا بكميات محدودة وشخصية، وبطرق تهريب المحرّمات، وما إلى ذلك.

بالنّسبة لبقية المبدعين في الداخل اليمني، لا يملكون أي ورقة ضغط أو مساومة سوى الرضوخ لشروط دُور النشر، وخاصة اليمنية في الخارج،  حيث يضطر المبدع اليمني إلى الموافقة على شروط مجحفة مثل أن تحصل دار النشر على جميع حقوق النشر والتوزيع والترويج في معارض الكتب، وإعادة الطباعة أو النشر في مواقع بيع الكتب على النت، وحصول المبدع على ما لا يتجاوز خمس نسخ أو عشر نسخ فقط من أي عنوان تتم طباعته.

وهذه الكتب -للأسف- لا تصل إلى يد المؤلف في اليمن إلا بشق الأنفس؛ فلا يدري ماذا يفعل بها سوى الفرجة والتصوير معها، أو محاولة إعادة طباعتها بنسخ شعبية رخيصة، وتوزيعها على الأكشاك بالآجل، على مضض وتبرّم يظهره باعة الكُتب دون حياء أو خجل.

خلال سنوات الحرب الماضية، تم تجميد وتجليد العقل اليمني على جميع المستويات؛ العلمية والأكاديمية والتعليمية، من المبدع العادي إلى البروفيسور،  وتقييد بطونهم بعقولهم، وربط أمعائهم بأعصابهم، وجعلهم مهمومين ومشغولين بتوفير لقمة العيش الصعبة المغمسة بالذل وقمة الحاجة، فمن كانوا يُصدِرون في كل عام كتابًا، أصبحوا يفكرون، خلال العام كله، بكيفية الحصول على كيس دقيق أو قمح أو دبة زيت.

تحول اليمني في الداخل إلى متسوِّل وشحات بطرق مقنعة كثيرة؛ مهما كان مستواه  العلمي أو العقلي، لقد تم تدجين هذا العقل على أبواب المنظمات مقابل الحصول على سلل غذائية لا تغني ولا تسمن من جوع، وإذلال الجميع بشكل دوري حتى انقطعت تماما.

لم نعد ندري هنا على أي شيء نكتب؛ عن الجوع والذل بذاته أو عن الجوع المعرفي لدى الإنسان اليمني.

لقد أصبحت قراءة صحيفة ورقية عزيزة المنال على الجميع، وإذا صادفنا صحيفة صفراء بمجرد تصفحها نشعر برغبة كبيرة، وغثاء شديد، حتى لم يعد بوسعنا إلا أن نتقيأ ما رأيناه، وليس ما قرأناه على الفور في أقرب رصيف، أو زاوية.

لقد صادفنا مثقفين يمنيين، خلال العشر السنوات العبثية، ودموعهم تنزل بغزارة، وهم يتابعون سلسلة عالم المعرفة  وهي تعلن كل أول شهر عن توزيع كتاب جديد في مجال جديد؛ هذا كمثال للقياس وليس الحصر، ومعارض الكتب في العواصم العربية، بينما هم محرومون من كل شيء؛ حتى من كوب شاي بالحليب، وصحيفة أو كتاب حديث  يتصفحونه مع حبة سيجارة، والسعادة تقطر دموعا متلألئة من عيونهم.

سيحتاج اليمنيون إلى سنوات طويلة للتعويض عن أنفسهم من خلال أبنائهم وأحفادهم، أما نحن، الذين نعيش هذه الأيام التي جاءتنا بأخبث الناس وهذه السنوات البالغة السواد والحالكة الظلام، لن يحل السلام وعودة اليمن إلى  الحياة إلا وقد رحل المحبون الحقيقيون لليمن؛ محبو الكتب الذين رضعوا معارفهم من أشعة الشموس وبطون الكتب  وصفحات الصحف، ومن عقول كبار الأساتذة الذين ماتوا مما حل بوطنهم العزيز الغالي على أيدي أخبث اللصوص والفاسدين.
لله الأمر من قبل ومن بعد.

مقالات

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

مقالات

استعادة المناعة الوطنية.. كيف يمكن إعادة بناء التربية والمجتمع بعد سنوات التعبئة؟ (4-5)

إذا كانت الحلقات السابقة قد سعت إلى تفكيك الآليات التي أُعيد من خلالها توظيف المدرسة والمعلم والمناهج والرموز الثقافية في خدمة مشروع تعبوي ذي طبيعة أيديولوجية، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بفهم ما جرى، بل بكيفية التعامل مع نتائجه.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.