مقالات

درس من التاريخ

25/04/2021, 11:01:29
المصدر : خاص

يومَ أن فكَّر الانكليز في ضمِّ عدن - وما حواليها - إلى تاجهم الامبراطوري، سعوا إلى تحقيق هذه الغاية بوسائل مُتدرّجة، تتفق مع طبيعة الحال أو سياسة الموقف القائم، حتى يتبيّنوا الأسلوب الأمثل في نهاية المطاف..

فالانكليز معروفون تاريخياً بعدم اعتماد قواعد ثابتة في مجال تعاطي السياسة، مُنوّهين دائماً بمقولة خالدة لديهم تفيد بأن "سياستنا الثابتة هي أنه ليست لدينا سياسة ثابتة". أي أنهم يعالجون المشاكل ويحددون المواقف وفقاً لما يحدث أو يطرأ بهذا الصدد في حينه.

فحين قرروا احتلال عدن، كانت الخطوة الأولى في هذا المضمار هي التقدم إلى السلطان العبدلي في لحج آنذاك (1839م) بعرض شرائهم لعدن، التي كانت يومها قرية صغيرة وبائسة تتبع سلطات هذا السلطان..

ثم تواضعوا في عرضهم من حالة الشراء إلى حالة الإيجار لزمنٍ معلوم، مقابل قدرٍ من المال، بعد أن لمسوا عدم قبول السلطان موضوع الشراء، بعد أن تنامت مشاعر الرفض لدى نجله الشاب وعدد من أعيان السلطنة لهذا المشروع من منطلق المبدأ أساساً وليس العرض تحديداً..

حينها، تطور الموقف الانكليزي من حالة العرض إلى حالة الفرض، فانتفت الرغبة في الشراء وفي الإيجار، وتصاعدت الرغبة في الاحتلال الذي بات هو الحل لوطء عدن!

ويومها، بعث الكابتن "هينز" ببرقية إلى مركز القرار في لندن، كانت دقيقة اللغة ومباشرة النبرة وواضحة المعنى، يقول فيها: "لا يمكننا أن نحصل على عدن إلاَّ بالقوة العسكرية". نقطة. انتهت البرقية.

وافقت لندن، وأعدَّ "هينز" سيناريو محبوكاً جداً لغزو عدن، فيه من خيال الدراما أكثر مما فيه من واقع السياسة. وكان البطش العسكري العنيف للانكليز يفوق في جبروته الحالة المتواضعة للمقاومة المحلية، فقد كان الفرق واضحاً جداً بين قدرات الطرفين.

وبعد أن هدأت المدافع التي دكَّت قلاع وحصون اليمنيين، ذهب "هينز" إلى السلطان العبدلي ليُجدد عرض الشراء - لا الإيجار - في مقابل مبلغ من المال. يومها قال له السلطان بكل أنفة وعزّة: يمكنكم أن تأخذوا عدن عنوةً ... أما أنا فلن أبيعكم إياها.

ولكن .. جاء إثر ذلك من قَبِلَ بإسقاط عدن - وغيرها من المناطق - من حسابات السيادة الوطنية، بعد القبول بقدر معلوم من الدريهمات ثمناً لهذه السيادة.

يحكي التاريخ أن للانكليز قاعدة سياسية مضمونة السريان تقول: "نحن نتحكّم من دون أن نحكم"، بأن يُوجِدوا الشخص - أو الأشخاص - الذي يتوهم أنه يحكم البلاد، فيما هو مجرد عُكفي أو موظف صغير لديهم. إن لهم عبارة مأثورة في هذا الشأن تقول: الرجل الذي لا رأي له كمقبض الباب، يستطيع أن يُديره كل من يشاء! 

 

لذا، أوجد أبناء التربية الانكليزية من المحتلين الجدد لعدن - اليوم - عدداً من مقابض الأبواب. لكنهم أغفلوا درس الأنفة والعزة الذي سطّره العبادل - حُكّاماً وأهالي - مثلما تناسوا بأن في هذي البلاد من البنادق أكثر مما فيها من الرجال، وأن الروح الوطنية لم تكن يوماً عُملة وطنية لتفقد قيمتها تحت تأثيرات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، محلية أو إقليمية أو دولية. 

إن ما يؤسفني جداً اليوم هو أن من يريدون كتابة التاريخ، يغفلون في الأساس عن قراءة التاريخ!

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.