مقالات

روح الكاهن.. وجوهر الكهانة

08/07/2024, 13:48:44

كان الكهنة في الأديان القديمة - ولا زالوا - يخاطبون أتباعهم، أو أتباع دياناتهم، لا فرق، باِسم الله (اللات، الرب، الإله، القدير.. الخ) في كل الأمور المتصلة بالأرض والسماء على السواء، وفي أمور المعيشة وشؤون الناس وعلائقهم.

حتى إذا أرادوا شيئاً من أحدهم - أو من مجموعهم - طلبوه باِسم الله، لا باِسم هذا الكاهن أو ذاك، حتى لو كان نصف دجاجة مشوية أو رُبْع قنينة نبيذ أو سبع بيضات.

وحين جاء الإسلام قيل لأتباعه "لا كهانة في الإسلام"، غير أن روح الكاهن وجوهر الكهانة ظلاَّ قائمَيْن، ولو في الظل. 

وراح الكهنة الجُدد يخاطبون أتباع الدين الجديد باِسم الله في كل أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة، وفي كل شأنٍ من شؤون العيش والمعيشة، وفي كل مطلبٍ من مطالب الحياة اليومية التي يدَّعون الزهد فيها ويزعمون الترفُّع عنها!.

إن الكذب باسم الله، والسرقة باِسم الله، والقتل باِسم الله، والتدليس باسم الله، هي قاعدة مُتأصلة لدى كل المتحدثين باسم الله زوراً وبهتاناً، ممَّن يدَّعون أنهم يُمثِّلون الله وحدهم، ويعرفون الله وحدهم، ويحبون الله وحدهم، من دون سائر الأتباع والأشياع في كل الأديان والمعتقدات والمِلَل والمذاهب، أكان يُطلَق على الواحد منهم صفة كاهن أو مُسمَّى شيخ أو نعت إمام، أو ولي أمر، أو خليفة أو بابا.

وإذا انتهى هؤلاء من تسميم العلاقة بين الله والناس، عبر تسميم الذهن والروح في الكيان الآدمي، والتدليس عليهم، ولو بانتزاع آيات مُلفَّقة وأحاديث مزيفة ومنزوعة من كتب العَدَم المُخبَّأة في أقبيتهم المظلمة، إذا انتهوا من ذلك كله، خاضوا في حالات "مقدسة" أخرى، يحتاجونها دائماً وبالضرورة لاستمرارية ارتباط الذهنية المستلبة لدى هؤلاء، ولتكرار سلخهم على مذبح الطوطم، واستمرار حلبهم في زريبة التابو.

مثالاً، يستحضرون في هذه الحالة مسمى الوطن وصفة الوطنية في عديد أمثلة وشعارات من منتوجهم الخاص القائم على مفهومهم الخاص، وهي أمثلة وشعارات تنبع كلها من البحيرة المقدسة نفسها، وتصب جميعها في البحر المُفدَّى ذاته.

ودائماً ما يحتاج الوطن إلى تضحيات هؤلاء العبيد بأرواحهم وأولادهم وأموالهم، أما أرواح وأولاد وأموال الكهنة والمشايخ ففي منأى دائم عن التضحية، فهي محصورة دائماً وأبداً في العبيد وحدهم دون أولئك الأسياد.

فأرواح الأتباع حلال على مذبح الوطن، أما أرواح الكهنة والمشايخ فحرام حرام حرام. وأولاد أولئك قرابين فيما أولاد هؤلاء للجامعات.

وأموال المهابيل - على قِلَّتها - تُنثر في حملات التبرُّع لنصرة القضايا الوطنية والقومية والدينية الكبرى، أما أموال بابوات الوطنية المنبرية فتتضخَّم في البنوك والعقارات وتُغسل بكل الوسائل.

فإذا تكرَّر اسم الله في كل شاردة وواردة، وتنطَّط مسمى الوطن، ونعت الوطنية في كل نافلة وسافلة، فاحذر حذراً شديداً.

أما إذا تصاحبَ هذا وذاك مع غزير الدموع وعالي النشيد وحارِّ النشيج، مع وصلات من شقّ الصدور وخبط الرؤوس ولطم الخدود، فاهرب بجلدك وعقلك وجيبك وولدك. وليكن هروبك سريعاً إلى الله الحقيقي الذي فيك، وإلى الوطن الحقيقي الذي لم يعرفك أو تعرفه يوماً.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.