مقالات

سوداء.. شمطاء وساخنة!

20/03/2023, 09:14:05

صار القحط عنواني، واليباس وجداني، والجدب صفواني، فلا كتاب جديداً في يدي، ولا قصيدة جديدة في فمي، ولا عشق يتموسق في دمي. 

لذا، عدتُ مؤخراً لإعادة قراءة بعض الكتب التي سبق لي قراءتها، علّي أجد فيها النجوى، وبعض السلوى، وزاد رحلة ولو مؤقتة، خارج حدود الزمكان.

قرأتُ بالأمس كتاباً للصديق الكبير والأستاذ القدير الدكتور عبدالعزيز المقالح -رحمة الله تغشاه- صدر في صنعاء قبل أكثر من عامين، وحمل عنوان "ذكرياتي عن خمس وعشرين مدينة عربية"، الذي اكتنز زمرة من ذكرياته الحميمة في تلك المدن التي زار بعضها للسياحة، وبعضها زارها ضمن وفود رسمية، أو لغرض المعرفة والاطلاع، فيما استقرّ في بعضها ردحاً من الزمن بداعي الدراسة الجامعية.

دعتني هذه القراءة إلى التطواف في مدارات الذاكرة، إذْ رحتُ أستذكر تجوالي في رحاب مدن وعواصم شتى، عربية وأوروبية وآسيوية وأفريقية، زرتها خلال الزمن المنسلخ ماضوياً من مشوار العمر، فإذا بالأشجان تدهمني، وإذا بالحنين يلفُّني، وإذا بدواعي الحسرة حيناً والبهجة حيناً تسيطر على الوجدان.

وكنتُ كلما جلتُ بخواطري في هذه الرحلة، الممتدة قرابة نصف قرن، راحت المشاعر تتضارب شتى في دخيلتي، قبل أن تعيدني وطأة الواقع الثقيلة والحرب الكئيبة إلى الأحوال التي صارت عليها بلادي اليوم، وإلى ما اكتنف عاصمتها ومدنها وقراها من دمار جذري العمق، وكُلّي الإطار، كأنَّها من بعض لا معقوليات دالي في التشكيل وكافكا في الكتابة!

صارت بلادي اليوم تبتعد كثيراً عن ركْب معظم بلاد العالم، فيما غدت صنعاء وعدن - مثالاً - تتخلف بل تتقهقر كثيراً عن كل عاصمة ومدينة عربية كانت تواكبها في الغالب، أو تتجاوزها في بعض الأحيان، في هذا الشأن أو ذاك الميدان، في الاقتصاد والمعيش، أو في المعمار والحضر، أو في الثقافة والفن، أو في الاجتماع وشؤون المرأة والطفل والتعليم والصحة، وغيرها الكثير من الأمور.

ومن العجز المرير والثقيل على النفس أن يعدم المرء - في مثل هكذا وضع - ما يمكنه أن يقوله غير أن يردد اللعنات يصبها صبّاً على كل ما ومن كان السبب في هذا الوضع، الذي صارت عليه اليمن وآلت اليه صنعاء وعدن، بعد أن صارت مطمعاً سهلاً لكلاب الشوارع وهوام وسوام الكائنات من بشر كالوحش والحشر!

تبدو لي هذي الحرب، أحياناً، حُمّى ليلٍ مسعورة، أطاحت بالسكينة الزائفة في منطقة الحياد، بين غبار الخنادق.. وملاءات الفنادق.

وحيناً تبدو لي قصيدة حُبٍّ سريَّة، كتبها عاشقٌ يائسٌ مغمور، خبَّأها في قصعة البخور، ليُخفيها عن عيون النقاد.. وأنوف المُخبرين الأُميّين.

وحيناً تبدو حفلة شعارات تلطَّخت بها أعمدة النور المُطفأة.. والتصقت برؤوسٍ قابلة للطيّ والخواء.. وتدحرجت من أول النيون حتى آخر الكهف.

وتبدو لي حيناً رقصة جنٍّ أخيرة، دمدمت في منتصف الموت، على كومةٍ من جماجم رخوة، كلها مثقوبة من الخلف.. وملساء من كل الجهات.

...

سأُغلق باب خوفي على شغفي، وأترك هذه الحرب تعوي في عراء الفضيحة. وأنام ملء حريقي، لعلَّ الجحيم يُترجمني إلى لغةٍ لا يُجيدها القتلة.. يتحدثها الأطفال بطلاقةٍ مدهشة.. وتفهمها النساء الطريَّات كرائحة الخبز، كما يفهمن الإشارة الخفيَّة إلى زرّ الإضاءة بجوار السرير.

...

لم تعد هذي الحرب تبدو لي شيئاً، غير تلك الأسمال الملطخة بالخيانة، وتلك الأشلاء المعلبة في الخطابات والأخبار، وتلك الأحلام التي دهستْها مدرعة تقطع الطريق بين شارعين، في مدينة يقطنها أطفال لا يعرفون جدِّو نويل، وتحرسها أسراب من العصافير الملونة، صدر فرمان بتجنيدها في إحدى الجبهات.

...

تدور النهارات حول مدارها المغلق على خمس جهات وعشر جبهات وسبع دول. وتدور الليالي بلا هدفٍ، ولا شرفٍ، ولا بوصلة.

وإذا ما انتبهنا إلى دمنا، يتقطَّر من عورة أيامنا، تبدَّتْ لنا سوءتنا - سيرتنا:

سوداء كالفضيحة.. شمطاء كالإشاعة.. وساخنةً كالمقصلة!

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.