مقالات

كلمة السر "الذهبية" لحيوية الرياضة وأولمبياد طوكيو

24/07/2021, 16:35:48

تزامن ميلاد الفلسفة عند الإغريق مع ابتكارهم الألعاب الأولمبية، كسمتين مميزتين للحضارة اليونانية وفترة توهجها الخلاقة بكل ما هو معزز لرقيّ البشرية وتحضرها.

كان ذلك تعبيراً عن تكامل حيوية العقل ورياضته "الفلسفة"، مع حيوية الجسد ورياضته "الألعاب الرياضية الأولمبية".
لو لم توجد الألعاب الرياضية لفُنيت البشرية منذ وقت طويل.
نشاط الإنسان الخالي من الغايات المادية هو ما يمكن الحياة من أن تأخذ معناها.

صحيح أن الرياضة أصبحت صناعة وأرباحاً، لكن ذلك في مؤسساتها الحديثة التي هي جزء من الرأسمالية العالمية، ومع ذلك فهذه الأندية والمؤسسات الرياضية مجرد قشور على سطح فكرة الرياضة كسِمة ملازمة للحياة، ممارسةً واهتماماتٍ ومتابعةً.

الرياضة نشاط إنساني يمنح الحياة بُعدها المتحرر عن القوالب الجامدة، وإن وظّفت حيويتها من قِبل آليات الرّبح وصناعة الثروات، فمعناها يبقى أبعد من التسليع والرِّبح والخسارة.
الرياضة في جوهرها نشاط إنساني يكسر مفاهيم الرِّبح والجدوى المادية، وتشكِّل فسحة للتنفس واستعادة التوازن في عالم يكر ويفر في دوامة جنون لا نهائية،

في دول الخليج صُرِفت أرقام فلكية على الرياضة والبنى التحتية والمدرِّبين والمنتخبات، غير أن ذلك لم يثمرْ حيويةً ومنجزاتٍ وتفوقاً. الإنجاز والتفوّق يحتاجان إلى أن تكون حيوية الرياضة متكاملة مع مجتمع حيوي، يتسم بمناخ خلاق يُتيح لكلِّ الطاقات أن تعبِّر عن نفسها.

في أمريكا اللاتينية مجتمع حيوي ومنفتح وخلاق، لا يقلُّ عن المجتمعات الأوروبية، التي تتفوّق في تراكم المعرفة والعِلم، واستقرار الدولة والمؤسسات التي تضمن الحُريات ورعاية المتفوِّقين وازدهار الرياضة.
هذه الحيوية تعبِّر عن نفسها في حيوية منتخباتها الرياضية وتفوّقها.

كان مارادونا، أيقونة أمريكا اللاتينية الرياضية، متزامناً مع صعود الرواية ورمزها غابرييل غارسيا ماركيز، وانجذاب الشباب للكفاح الثوري، وأيقونته تشي جيفارا الذي غدا رمزاً عالمياً للكفاح من أجل الحُرية والاستقلال ومناهضة الاستعمار.
هل نبحث عن مبررات للرياضة؟

الرياضة مثل الفنِّ لا تحتاج إلى تبرير نفسها. مع ذلك، كلاهما نشاط معزز لرُقيّ الإنسان وازدهاره وحُريّته، وكلاهما يشكِّل مناخاً خلاقاً للإبداع والألق الإنساني، وبناء جسور التواصل الكاسرة للحواجز، والعنصرية، والكراهية، والعداءات، والفاشيات بمختلف أنواعها.

في افتتاح أولمبياد طوكيو، الجمعة الفائتة، كان ممثلو دول العالم يمرون حاملين أعلام بلدانهم وراياتها، وفِي المقدِّمة البعثة الرياضية اليُونانية، كما جرت العادة في كل أولمبياد منذ أن بدأه الإغريق قبل الميلاد ب676 عاماً.  
ولأول مرّة، كان الوفد الثاني هو فريق من الرياضيين يمثل من لا وطن لهم. بعثة اللاجئين المشتتين في أصقاع الأرض المختلفة وجهاتها الأربع. جنسيات مختلفة يجمعها الشتات والرابطة الإنسانية. إنهم بشر ينتمون للإنسانية، وينتمون لفِئة من لا وطن لهم. ضحايا الفاشيات العنصرية والطائفية والاستبداد ومهووسي السلطة، أولئك الذين لا يترددون في خوض الحروب ضد مجتمعاتهم وشعوبهم من أجل البقاء في كراسي الحكم الملطّخة بالدّم، والمُقامة على جبال من الجرائم والمآسي والآلام لبشر من لحم ودَم، لهم أسماؤهم وحيواتهم وقصصهم الشخصية.  

هذه رسالة تضامن تختزل قِيم المحبّة والسلام التي مثلتها الألعاب الأولمبية عبر العصور:
"أنتم جزء من العالم". هذا ملخّص الرسالة لكل من شُرّدوا من أوطانهم بفعل المستبدين، ومجانين التسلّط، ونزعات الهيمنة والاستئثار والإقصاء.
اللجنة الأولمبية الدولية رأت في هذا الفريق "رسالة قويّة من التضامن والصمود والأمل للكوكب بأسره".

ويضم هذا الفريق، المختلِف عن الوفود الأخرى، 29 رياضياً، جمعتهم أقدار الشتات والتشرّد واللجوء، بعيداً عن أوطانهم.
  وعلى عكس الوفود الأخرى، التي تمثّل بلدانها وأعلامها وراياتها، يُشارك هؤلاء الرياضيون النازحون عن أوطانهم تحت الراية الأولمبية. وفي حال فاز أعضاؤه بميداليات، فيُرفع العَلم الأولمبي الشهير بالحلقات الخمس، على إيقاع النشيد الأولمبي أيضاً، في حال صعوده إلى المِنصّة.

   أما الرّمز المختصر لاسم الدولة، الذي يكون عادة ثلاثة أحرف تشير إلى جنسية اللاعب، فسيكون "فال"، أي الفريق الأولمبي للاجئين.
تمت مساعدة 56 رياضياً من خلال المِنح، واختير 29 رياضياً للمشاركة في ألعاب طوكيو استناداً إلى أدائهم، ولكن أيضاً بناءً على تأكيد وضعهم كلاجئين من قِبل المفوضية الأممية العُليا للاجئين.
لعب التاريخ الشخصي والرَّغبة في وجود فريق تمثيلي متنوِّع من حيث التخصصات الرياضية والجندر والبلدان، التي شُرِّد منها اللاعبون، معياراً في اختيار المشاركين.
ومن بين الفائزين الـ29 المحظوظين، تسعة من سوريا.

هذا التمثيل يحيلنا إلى حقيقة أن من شُردوا من أوطانهم بفعل حروب الفاشيات المستبدة هم أجزاء واسعة من المجتمعات تصل إلى الملايين، بينهم الرياضي، والفنان، والمهندس، والطبيب. أُسر وأطفال ونساء ورجال، يمثلون مجتمعاتهم المقصِية.

لم يعد اللاجئ سياسياً معارضاً، أو مثقفاً منفياً بسبب آرائه وكتاباته. لقد تحوّلت حياة الملايين إلى جحيم بفعل جنون السلطة. لا فرق أن صدر هذا الجنون من ديكتاتور مستبد، أو من عُصبة طائفية تخوض حرب إبادة في مواجهة مجتمعها من أجل الهيمنة واحتكار السلطة والقوّة والثروات. ولو كانت الهجرات مفتوحة بدون حواجز ولا قيود لوجد العالم مجتمعات كاملة تنزح للبحث عن فرص للحياة، بعيداً عن الظلم والقهر الذي تواجهه في بلدانها، وما يفترض أنها أوطانها الأصلية.

هذه الالتفاتة الإنسانية لوحدها تليقُ بالأولمبياد وبالقِيم التي تتضمّنها الرياضة كتنافس إنساني سلمي، يُعزز قِيم الحياة والسِّلم والتعايش بين البشر.
يقول لاوتسيو، وهو حكيم صيني عاش قبل الميلاد بألفي عام:

ثلاثون ذراعاً يشاركون في محور العجلة،
ولكن الفراغ في قلب المركز هو الذي يجعلها نافعة. اصنع من الطين إبريقاً، الفراغ الذي بداخله هو الذي يجعله صالحاً للشُرب فيه.

افتح للغرفة أبواباً وشبابيك،
يبقى الفراغ مصدر نفعها.
بعض المكاسب تأتي من الوجود،
أما النّفع الحقيقي فيأتي من اللاوجود.
ولعلّ الرياضة في أحد معانيها هي هذا "الفراغ" الذي يمنح الحياة معناها ونفعها الحقيقي واستواءها كحياة قابلة للاستمرارية الخلاقة، وجديرة بأنْ تُعاش.

مقالات

برفقة شوبنهاور.. حين يكون اليأس دافعًا أصيلًا للحياة

اليوم الثالث برفقة شوبنهاور، كان اسم هذا الفيلسوف في ذهني، يجلب معه إيقاع "الشوكة". يبدو كئيبًا ويعدك بالقنوط، ولهذا تأخرت في الإصغاء إليه. كنت بحاجة إلى التهيؤ له، ترقُّب تلك الحالة الذهنية الجسورة للاقتراب منه

مقالات

بيع الوطن بالتجزئة

أصبحنا، ونحن ننظر إلى الوطن اليوم، وكأننا ليس في وطننا بل في وطن يمتلكه مجموعة من الناس، الذين يحكمونه بالحديد والنار، ويمتلكون فيه كل شيء؛ من الهواء والطُّرق والسواحل والخطوط الطويلة بين المدن، وكأنهم يملكون الشروق والغروب والهواء والمطر.

مقالات

مقالة في الشعر

هنالك أشخاص يكتبون الشعر، وشعراء يحصلون على الجوائز، وشعراء يتم تكريسهم كأسماء رنانة، وشعراء يتم ترويجهم عبر أجندات وجماعات؛ كل ذلك لا علاقة له بالشعر. كثيرون بلا عدد يكتبون الشعر، لكن الشعراء نادرون.

مقالات

حكاية المُسَفِّلة غيوم عالم (2)

كانت المُسَفِّلَةُ غُيُوْمْ عَالم تدرك بأن عليها لكيما تضمن حرية التنقّل بين العالمين وتمارس مهنتها كمُسَفّلة أن تحتفظ بعذريتها فلا تتزوّج ولا تدع أحدا يقترب منها باسم الزواج، أو باسم الحب، ولأنها جميلة كان هناك من يحوم حولها ظنا منه بأنها، وإن كانت ترفض الزواج، لن ترفض الحب، وكان أولئك الذين خابت آمالهم في الزواج منها يأملون أن يصلوا إلى بغيتهم عن طريق الحب

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.