مقالات

يوتوبيا مُضادّة!

23/05/2021, 13:56:10

أنت في غاية الضّيق، لأن أسطوانة الغاز المنزلي في مطبخك فرغت اليوم..

وفي شدّة الغضب أنت، لأن حالة النّت سيّئة جداً، ما يحول دون تواصلك جيداً مع عالمك الافتراضي.

يا إلهي، إن كمية الخضار والفاكهة واللحوم والأسماك في ثلاجتك لا تكفيك لأكثر من أسبوع.. 

والنّقود في جيبك لا تكاد تكفيك لابتياعك القات لأكثر من خمسة أيام بالكاد.

وها هي الهموم تزدحم في دهاليز جمجمتك بشأن الإيجار وفواتير الماء والكهرباء والهاتف.

وأنت تعتقد، وتُغلظ الاعتقاد تربيعاً وتكعيباً، بأنك أتعس ما خلق الله على وجه الأرض، بل ربّما في درب التبّانة كلّها وعلى الإطلاق.. فهذه الأزمات والمنغّصات والهموم تكاد تدعوك إلى الانتحار بالتأكيد، ولم يبقَ غير اختيار طريقة الانتحار!

لكنك لو انتبهت قليلاً - ولو للحظةٍ واحدة - إلى حقيقة وضعك أو إلى موقفك الحقيقي في الواقع ومنه، لأدركت أن ذلك كله ليس شيئاً البتة قُبالة مأساتك الحقيقية الفادحة..

يا عزيزي، أنت بلا وطن، فقد تضعضع بل ضاع وطنك تحت سنابك كائنات خرافية بل 'خراءية' قدّمت من فراسخ زمكانية عديدة قبيل القرون الوسطى..

وأنت بلا هوية، فقد تمزّقت هويتك واحترقت في مشهد الشتات واليباب والدّمار والعدم الذي تعيشه رغم أنفك منذ سنين معدودات..

وأنت بلا قرار، وبلا إرادة، لأنك أسير قرارات أتخذها عنك آخرون، وأسير إرادة غيرك الذين حدّدوا لك حدودك داخلك، ورسموا عنك مصيرك بالرغم عنك وعمن خلّفوك.. 

ظللتَ تقرأ في كُتب التاريخ، وتشاهد على شاشات التلفزة، ما يُحكى عن جحافل 'التتار' و'الفايكنج' وأشباههم في فترات زمنية مختلفة، وفي مناطق من الكون متعددة.. 

وها أنت اليوم تلقاهم وجهاً لوجه، وتحملهم بين ظهرانيك، يحكمون ويتحكمون فيك كما يريدون دونما أدنى اعتراض من ظلك ولو في خيالك..

دعك من ربطة العُنق التي تظل طويلاً تربطها قُبالة المرآة كل صباح. إن عنقك مرشح لربطة المشنقة في أية لحظة. فاختر أيّ الربطتين تليق بك!

ثم دعك من السخرية البليدة تجاه الصراع الغابر بين علي ومعاوية - أو بالأصح بين أتباعهما القدامى والجُدد - فهؤلاء جميعاً يقفون هالساعة مُدجّجين بكل سلاح مُتاح على عتبة دارك.. هاهم يدلفون اللحظة إلى صحن دارك.. ويجلسون على مقاعدك الوثيرة الأثيرة، ثم يتجولون كما يحلو لهم التجوال في كل جنبات الدار .. وهاهم يأكلون من طعامك.. ثم يبصقون في المائدة!

وها أنت لا تستطيع معهم حراكاً، ولا تستطيع منهم فكاكاً.. أ تدري لماذا؟.. ببساطة: لأنك لست سيّد نفسك.. ومن لم يعد سيّد نفسه، أشتراه سيّد آخر من الإنس أو الجن، ثم باعه بثمن بخس في سوق العبيد..

أنت لست مواطناً من أية درجة.. ولست مواطناً تنتمي لأيّة دولة.. وإنْ لم تُصدّق ذلك، جُلْ بحثاً عن حقيقتك هذي في كل مطارات وموانئ العالم من أقصاه إلى أدناه! 

لم تأكل اليوم لحماً؟.. أنت اللحم الذي يؤكل كل يوم..

لم تنهش فاكهة؟.. أنت الفاكهة التي فسدت ورُميتْ في برميل القمامة..

لم تستمتع بسماع أغنيتك المفضلة؟.. أنت أكثر الأغاني حزناً في التاريخ!

أ تدري.. لن أطلب منك - فيما أنت تشكو همومك السخيفة - أن تجول بناظريك حواليك لترى الجحافل المُجحفلة من بني وطنك وهم جياع (جياع حقيقةً لا مجازاً)، وحسن الحظّ فيهم من يجد كسرة خبز متعفنة في مقلب زبالة..

لن أطلب منك ذلك، فأنا أحقر منك ربّما في هذا الموقف، فكلّما رأيت هذا المشهد أدرتُ وجهي شطر الفراغ..

أو تدري يا هذا.. في العام 1516م، نشر رجل أحمق يُدعى توماس مور فلسفته السخيفة عن 'يوتوبياه' القائمة في الوعي والوجدان المنسلخين عن واقعنا الحقيقي.. لو كان هذا التافه مُقيماً في هذا اليوم في هذا البلد لأدرك حقيقة 'اليوتوبيا'، ولكن على نحوها المضاد، لأنه بضدها تتميّز الأشياء..

فما يحدث اليوم وهنا هو 'اليوتوبيا' الحقّة، المضادّة لكل ما هو سخيف في الفكر والطبيعة والمجتمع والعالم، والمضادة لكل ما هو غير حقيقي البتّة في عالمَيْ الواقع المادي والخيال الطوباوي على السواء..

قُمْ إذنً ولملم أشلاءك المُلقاة على كاهل الزمن المُنفلت من عِقال الحضارة..

تلكم الأشلاء لن تستطيع ترميمها، يكفي أن تجمعها لتلقيها على قارعة الدرب أو مزبلة الوقت..

فقط، أقول لك: حاول العيش مرةً أخرى، مُجدّداً، بعد ألف عام!

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.