مقالات

ترامب والقضية الفلسطينية: سياسة استثنائية أم امتداد للإمبريالية

16/02/2025, 14:15:14
بقلم : زهير علي

إلى جانب مؤيدي رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، هناك أيضاً الكثير ممن يعارضونه وينتقدونه، ويكاد يجمع نُقاده على التركيز على تصريحاته غير المحسوبة، وطريقته غير الدّبلوماسية في التعبير عن المصالح الأمريكية.

ولكن، هل ترامب نموذج استثنائي في الموقف الأمريكي والغربي تجاه العالم، وتجاهنا في المنطقة العربية؟

يحاول البعض هنا التأكيد على أن تصريحات ترامب بشأن القضية الفلسطينية عبارة عن موقف غير مسؤول أو غير عقلاني، ويختلف نوعياً عن موقف السابقين له، في حين أننا نميل إلى النظر إليه ضمن الإطار نفسه، ونؤكّد على أنه لا يختلف عنهم سوى في الدّرجة، وتحديداً في مستوى الخطاب الاستعلائي، وغياب الدبلوماسية والمناورة.

وإن النّظرة، التي تفرِّق بين النمط العام للسياسة الأمريكية وتصريحات ترامب، لا تعطينا أي قيمة للفهم، وتبتعد بنا عن التفسيرات الاجتماعية والمعرفية للظاهرة، وتجعل من هذه اللحظات الصادمة عن نظرة السياسة الأمريكية، وجزء مُهم من الغرب نحونا، لحظات عابرة، بينما الواقع يشير إلى أنها ضمن الإستراتيجية ذاتها، وأن صاحبها يتباهى بها، وبالتالي يخاطب بها فئة غير بسيطة ممن يظنهم يفهمونه، بل إن بعض النقد الداخلي الذي تعرّض له، وتحديداً بشأن موقفه من تهجير سكان غزة أو الاستيلاء عليها كجزء من الحل للقضية، لم يؤدِ إلى تغيير جوهر تفكيره، وإنما أعاد النظر في التوقيت المناسب له، حيث أكد أنه لا يقصد بأن ذلك سيتم بالشكل الذي يتصوّره البعض، وأنه ليس في عجلة من أمره لتنفيذه!!

والسؤال الآخر هنا هو: كيف ينظر لنا ترامب وبعض قادة الغرب؟

في الإجابة عن هذا السؤال، أود التأكيد على أن الجواب عبارة عن تصوّر يُساعد على الفهم، ولا يشمل كل فرد غربي أو كل مدارس الفِكر الغربي، ولا يلغي العوامل الأخرى التي قد تكون لها نسبة من التأثير، أو ربما تكون هامشية، وإنما يركز على ما هو أساسي ومهم في التفسير.

ونبدأ الإجابة بوضع تصريحات ترامب وموقفه من قضايانا في الموضع الذي نراه صحيحاً، وهو السياق الغربي الاستعماري والمصالح الإمبريالية، وطريقة تعريف هذه المصالح، ورؤية العالم التي تنطلق منها، فانتهاء حقبة الاستعمار المباشر في معظم الدول لا يشير أبداً إلى انتهاء مصالح الدول الاستعمارية الكبرى، التي أصبحت تحافظ على ذلك النوع من المصالح الإمبريالية عبر القواعد العسكرية، أو السيطرة غير المباشرة.

والاستعمار الغربي كان ولايزال ينطلق من تصوّر مركزي للذات، وتصوّر لا إنساني للمستعمر، ويُساهم في تعزيز هذا المنظور على المستوى المعرفي والفِكري في التاريخ الحديث والمعَاصر، ذلك التحديث والترشيد أو العقلنة ضمن نموذج مادي محض، ويُقصد به إعادة قراءة وتعريف وتفسير كل شيء بقراءة مادية، وهذا النوع من الترشيد الذي طال كل شيء (الطبيعة والإنسان)، حسب ماكس فيبر عالم الاجتماع الشهير، وكذلك حسب مفكِّري وعلماء اجتماع التيار النقدي، وخاصة مدرسة فرانكفورت أمثال أدورنو، ماكس هوركهايمر، هربرت ماركوز وغيرهم، وأيضاً حسب إسهامات المسيري المهمة والمميزة في السياق ذاته، (كل ذلك) يفسِّر لنا طبيعة المنظور السائد للعالم، الذي فيه تصبح الأرض -كل الأرض- كمادة يحق للقوي استغلالها، فهي إما مجرد مساحة للاسثمار، أو منطقة مليئة بالموارد والمواد الخام والسكان؛ كتل بشرية قد تكون عبارة عن مستهلكين، أو يد عاملة رخيصة، أو ربّما أشخاص بلا فائدة!، ولا بأس في إبادتهم بالطريقة النازية، أو التخلّص منهم كما حدث في بعض مشكلات سكان أوروبا، عبر إرسالهم إلى الأرض الجديدة في أمريكا!، أو التخلّص من المسألة اليهودية بتهجير اليهود إلى فلسطين، أو الاستفادة من السكان الأفارقة ونقلهم إلى أرض أخرى، وتسخيرهم للعمل الشاق واستعبادهم، وغيرها من الظواهر التي تؤكد وترجح عقلانية ومصداقية هذا التفسير الناتج عن النظرة المادية "الرشيدة" للعالم، وهو منظور لا يعتد بأي قِيم إنسانية مطلقة، ويحوِّل الإنسان صاحب الوعي والآمال وذا الأبعاد المركّبة إلى إنسان ذي بُعد واحد (مادي) حسب ماركوز.

وفي ظل هذا الترشيد، الذي يتجلى في أعظم صورة في السياسة وسلوك الدول ثم الذي يليه من المجالات، تصبح القوة معياراً ومرجعية مهمة للحق، حيث يحق للقوي فرض المعايير وتحديد الصواب، وفرض ما يستطيع قدر المُمكن، وقد يُستخدم الدّين أو غيره هنا، ولكنه استخدامٌ غير إنساني وغير دِيني، وإنما يُستخدم كوسيلة تكرِّس النظرة نفسها، بينما على الضعيف التكيُّف والإذعان للواقع، فرفضه التنازل عن حقه ومحاولته المقاومة بالبقاء في أرضه أو الاحتجاج عبر إلقاء الحجارة، ومؤخرا القذائف، يمكن وصمه بسهولة بالإرهاب، أو العنتريات غير المجدية، وعدم قبول التنازل مقابل المال، أو تسويات توطين في بلدان أخرى، يمكن وصمه بالجمود واللا عقلانية!!

بينما يمكن بسهولة تفهّم بطش القوي واحتلاله وقتله وردود فعله الهمجية واللاعقلانية فعلا،ً التي تصل إلى الرغبة الجامحة في إبادة السكان الأصليين!!

لم يكن هتلر استثناءً شاذاً من الغرب، وكذلك الصهيونية كحركة غربية، وإنما تعبير عن نموذج مهم ضِمنه، وكذلك لم يكن ترامب استثناءً ضِمن الموقف السياسي الغربي والإمريكي، وإلا لما كانت القضية الفلسطينية والظلم القائم فيها قد حدثا، وبرعاية الاستعمار الغربي، واستمرا حتى يومنا هذا، وتم تجاهل كل المعايير الإنسانية المتعلقة بالحق والعدل، وما موقف ترامب سوى امتداد للعقلية الإمبريالية التي تُعطي للقوي حقوقاً مطلقة وتجرِّد الغير من إنسانيته، فأرضنا وأرض إخواننا الفلسطينيين ليست وطناً بالمعنى الإنساني الذي تعرفونه، وإنما قطعة أرض يمكن استثمارها فقط، والقوي أحق بها، وكذلك مواردنا الطبيعية، وليس السكان هناك بشراً أو غاية في حدِّ ذاتهم، وإنما كتل بشرية يمثلون عائقاً وتهديداً لأهم قواعد وامتدادات القُوى الاستعمارية في المنطقة، ويمكن حلّ مشكلتهم بالطريقة السابقة المعتادة نفسها، وهي إما إبادتهم أو تهجيرهم!!

يبدو أن ذلك الترشيد المادي، الذي تجاوز دوره الصحيح في الجزئيات وعالم المادة، من أجل زيادة كفاءة تعاملنا مع الطبيعة، ورفع شعار نزع السر أو السحر أو القداسة عن العالم، وذهب إلى كل نواحي الحياة الإنسانية أيضاً، خاصةً مع تعاظم دور بعض المدارس الفِكرية، لينزع القِيم أيضاً عن العالَم، وبالتالي ينزع "الحرمة" عن الإنسان.

ولعلَّ هذا الوضوح الصادم في موقف ترامب يبيِّن سذاجة بعض السياسات الخاطئة عند العرب، ويدفعهم إلى إعادة تعريف مصالحهم، وأولوياتهم، وحماية حقوقهم عبر التعاون، وعبر تحقيق قدرٍ من القوّة، وتسخير إمكاناتهم بما يجعلهم يفرضون على القوي احترامهم.

مقالات

المكارثية الجديدة: حين تصبح مناصرة فلسطين تهمة

في الخمسينات من القرن الماضي، عاش الأمريكيون في ظل حملة قمع سياسي شرسة عُرفت باسم "المكارثية"، حيث طاردت السلطات كل من اشتُبه في تعاطفه مع الشيوعية، وزُجّ بالكثيرين في السجون، أو فقدوا وظائفهم لمجرد آرائهم السياسية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.