تقارير

تبرعات الحرب الإجبارية.. سوط يُجلد به المواطنون في صنعاء

07/04/2021, 09:06:32

وسط ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وفقدان مصادر الدخل والمرتبات، وحملات الجباية والتبرعات الإجبارية، يجد المواطنون أنفسهم محاصرين في المحافظات التابعة لجماعة الحوثي، ليتحولوا إلى مشروع استثماري تستغله المليشيا أبشع استغلال، دون أن تلتزم بمسؤولياتها تجاهه أو تمنحه حقوقه.

 ولم تكتفِ المليشيا بالزج بالأبرياء والتغرير بالأطفال للمشاركة في حروبهم الرامية إلى الاستحواذ على السلطة، وجاءت معركة مأرب، التي اندلعت بهجومهم على المحافظة قبل أسابيع، لتجعلهم يستنفرون كل طاقاتهم ويحولون المواطنين إلى وقود لها سوى بالمشاركة في القتال أو التبرع بالمال.

وخلال الأسابيع الماضية، اكتوى المواطنون بحرب الجماعة على مأرب بدفع التبرعات، ومكابدة أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت إلى أرقام قياسية، نتيجة للمبالغ الكبيرة التي فُرضت على التجار، وتم إسقاطها على أسعار البضائع.

جبايات وتخوين

لم يكن الحوثيون يتوقعون معركة طويلة، أو مواجهات عسكرية شرسة لاقتحام مأرب، واضطروا إلى اللجوء إلى كل الأساليب الممكنة للتحشيد، ومنها حملات التبرعات والجبايات التي تحمل تبعاتها المواطنون. 

وعلى الرغم من أن حملة التبرعات، التي نُفذت على مستوى الأحياء والمديريات والمحافظات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص، تبدو في ظاهرها طوعية لكنها في الحقيقة إجبارية، ولا يمكن لأحد من الناس رفضها حتى لا يتعرض للمضايقة، أو يتم تجيير موقفه لطرف معين، واعتباره مؤيدا لما يسموه "العدوان"، بحسب التربوي عدنان القبيلي.

يقول القبيلي لـ"بلقيس": "يعرف الحوثيون أنهم لم يدفعوا مرتبات الموظفين، وأن الناس يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة، ويكافحون لتوفير المتطلبات الأساسية، لكنهم يجبرونهم على التبرع لتمويل حربهم، فيما هم يبنون البيوت، ويشترون السيارات، ويعيشون حياة الرفاهية".

القبيلي كغيره من القاطنين في أغلب أحياء أمانة العاصمة، استلم طرداً فارغاً من عاقل الحارة مدونة فيه بياناته، لكي يضع داخله مبلغ التبرع ويعيده إلى العاقل، كمساهمة منه في ما أطلقوا عليها "قوافل النصر والصمود".

ولم يكن أمام القبيلي سوى وضع خمس مائة ريال في الطرد حتى لا يكون موضع شبهة في الحي، ويتم التعامل معه كعميل وخائن.

 طرود فارغة

طرود عديدة وصلت إلى المنازل، سواء بالتوزيع المباشر للمنازل أو مع أسطوانات الغاز المنزلي، أو عبر طلاب المدارس، 

كما حصل مع "عبدالسلام"، حين عادت طفلته (طالبة بالمرحلة الأساسية) بطرد فارغ، ورفضت أن تذهب إلى المدرسة إذا لم يضع فيه مبلغا.

وافق عبدالسلام على مضض حتى لا تتعرض ابنته الصغيرة للإحراج بالصف من زميلاتها اللاتي تبرعن، أو توبخ من المعلمات.

وتحمل التجار نصيب الأسد في حملات التبرع الإجبارية، لكنهم أضافوا ما تبرعوا به على القيمة الأصلية للسلع والمنتجات الغذائية، وهذا ما جعل الأسعار ترتفع بشكل كبير خلال الفترة الحالية.

يقول "الحماطي"، أحد تجار أمانة العاصمة: "التجارة صارت عملا شاقا في ظل سلطة الأمر الواقع، ويتعرض التجار للابتزاز والحملات طوال العام، على الرغم من دفع ضرائب وجمارك باهظة". 

ويضيف الحماطي في حديثه لـ"بلقيس": "التجار صاروا ضحايا، وليس لديهم خيار سوى الدفع، وإضافة ما يجبى منهم على أسعار السلع"، ويؤكد أن الحوثيين "ليس لديهم اعتراض على رفع الأسعار طالما الجبايات تُدفع".

ويتفق معه التاجر بالتجزئة عبده الضبيبي، حيث يقول: "معركة مأرب لها تأثير كبير على التجار والأسعار في السوق، وانعكست على أوضاع الناس المعيشية، حيث ارتفع مستوى غلاء المعيشة إلى قرابة 30% في بعض السلع".

ويرى أن موجة الغلاء لا مبرر لها، عدا الجبايات التي تنهب من التجار تحت العديد من المسميات، وآخرها الجهاد بالمال، فأسعار صرف العملات الأجنبية مستقرة، وسعر الدولار لم يتخطى حاجز الـ600 ريال".

حرب دينية

دفع الحوثيون بكل أوراقهم لاقتحام محافظة مأرب، وقبل حملات التبرع عقدت قيادات الجماعة لقاءات قبلية للتحشيد، كما استغلت الجماعة حادثة القبض على خلية نسائية مكونة من سبع نساء من قِبل الأجهزة الأمنية في مأرب لتحريض الناس على الحرب، تحت دعوى الدفاع عن الأعراض والنساء.

واستخدمت ملف الإرهاب لنيل تعاطف المجتمع الدولي، وشرعنة اقتحام المحافظة، فنشر جهاز الأمن والمخابرات التابع لها تقريراً يظهر تعاونا بين الشرعية وتنظيم "القاعدة"، وتحول مأرب إلى وكر للعناصر الإرهابية، لكن كل المحاولات بات بالفشل.

ولم تتورع المليشيا في تغليف حربها بالطابع الديني، واعتبرت قياداتها أنهم يخوضون معركة مقدسة وبتوجيهات إلهية، وحرض خطباء المساجد على القتال في مأرب ودعم الجبهات بالرجال والمال والعتاد. 

وفي محاضرة ثقافية، قال أبو محمد المطري -أحد قيادات ودعاة الجماعة-: "لا توجد منطقة وسطى بين الحق والباطل، ويجب أن يحدد كل مواطن موقفه، وكل من يقف على الحياد في هذا الوقت منافق ومتربص". 

لا تترك المليشيا فرصة لجمع المال إلا استغلتها، دون أن تأبه بحياة المواطن الذي يعيش حالة من الفقر والعوز، وكلما زادت حملات التبرع والجبايات، والرسوم الجمركية والضريبية، زادت الأعباء على كاهل الناس، ودفعوا الثمن من قوتهم وقوت أطفالهم.

وما التبرعات الإجبارية إلا باب آخر للاضطهاد والتجويع، وسوط لترويع من لم يلتحق بمسيرتهم، ويشارك في ما يسمونه "الجهاد بالمال".

المصدر : خاص
مقالات

اللعنة الأخيرة

الحروب والكوارث والأمراض والأوبئة وسوء التغذية والسلطات والأنظمة وحُكّام الغفلة وحكومات الرفلة ومعها عشرات الأسباب والعوامل التي تُؤهلك كمشروع راحل

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.