تقارير

تغيُّر قواعد الاشتباك في اليمن.. ماذا بعد؟

18/01/2022, 19:30:41
المصدر : خاص - عبدالسلام قائد

أدى التصعيد العسكري الأخير في اليمن إلى تغيّر قواعد الاشتباك، أي القواعد التي تتخذها أطراف الصراع في عملياتها العسكرية، سواء تلك التي تُتخذ في مسرح العمليات بجبهات الداخل، أو في التصعيد المتبادل بين مليشيا الحوثيين وتحالف السعودية والإمارات، وهذه القواعد -في الحالة اليمنية- تجمع بين الصرامة والانسيابية بحسب ما تقتضيه الحاجة، وتتجاوز في بعض الأحيان القانون الدولي، وبالوقت نفسه لا تؤمّن الرد الكافي على أي هجوم مفاجئ، مثل الهجوم الأخير الذي استهدف دولة الإمارات وتبناه الحوثيون، وسط شكوك بأن يكون قد نُفّذ من على متن سفينة إيرانية في البحر، لاستحالة إطلاق طائرات مسيّرة من اليمن إلى الإمارات بسبب البُعد الجغرافي.

هذا التغيّر في قواعد الاشتباك كسر جمود الحرب خلال السنوات الأخيرة، لكنه سيظل يخضع لاعتبارات عدة لا تختلف عن تلك الاعتبارات التي كانت سببا في جمود الحرب، وما يبدو -حتى الآن- أن تغيّر قواعد الاشتباك يقتصر على الفعل ورد الفعل، بدون هدف كبير محدد وواضح لأي طرف، إلا في حدود استثمار "عنصر المفاجأة" من قِبَل مليشيا الحوثيين وإيران بهدف "الابتزاز"، أي تنفيذ هجمات مفاجئة ضد منشآت حيوية في أبوظبي لإجبار الإمارات على سحب قوات العمالقة من مأرب والتوقف في محافظة شبوة.

هذا الموقف الابتزازي من الحوثيين وإيران، يقابله رد فعل متشنج من قِبَل السعودية والإمارات يتمثل في شن غارات جوية مكثفة على مواقع للحوثيين في صنعاء لم تعد تكتسب أهمية عسكرية، لكن لن تظل حالة المراوحة في هذه الدائرة مستمرة لمدة زمنية طويلة، فهل ستتجه الأوضاع نحو المزيد من التصعيد أم أن الإمارات ستتخذ قرارا بالرجوع خطوة إلى الخلف بعد أن وصلت الرسالة إلى عمق أراضيها؟

- الحوثيون وارتدادات الهجوم على مأرب

لم يحتمل الحوثيون المتغيرات الميدانية المتسارعة في محافظتي شبوة ومأرب بعد نحو عام منذ بدء هجومهم العنيف على محافظة مأرب بهدف السيطرة الكاملة عليها، ففي بداية ذلك الهجوم كان قادة في المليشيا يؤكدون أن السيطرة الكاملة على محافظة مأرب ستتم في غضون أيام محدودة، لكن الصمود الأسطوري للجيش الوطني والمقاومة الشعبية هناك أنهك المليشيا الحوثية.

ورغم أن المعركة بدت بمثابة انتحار عسكري للمليشيا، لكنها غامرت في الاستمرار على أمل تحقيق النصر في أي لحظة، غير أنه بعد مرور ما يقارب عام على بدء تلك المعركة، بدأت مليشيا الحوثيين في التراجع تجر أذيال الهزيمة، وزاد من ألمها دخول قوات العمالقة في المعركة، وهي قوات ذات تسليح جيّد وتحظى بدعم دولة الإمارات.

إذن، لقد بدا أن ثمة متغيرا جديدا في مسار الحرب لن تقوى عليه مليشيا الحوثيين، التي خسرت عددا كبيرا من مقاتليها وعتادها العسكري طوال العام الماضي في أطراف محافظة مأرب، وبعد كل تلك الخسائر دخلت على خط المعركة ضد المليشيا قوات مدرّبة ذات أسلحة جديدة ونوعية، يقابل ذلك رفض شعبي كبير في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية للتجنيد والقتال في صفوف المليشيا حتى في أوساط المناطق التي كانت تُصنّف بأنها حاضنة شعبية للحوثيين. 

كما أن إيران (الحليف الرئيسي للحوثيين)، رأت في تقهقر المليشيا الحوثية في مأرب وشبوة خسائر جديدة تضاف إلى خسائر أخرى للمليشيات والفصائل التابعة لها في المنطقة، ففي العراق تراجعت الفصائل الموالية لها في الانتخابات الأخيرة هناك، وفي سوريا تتكبد مليشياتها خسائر فادحة جراء تعرضها لهجمات إسرائيلية متواصلة منذ مدة طويلة وتستهدف مخازن أسلحتها تحديدا، فهل تصمت إيران على خسائر حلفائها في اليمن، التي ستكون وطأتها أشد في حال استمرارها؟

- خيارات محدودة

بدت خيارات إيران والحوثيين محدودة لمواجهة التصعيد العسكري المضاد في شبوة ومأرب، واقتصرت -في البداية- على الدعوة إلى إيقاف الحرب، حيث دعا كبير مستشاري وزير الخارجية الإيراني، علي أصغر خآجي، إلى تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوقف الحرب في اليمن، في حين أعادت مليشيا الحوثيين التذكير بمبادرة طهران لإنهاء الحرب في اليمن التي أعلنتها عام 2015، وقال وزير الخارجية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا، هشام شرف، إن وضع المبادرة الإيرانية في إطار البحث والتعديل البسيط سيكون المدخل الرئيسي لحل ما يدور في اليمن، ودعا المجتمع الدولي، عبر قناة "الميادين" التابعة لإيران، إلى العودة لتلك المبادرة الآن ومناقشتها مع الجميع. لكن لم تلقَ دعوات إيران والحوثيين إلى إيقاف الحرب في اليمن أي صدى، رغم أنه سبقها دعوة روسيا إلى عقد مؤتمر إيراني - عربي تشمل أجندته قضايا إقليمية من بينها الصراع في اليمن والحوار بين طهران والرياض. 

وفي الحقيقة، فقد بدت دعوات إيران والحوثيين إلى إيقاف الحرب في اليمن كمجرد أعراض قاسية للخسائر التي تتكبدها مليشيا الحوثيين في محافظتي شبوة ومأرب وأطراف محافظة البيضاء، وبالتالي لم يكن هناك من خيار آخر للحوثيين وإيران سوى الهروب إلى الأمام وتوجيه ضربة إلى عمق أراضي دولة الإمارات بهدف ابتزازها وإجبارها على الانحناء أمام التهديد بتكرار استهداف منشآتها الحيوية، باعتبار ذلك نقطة الضعف التي يمكن من خلالها ليُّ ذراع الإمارات، لكن هل ستخضع الإمارات لذلك الابتزاز في حال تكررت الهجمات الحوثية - أو الإيرانية (من وراء ستار)- على منشآتها الحيوية؟

- موقف صعب

بالعودة إلى الشواهد السابقة، فالإمارات أعلنت انسحابها من اليمن وتقليص قواتها فيه، في يوليو 2019، أي بعد نحو شهرين من تعرّض أربع ناقلات نفط لهجوم قبالة ميناء الفجيرة داخل المياه الإقليمية للإمارات، في 12 مايو 2019، كما أن الإعلان عن ذلك الانسحاب جاء بعد أن ازدادت القدرات العسكرية لمليشيا الحوثيين، التي كثّفت هجماتها على الأراضي السعودية، وكررت تهديداتها بقصف الإمارات في حال استمر دورها العسكري في اليمن.

 ورغم أن ذلك الانسحاب لم يكن فعليا، وإنما اقتصر على إيقاف الإمارات لعملياتها العسكرية ضد الحوثيين، أي أنه أشبه بهدنة غير معلنة بين الطرفين، فهل ستنحني دولة الإمارات أمام الحوثيين بعد أن صارت التهديدات فعلية بعد انحنائها سابقا أمام تهديدات لم تُنفّذ؟ 

الإجابة عن هذا السؤال تبدو صعبة، لأن انسحاب الإمارات من العمليات العسكرية ضد الحوثيين، في يوليو 2019، تسبب حينها بأزمة صامتة بينها وبين السعودية، خصوصا أن الإمارات ذهبت بعد ذلك الانسحاب بعيدا، مثل توقيعها مع إيران وثيقة أمن الحدود البحرية بين الطرفين، وتم ذلك التوقيع بعد الهجمات التي طالت منشأة أرامكو النفطية السعودية، ثم ظهرت تداعيات تلك الأزمة بين السعودية والإمارات حول حصص إنتاج النفط ضمن منظمة أوبك، في يوليو 2021.

ولذا، فإذا أعلنت الإمارات مجددا انسحابها من العمليات العسكرية ضد الحوثيين ووجهت قوات العمالقة بالانسحاب من المعركة في جنوبي محافظة مأرب والعودة إلى شبوة، فإن ذلك سيتسبب بأزمة جديدة بينها وبين السعودية، وقد تكون أعمق من سابقتها، فهل ستضحّي الإمارات بتحالفها مع السعودية من أجل سلامة النشاط التجاري في أراضيها، أم ستضحّي بسلامة نشاطها التجاري من أجل استمرار وتوثيق تحالفها مع السعودية؟ وكيف ستكون ارتدادات كل خيار على الوضع الميداني؟ هذا ما سيتضح خلال الأيام المقبلة.

 

تقارير

سكان في تعز يتحدثون لبلقيس عن آمالهم بعد رفع الحصار

وإلى جانب الآمال الكبيرة التي يرسمها أبناء تعز لأنفسهم منذ إعلان الهدنة الأممية، يفكّر الشاب شكيب القدسي بالعودة من جديد إلى العمل من خلال باص الأجرة، الذي يمتلكه، وينقل من خلاله المواطنين من مدينة تعز إلى جولة القصر والحوبان.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.